في عيد الأم…الأم أصل الحكاية

في عيد الأم…الأم أصل الحكاية
Pikbest
     منير لكماني

أحن إلى حضن أمي

في عيد الأم، لا تأتي الكلمات واثقة كما تأتي في غيره؛ تأتي خجولة، منكسرة قليلا، كأنها تعرف أن مقام الأم أعلى من العبارة، وأن البلاغة مهما تزينت ستبقى واقفة عند عتبة امرأة أعطت عمرها بصمت، ثم قالت لنا في آخر التعب، وهي تخبئ إنكسارها خلف إبتسامة صغيرة: أنا بخير.

كل عام وأمهات الأرض بخير.
كل عام وتلك القلوب التي لا تنام إلا بعد أن تطمئن، بخير.
كل عام والنساء اللواتي صنعن من أيديهن خبزا، ومن خوفهن دعاء، ومن أعمارهن طريقا نمشي عليه، ونحن لا نعرف كم سال تحتهن من تعب، وكم إنطفأت في صدورهن رغبات كي تظل الحياة في صدورنا مضيئة.

الأم ليست جملة جميلة نكتبها في يوم عابر، ولا وردة نضعها في منشور ثم نمضي. الأم أصل الحكاية، وأول الضوء، وآخر الملجأ. هي الباب الذي لا يحتاج طارقه إلى عذر، والصوت الذي إذا نادانا أعاد إلينا شيئا من طفولتنا، واليد التي حين تمسح على الرأس تجعل القلب يصدق أن الدنيا، على قسوتها، ما زال فيها مكان آمن.

الأم حضن لا يشبه الأحضان؛ لأنك حين تدخله لا تحتاج إلى أن تشرح وجعك، ولا أن ترتب دمعتك، ولا أن تبدو قويا. في حضنها فقط، يحق لك أن تكون طفلا مهما كبرت، وأن تبكي دون خجل، وأن تسقط دون خوف، وأن تصمت فيفهم صمتك قبل الكلام.

هي ليست ضعيفة حين تبكي، ولا عادية حين تصمت. هي إمرأة حملت في صدرها ما لو وزع على الجبال لإنحنت، ثم مشت بيننا هادئة؛ تعد الطعام، ترتب الغرفة، تسأل عن الدواء، وتخفي في نبرة صوتها ألف رجفة كي لا نخاف. كانت تتعب ولا تقول، تنكسر ولا تظهر، تخاف علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا، ثم تضع يدها على صدورنا كأنها تعيد للعالم توازنه.

سلام على كل أم ما زالت بيننا؛ على التي نراها كل يوم ولا نعرف أن رؤيتها نعمة كاملة. سلام على من تحفظ أسماءنا في دعائها أكثر مما نحفظ نحن مواعيدنا، ومن تشعر بضيقنا من إرتباك صوت في الهاتف، ومن تعرف وجعنا قبل أن يجد الوجع كلمة يختبئ فيها. سلام على من إذا حضر صوتها خف ثقل الأيام، وإذا دعت لنا شعرنا أن السماء أقرب مما نظن.

سلام، بحجم الحنين، على الأمهات اللواتي رحلن.

سلام على اللواتي تركن مقاعدهن فارغة، لكنهن ملأن أرواحنا حضورا. على اللواتي غاب وجههن عن الصباح، وبقي نورهن في الطريق. على من صارت صورتهن نافذة نبكي عندها ولا نكثر الكلام؛ لأن بعض الشوق لا يشرح، وبعض الفقد لا يحتاج  إلا أن نضع اليد على القلب ونقول: يا أمي.

يا للأم حين ترحل… يتغير شكل البيت، ولو بقي الأثاث كما هو. يصبح للصمت صوت، وللباب وحشة، وللأشياء الصغيرة قدرة غريبة على البكاء. فنجانها، مكان جلوسها، ثوبها القديم، دعاؤها الذي كان يسبق خروجنا… كل شيء بعدها يصير شاهدا على أنها كانت هنا، وأنها مرت من حياتنا كرحمة واسعة، ثم تركت فينا فراغا لا يعرف أحد كيف يملؤه.

لا يموت من الأم إلا الجسد، أما بقيتها فتتوزع فينا: في الملامح، في العادات، في طريقة الخوف على من نحب، في الدعاء قبل السفر، في نبرة تفلت منا فنكتشف أنها نبرتها، وفي لحظة فرح نلتفت فيها لنخبرها، ثم نتذكر أن بيننا وبينها سماء لا يفتح بابها إلا الدعاء.

الأم الراحلة لا تصبح ماضيا. إنها تصير سرا من أسرار القلب، وجعا مضيئا، وحضورا لا تراه العين، ولكن يتكئ عليه الروح كلما تعب. تصير أقرب حين نشتاق، وأعمق حين نبكي، وأبقى حين ندعو. وما أقسى أن يكون للإنسان أم في الغيب؛ يحدثها ولا يسمع جوابها، يطلب رضاها ولا يرى ابتسامتها، يهديها الفاتحة بدل الوردة، ويرفع كفيه بدل أن يقبل كفيها.

وأقسى ما في الفقد أنك تشتاق لأشياء لم تكن تظنها ثمينة: لطريقة نطقها لاسمك، لقلقها الزائد، ولسؤالها المتكرر: هل أكلت؟ هل وصلت؟ هل أنت بخير؟ تكتشف بعد رحيلها أن تلك الأسئلة لم تكن إزعاجا، بل كانت شكلا من أشكال الحب، وأنك كنت تعيش محاطا بدعاء لا تراه، فلما غاب صاحب الدعاء شعرت أن شيئا من سقف العالم قد انخفض.

إلى أمهاتنا الحاضرات: سامحونا إن قصرنا، وإن ظننا أن العمر يتسع دائما لقول: أحبك. سامحونا إن إعتدنا وجودكن حتى نسينا أن الوجود لا يدوم، وإن إنشغلنا عن الأيدي التي ما إنشغلت يوما عنا. أنتن النعمة التي لا ينبغي أن نؤجل شكرها، والحضن الذي يجب أن نعود إليه قبل أن يصير الشوق إليه بكاء.

وإلى أمهاتنا الراحلات: رحمكن الله بعدد ما خففتن عنا، وبعدد ما سهرتن لأجلنا، وبعدد ما إبتلعتن وجعكن كي لا ينكسر فينا شيء. رحمكن الله بقدر ما إشتقنا لصوتكن، وبقدر ما تمنينا لحظة واحدة نضع فيها رؤوسنا على صدوركن ونقول: تعبنا يا أمي.

اللهم إجعل وحشة قبورهن أنسا، وظلمتها نورا، وصمتهن سلاما، وإجمعنا بهن في دار لا تغيب فيها أم، ولا ينكسر فيها قلب، ولا ينتهي فيها عناق.

كل عام والأمهات تاج الحياة. وكل عام وأمهات السماء في رحمة لا تنقطع، ونور لا يخبو، وسلام يشبه قلوبهن حين كانت تضمنا فننجو.

11/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *