بين القانون والإستعراض..
من يحمي هيبة القرار الإفريقي؟
قرار حاسم لا يحتمل الالتباس

لم يعد الجدل الدائر حول نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 مجرد خلاف رياضي عابر، بل تحول إلى قضية تمس جوهر الشرعية داخل المنظومة الكروية الإفريقية. فمنذ أن أصدرت لجنة الاستئناف التابعة للإتحاد الإفريقي لكرة القدم قرارها باعتبار السنغال منهزمة ومنح اللقب للمغرب، نشأ وضع قانوني واضح: هناك بطل معترف به رسميا، وهناك طرف إختار أن يطعن في القرار عبر المساطر المتاحة.
في مثل هذه الحالات، لا تقاس الحقيقة بالهتاف ولا تحسم بالعاطفة، بل بما تقوله المؤسسات المختصة. ولهذا، فإن القرار الصادر عن “الكاف” يظل، إلى هذه اللحظة، هو المرجع القانوني الوحيد النافذ. قد يتغير غدا بقرار من محكمة التحكيم الرياضي، وقد يؤيد أو يعدل أو يلغى، لكن إلى أن يحدث ذلك، لا مجال لطمس هذه الحقيقة أو القفز عليها.
الاستئناف حق… لكن ليس إلغاء للواقع
من الطبيعي أن تلجأ السنغال إلى محكمة التحكيم الرياضي دفاعا عن موقفها، فهذا حق مشروع لا جدال فيه. غير أن الخلط بين “حق الطعن” و”سقوط القرار المطعون فيه” هو أصل الإرباك القائم اليوم. فمجرد تسجيل الإستئناف لا يعني أن القرار السابق فقد أثره، ولا أن الوضع القانوني أصبح معلقا بالمعنى الذي يسمح لكل طرف بأن يتصرف كما يشاء.
إن منطق الدولة والمؤسسة والقانون يقوم على قاعدة بسيطة: القرارات تحترم إلى أن تلغى. أما التعامل معها وكأنها مجرد وجهة نظر قابلة للتجاوز إعلاميا، فذلك يضرب أساس العدالة الرياضية نفسها. وإذا أصبح كل طرف يختار الإعتراف فقط بالقرار الذي يناسبه، فلن تعود هناك قيمة حقيقية للهيئات ولا للمساطر ولا للتحكيم.
باريس… حين تتحول الرمزية إلى تحد
هنا تحديدا تبرز خطورة مشهد تقديم كأس إفريقيا في باريس. ففي الظاهر، يبدو الأمر احتفالا جماهيريا يخص منتخبا ما زال يرى نفسه بطلا. لكن في العمق، يحمل هذا الفعل رسالة أكثر حدة: يمكن صناعة صورة موازية للحقيقة القانونية، ويمكن فرض سردية البطولة على المنصات وأمام الجماهير حتى عندما يكون القرار الرسمي يقول غير ذلك.
هذا ليس مجرد نشاط بروتوكولي، بل إستثمار واع في الرمزية. فالكأس ليست قطعة زينة، بل رمز سيادي في عالم الرياضة، ودلالتها لا تنفصل عن الجهة التي تملك حق حملها وعرضها بإسم الشرعية المؤسسية. وحين تقدم أمام الجمهور تحت راية طرف نزعت منه هذه الصفة، فإننا لا نكون أمام احتفال فقط، بل أمام نزاع مفتوح على المعنى وعلى الذاكرة وعلى صورة البطل في الوعي العام.
معركة صورة لا تقل خطورة عن معركة القانون
في الأزمات الرياضية الكبرى، لا تتحرك الأطراف فقط داخل قاعات المحاكم، بل أيضا داخل فضاءات الرأي العام. والسنغال، من خلال هذا الحضور الرمزي في باريس، تبدو كأنها تخوض معركة موازية عنوانها: حتى إن خسرنا الجولة القانونية الأولى، فلن نخسر معركة الصورة.
هذا منطق مفهوم سياسيا وإعلاميا، لكنه مقلق مؤسساتيا. لأن النتيجة النهائية لمثل هذا السلوك هي إضعاف سلطة القرار القاري، وتحويله إلى مجرد وثيقة يمكن تطويقها بحشد جماهيري أو استعراض خارجي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يصبح الإنتصار في ميدان التواصل أداة للالتفاف على مقتضيات الشرعية، أو على الأقل لإفراغها من أثرها الرمزي.
هيبة الكاف على المحك
المسألة، في النهاية، لا تخص المغرب والسنغال وحدهما. إنها تتعلق بمكانة الإتحاد الإفريقي نفسه. فإذا كان قرار صادر عن أعلى هيئاته المختصة لا يحترم إلا داخل الأوراق والبلاغات، بينما تدار المعركة الحقيقية خارجه، فإن المؤسسة تكون قد خسرت جزءا من هيبتها حتى قبل أن يراجع القضاء قرارها.
إن إحترام القرار الإفريقي ليس مطلبا انتقائيا يستدعي فقط عندما يخدم هذا الطرف أو ذاك، بل هو شرط أساسي لبناء منظومة رياضية محترمة. وإلا فإن الرسالة التي ستترسخ هي أن القانون داخل القارة يمكن دائما موازنته بصورة أقوى في الخارج.
ما الذي يجب أن يفهم اليوم؟
الخلاصة واضحة: من حق السنغال أن تطعن، لكن ليس من حق أحد أن يتصرف وكأن القرار النافذ لا وجود له. ومن حق الجماهير أن تحتفل، لكن ليس على نحو يخلط بين الأمل القانوني والواقع القانوني. وبين حق الدفاع وواجب الإحترام، تقف كرة القدم الإفريقية أمام إختبار بالغ الحساسية.
فإما أن تصان هيبة المؤسسات إلى أن تقول محكمة التحكيم كلمتها النهائية، وإما أن نكون أمام سابقة عنوانها الأوضح: يمكن تحدي القرار الإفريقي بالاستعراض، حتى قبل أن يهزم بالقانون.
27/03/26 ألمانيا
