خواطر امرأة

قلوب و قلوب

كن جميلا ترى الوجود جميلا

ثريا الطاهري الورطاسيثريا الطاهري الورطاسي

ارتأيت ان أخصص هذه الخاطرة للحديث عن معاني القلوب ، أو بالأحرى التطرق للنبش فيما يمكن أن توحي لنا به قلوب الأخرين من معان ، ومن هناك جاء عنوانها كالتالي :

معاني القلوب

لقد علمتني الحياة أن أصعب معركة يخوضها الإنسان ، قد توجز في الحفاظ على نقاء قلبه وصفائه وطهارته وما  إلى ذلك،  الا لأن الحياة في محطاتها ودروبها الملتوية ، لن تزيد على كونها متلفة للقلوب وقاهرة لها فمن خسر قلبه فهو مهزوم ، حتى ولو ربح الدنيا كلها . اذ لا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب نير وصاف ، كما أنه لا خير في قلب يخفق بغير محبة صادقة و صافية لا تشوبها أو تفسدها الشوائب . فنحن لا نرتب أماكن الأشخاص في قلوبنا لأن أفعالهم/ هن تنوب عنا وتتولى ذاك التصنيف والترتيب ، والخلاصة انك عندما تكون طيب القلب ، ستهواك الأنفس وتعشقك كل القلوب .

القلوب أشكال

في البدء يمكن أن نميز بين قلب حزين وآخر مسرور ، واذا كان الأول لايمنعه حزنه عن مشاركة القلوب الفرحة ، ولا يحول بينه و بين تقاسم متعة الانشراح لأنه للكلمة الحانية والمؤازرة ، منتظر في لحظات الإنكسار ، و للمواساة في فترات الحزن الطارئ ، يبقى متطلعا ، و من نوافذها يأمل تسلل الضوء الجديد و الاشراق البهي ، وهو الحزين لا محالة والمنكسر المتطلع الى كل سند مستقبلي آت .

أما الثاني – وهو القلب المسرور – فغالبا ما يرى النضارة و الجمال في كل ماحوله بل يتلمسه في العيون المتعامية أو المتغافلة أو حتى في تلك المنشغلة عنه . كل ذلك في حين أن القلب المنشرح و الفرح ، تأتيه الإبتسامة لتنير طريقه و مسلكه و تديب عنه جليد الهموم و الأحزان كيفما كان نوعها ، وهي الكفيلة – أقصد الابتسامة – بايقاض السعادة من سباتها ، فيبقى ذاك القلب دعامة حقيقية لنشر ألويتها ، والمسؤول عن تدفق شلالاتها الدائمة الجريان ، حتى تصل أشعتها الى أكبر عدد ممكن من الأحبة ، أينما كانت خانات تواجدهم و مواقعهم . ومقابله يبقى القلب المفجوع – غالبا – مثقلا بالإحباط و تخنقه اللوعة ، فيعاني حتما من وطأة الألم و شدته و يدخلها مهزوما دوامة المقاومة و الصراع و لا يعرف للانسحاب طريقا منتظرا العون من رب رؤوف و رحيم كريم .

أما القلب الصافي و الطيب ، فلا يبخل عنا في المنح بدون كلل و بدون مقابل ، لأنه معطاء للمحبة الصادقة والنابعة من تدفق أحاسيسه الدافئة و مشاعره النقية ، فهو لم و لن يعرف للنفاق طريقا و لا الى الرياء الإجتماعي سبيلا ، و يلتمس العذر قبل الإعتذار ، و يقدر الظروف مهما تنوعت و تداخلت في ولادة الأحداث و تصور المواقف ، محبا للآخرين ومستحضرا كرامتهم على الدوام دون أن يلتفت الى النواقص والعيوب .

بينما نجد القلب الحقود ، يعمل جاهدا ليأكل صاحبه كما يأكل السيف من غمده ، لأن قبحه كامن و متجذر في سلوكاته و مسلكياته و سائر معاملاته ، و يجعل صاحبه مغرقا في عتمة البلاهة و سوء الظن و انتظار سقوط الأخرين أو انهيارهم .

القلوب ظروف

  • قلب مملوء إيمانا ، علامته الشفقة والإهتمام وقلب مملوء نفاقا وطبيعته الحقد المجاني والغل والحسد لا لشيء .
  • قلب فياض يشع باهتمام لا يجف ، وجارية دائما هي جداول طهره .
  • قلب بٌرْكَاني الطباع ، ينفث حمما و شظاياه دوما حارقة ولسانه رصاص قاتل ، وتفكيره ” لافا ” حامية بطبعها ، مما يستوجب معها الحذر لأنها تثير الذعر في الجميع .
  • قلب سالم و سليم ، يداوي في عز الجرح ، و يلملم في عز الشتات ، و ينتزع الإبتسامة في عز الألم .
  • قلب مزيف ليس له من صفات القلوب الا الأسم ، عضلاته خشبية الطباع و أساليبه مؤلمة و غير رحيمة ، وهي كألم المنشار للخشب ، و تبقى تلك هي طباع القلوب المزيفة ، فإن حدث و أجبر الواحد منا على معاشرتها ، فليحتط أو يعاملها بالخير والمحبة ، حتى يتغلب ضوء محبته و سكونه على ظلام عدوانية الآخر وزيفه .

القلوب أنواع

يبقى القلب الرؤوف المتواضع دون ملل أو كلل ، أجملها لأنه يستضمر المقاومة ويداوم عليها حتى لا ينحني أو ينكسر ، أمام قلب متقلب مغرور محدود الفهم والإدراك ، يرى نفسه أفهم الخلق و أكثرهم صوابا .

من كل ماتقدم نصل الى القول بأن هناك قلوبا من ذهب وأخرى من طين ، قلوبا تمشي في ظلام حالك و هي ملحفة بالمحبة المشعة المتطلعة لنور دواخلها ، من أجل إنارة الطريق ، و بالتالي النبراس الوضاء لمن حولها ، تبقى حريصة على ألا تفرط في من أحبها أو تعلق بها ذات يوم و لأنها لا و لن تنس من سكن أو تسكن فيها الروح ، فينعكس تألقها و جمالها على كل الوجوه . و قيل قديما ” القلب الجميل أحلى من الوجه الجميل ” ، وعليه فإن القلوب الطاهرة آبار سحرية تتدفق بالأحاسيس الندية و هي مثل الذهب لا تصدأ حتى لو أنهكها التعب ، فبمجرد أن تمسحها يظهر بريقها مرة أخرى ، و ينتشر منها نور المحبة فتعم كل الاجواء . فالطِيبة ونقاء القلب هما البلسم الشافي لكل الآلام و الجراح .

أما القلوب الواهية فهي كنز عند الحاجة و عون على المروءة و بها تحيا الألباب . و منه أقول : لا ينبغي أحبتي أن تؤلموا قلوبا رقت لكم يوما ، لأن لحظات الود لها عليكم ألف حق و حق .

وقد يتصور بعض الناس أن أحسن الخٌلق محصور في الكلمة الطيبة و المعاملة الحسنة ، غير أن الحقيقة هي أن أحسن الخْلق أوسع بكثير من ذلك . إنه [ القلب ] والقلب نفسه دائم النبض في صدور كل الناس، لكن بدرجات متفاوتة .

وعطفا عليه ، نجد أن القلوب أماكن و مزارع مملوءة بالأسرار ، و في تربتها تنمو بذور النور و المحبة و الأخوة ، كما قد تكون بحارا فلا تحكموا على أعماقها و أنتم لا ترون منها إلا الشواطئ ، و قد نجد في بعض منها فرصا للراحة و الاستمتاع ، من هموم و متاعب الحياة ، و قد ينعم الله علينا بأحباب تفيض قلوبهم احتراما و تقديرا لنا ، وأحيانا تكون تلك القلوب مجرد حقائب ، فلا تضعوا بحقائبكم غير أولئك الذين تقوون على حملهم ، كما أنها تكون مأهلة لتتحول الى مخازن ذكريات انتهت صلاحيتها ، والى أسرار أودعت فيها هروبا من غدر الزمان أو ضغط الحياة ، فأحْسِن يا أخي وأختي التعامل معها تبعا لطبيعة قلبك وشخصك ، و آمن أن القلوب الجميلة لا تحمل الحقد أبدا ، لأنها ترى كل شيء جميلا ، واستحضر قول ” اليا ابو ماضي ” [كن جميلا ترى الوجود جميلا ] وعندئد ستسعد بكل خطوة نجاح ، ليس لك وحدك بل حتى للآخر بغض النظر على من يكون أو تكون ، واختر بعناية من تزرعهم/ هن في قلبك ، سيما و أن اختيار البذرة أسهل بكثير من اقتلاع الشجرة ، و بعيدا عن أي نصح أخلاقي أو وصاية أبوية ، أقول : تعلم كيف تجعل قلبك نقيا ، ولا توقف عقلك عن العمل والمحبة الشاملة ، ول ا تصحب من ساء خلقه أو مات قلبه ، لأن قتل القلوب أشد إثما و ألما من قتل الأجساد .

أتمنى أن لا يكون الواحد منا من عابري الطريق الذين يشربون من بئر القلب ثم يبصقون فيه ، أو يرمونه بحجارة من سجيل لا لشيء ، وإنما استجابة لطبيعة قلوبهم – المشار إليها أعلاه – وفي نفس الوقت أدعو كل أحبتي الى عدم الاقتراب من أي قلب نعرف – مسبقا – أننا لسنا أهلا لحفظه و الإهتمام به ، فجراح النفس ليست كجراح الجسد وهي لا تلتئم ولا تُنْسى ، وما أبشع و أفضع أن يصبح قلب المرء قبرا لشخص مازال يمشي على الأرض ، ولعمري فإن أكثر الوجع هو ذاك الذي يمثله أولائك الذين يموتون فينا وهم أحياء .

وبالاختصار المفيد ، أجدني أردد مع من يقول : لا تؤلموا أحدا ، فكل القلوب مليئة بما يكفيها ، ولا تصحبوا القلوب القاسية ، ولا تفتحوا قلوبكم حتى تتأكدوا من طهارة من سيسكن فيها حتى لا تبغضوه ، لأن البغض جثة راقدة  (ولا أحد منا يريد أن يكون قبرا للآخرين ) وليس هناك قلوبا ميتة غير تلك التي نواريها في مقبرة الذاكرة .

وأخيرا سلامي ومحبتي لقلوب تبادلني المودة والاخاء . لقلوب تسقيني أنهارا من الوفاء ، و لمن يحمل في قلبه المعاني الحقة للإنسانية . لقلوب لا تجمعني بها سوى الأحرف البسيطة ، و رغم ذلك فهي تفرح لفرحتي وتشاطرني لوعتي و احتراقي ، و مني سلام أشمل وأ عم للقلوب التي زرعت في نفسي السعادة و بعثت فيها الحياة ، و شاركتني ألمي و فرحي . و سلام مني على القلوب التي أكرمتني، و بدعائها لي بظهر الغيب و صلتني . فاللهم رب العرش العظيم ، لَين القلوب و أيقظها من الغفلات ، و اغسلها من هموم الدنيا و ارزقنامن فيض كرمك وعفوك ورحمتك ، سعادة تدوم و لا تنقطع و دامت قلوبكم مُحبة طاهرة ومخلصة .

ثريا الطاهري الورطاسي

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com