رياض السنباطي.. نغم الروح

رياض السنباطي.. نغم الروح

عندما يعزف السنباطي تبوح أنامله بالأسرار الروحية

بقلم ذ : عبد المجيد شكير

لو قررت أن تستمع إلى رياض السنباطي وهو يغني على عوده ، فعليك أولا ان تهيء للأمر خلوة بينك وبينه فتنأى عن الآخرين وتهجر كل لذيذ لديك بل وتنسى العالم كله، وقبل أن تدخل إلى محرابه اخلع نعلك أولا ثم اجلس جلسة الظمآن، في صوته الطالع من الحنايا تضرع وابتهال، في أنغامه غلالة روحية تنسيك أين أنت  وفي عزفه ترتيل يحلق بك إلى العلياء.

كان السنباطي محبا للعزلة والوحدة، لا يخالط الناس إلا لماما، ولا يحب الأضواء، ولا الأحاديث والحوارات الإعلامية، ولما سئل ذات مرة عن السر في ذلك أجاب بأن العزلة تمنحه لذة روحية، إنها غذاء لروحه مما يحفزه على التأمل والتخيل والإبداع ، وذلك الغذاء الروحي ينسكب في غنائه وألحانه وعزفه ، فتراه في معظم الأوقات منشغلا بعمل جديد وكأنه ناسك أو راهب معتكف في معبده، كل ما في السنباطي إدا يتلفع بالروح، فالحديث عنده هو (حديث الروح) كما تغني أم كلثوم، والجمال ليس إلا (جمال الروح) كما تشدو نازك ، والحبيب أيضا هو (حبيب الروح) حسب ما تغنيه ليلى مراد، وهذا ما أكدته فايزة احمد عندما اعترضت منشدة (لا ياروح قلبي) .

تعالو معنا الآن لنستعرض هذه الوجوه الفنية الثلاثة للسنباطي مفصلين كل وجه على حدة :

1-السنباطي المغني: كان السنباطي يغني منذ طفولته مع والده في الافراح ومجالس الأنس والذكر، كان له صوت جميل،  هذبه وصقله تحت توجيهات والده الذي كان يمارس الغناء،  فذاع صيته حتى لقب (بلبل المنصورة) وبتشجيع من سيد درويش،  انتقل إلى القاهرة لدراسة الموسيقى بشكل علمي، وهناك بدأ يصدر أعماله الغنائية الخاصة به، بعدما كان يقلد غيره ويردد أغاني السابقين من طقاطيق وموشحات وابتهالات، وبتوصية من مدحت عاصم أقبلت عليه شركة (أوديون) لتسيل الأسطوانات قصد التعاقد معه، وكانت أول قطعة سجلها هي (إمتى نعود لك يانبي) وهي الأغنية التي سوف يعيدها المطرب احمد عبد القادر فيما بعد.

غنى السنباطي بصوته العديد من الأغاني من بينها (فجر/على عودي/ أيها الشادي/ لحن حبي/ يانجمة في سناك / روعوه وغيرها) كما أعاد السنباطي بعض الألحان التي كان قد قدمها للمطربات من بينها (الاطلال / رباعيات الخيام / القدس…) والملاحظ ان السنباطي كان يضفي على هذه الأغاني بهاء بصوته ورونقا بعوده، وقد تميز صوته بحنجرة عذبة الصدى وبدفء ساخن تشوبه بحة خفيفة ، كم سحرتني – وأنا بعد طفل – رائعته الدينية (ربي سبحانك) والتي لازال وجداني يهتز لها إلى اليوم كلما سمعتها، ما أعذب صوته وهو يشدو ( فاسقني يا رب لا تحرم من النور شفاهي) وتعتبر قصيدة (أشواق) للشاعر مصطفى عبد الرحمان ذروة غنائياته بشهادة الجميع، وقد تهافت الكثيرون من نجوم الصف الأول من أجل إعادة تسجيلها، فاستقر السنباطي في النهاية على صوت ميادة الحناوي،

يقول الموسيقار محمد عبد الوهاب ما معناه بأن السنباطي لو لم يغن إلا قصيدة أشواق لكانت كافية لكي تصنفه مع مطربي الصف الأول ، ولما التقى السنباطي في القاهرة بأم كلثوم ولحن لها (النوم يداعب عيون حبيبي) ثم شكل معها منذ تلك اللحظة ثنائيا قدم (93 قطعة) تعتبر من عيون الغناء العربي، لقد وجد السنباطي في صوت أم كلثوم ما كان يتمناه ويحلم به ، فتضاءل نشاطه الغنائي ليركز على مجال التلحين.

2-السنباطي الملحن : صنف الدارسون الملحن رياض السنباطي ضمن المدرسة الكلاسيكية التي تحرص أشد الحرص على المحافظة على أصالة الموسيقى العربية وحمايتها من الأنغام والإيقاعات الدخيلة، فجاءت ألحانه رصينة جزلة متماسكة ملتحمة فيما بينها وكأنها لحمة يصعب تقطيعها وفصل بعضها عن بعض، إنك تحس بأن ألحانه صادقة لأنها نابعة من تفاعله مع الكلمات ومواكبة ومجسدة لتموج المعاني والأحاسيس ، وتتزين هذه الألحان بنفسه الروحي الذي يمنحه التميز عن غيره ، وصفته أم كلثوم بالعبقري، وقال عنه محمد عبد الوهاب بأنه بارع في تلحين (القفلة الحارقة) والتي تشعل حماس المستمعين فينخرطون في تصفيق ملتهب ، وقد ظل السنباطي وفيا لأسلوبه الأصيل إلى حين وفاته سنة 1981م، إنه لم ينسلخ عن أصول النغم العربي، ولم ينجرف كليا مع موسيقى الحداثة والتكنولوجيا، لم يقلد أحدا، ولم يستنسخ سابقيه فجاءت أعماله عربية أصيلة شكلت الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج، ولكل هذا منحته منظمة اليونيسكو جائزتها العالمية سنة 1977م، وللتنبيه هنا فهو أول فنان عربي يفوز بهذه الجائزة، وردا على الذين يدعون أن ألحان السنباطي ما كان لها أن تبلغ قمة النجاح لولا صوت أم كلثوم ، نقول إن السنباطي لمع أيضا في ألحانه مع أصوات أخرى ، نستحضر منها (يا لعبة الأيام) لوردة و(عايز جواباتك) لنجاح سلام و(ان كنت ناسي افكرك) لهدى سلطان و(ياناسيني) لشهرزاد و(انتظار) لسعاد محمد وغيرها كثير، وبتأملنا لأعمال السنباطي كلها نستنتج أن هناك ملمحين يلفتان النظر وهما : القصيدة والأغنية الدينية.

*القصيدة: كان السنباطي محبا للشعر ذواقا لجماليته ، ينقب في قديمه وحديثه حتى يعثر على ضالته أي نص يشده شدا فيختلي آنذاك في محرابه مع عوده ليطلع علينا في نهاية المطاف بتحفة تذهل السامعين ، وللاستدلال على اهتمامه بالشعر وكثرة القصائد التي لحنها أستعرض أمامكم أعماله هذه : (اراك عصي الدمع) لابي فراس الحمداني و(سبحان علام الغيوب) لابي العتاهية و(غيري على السلوان قادر) لبهاء الدين زهير و(وقف الخلق ينظرون جميع) لحافظ إبراهيم و(سلوا كؤوس الطلا – النيل…) لأحمد شوقي و(انتظار– الأطلال) لإبراهيم ناجي و(ذكريات) لأحمد رامي و(قصة الامس – يا لعينيك – فجر) لأحمد فتحي و(الصفصافة..) لعلي محمود طه و(نم إن قلبي) لبشارة الخوري و(اذا الشعب) لابي القاسم الشابي و(اسامعي) لفاروق شوشة) و(اشواق والتقينا..) لمصطفى عبد الرحمان و(رب سبحانك دوما – أغلى شعاع – القدس – من وحي الآذان ..) لمحمود حسن إسماعيل و(ثورة الشك – من اجل عينيك – خفقات قلب) لعبد الله الفيصل، (رسالة إلى عبد الناصر) لنزار قباني كما غنى لشعراء آخرين أمثال عمر الخيام (رباعيات الخيام) والشاعر الباكستاني محمد اقبال (حديث الروح) وصالح جودت (الثلاثية المقدسة)، (يا حبيبي لا تقل لي وداعا – من أنا …) لإبراهيم عيسى وغيرهم، وكم كنا نتمنى أن تخرج إلى النور القصائد التي لحنها للمطربة فيروز وهي من أشعار جوزيف حرب (بيني وبينك – أمشي إليك ..) ولكن رحيله حال دون ذلك واكتفينا بسماعها من خلال صوته ، لقد كشف السنباطي عن روعة الشعر العربي ونشره وأنزله من عليائه حتى أصبحت العامة تردده حتى ولو لم تفهمه ، هذا وتعتبر قصيدة (الاطلال) قمة إبداعاته اللحنية في القصيدة حتى انها تلقب بتاج الاغنية العربية على مر التاريخ.

*الدينيات: للدينيات حضور لافت في أغاني السنباطي وألحانه ،إن حفظه للقرآن وتردده صحبة والده على حلقات الانشاد الديني ومجالس الذكر وتأثره بمرتلي القرآن الكريم ولاسيما الذين يراعون المقامات وعلى رأسهم المقرئ أبو العينين شعيشع الذي كان يجالسه ويناقشه كثيرا بحكم علاقة الجوار بينهما ، كل هذه عوامل شكلت وجدانه الروحي مما أفرز تدفق إنتاجه الديني وشخصيا أعتقد ، انه لا احد استطاع أن يجاريه في هذا المنحى بل ولا احد استطاع أن يقترب منه ، فظل يرفل فريدا شامخا في قمة عطائه الديني ، إن دينيات السنباطي سواء تلك التي غنى أو التي لحن لغيره تفيض بالأجواء الروحية ، ففي قطعة (الثلاثية المقدسة) نجد السنباطي يرسم في البداية جوا من السكون والجلال ، ثم تنشد أم كلثوم مناجاة مفعمة بالخشوع والرجاء (رحاب الهدى يامنار الضياء / سمعتك في ساعة من صفاء / تقول أنا البيت ظل الإله / وركن الخليل أبي الأنبياء / أنا البيت قبلتكم للصلاة/ انا البيت كعبتكم للرجاء / ) ثم تجهر المجموعة الصوتية بنشيد الهجرة (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع / وجب الشكر

علينا مادعا لله داعي ) تصاحبها قرعات الطبولوالدفوف ويتخللها صوت الآذان ، وفي أغنية (تائب تجري دموعي ندما) لأم كلثوم ، نجد في البداية دندنة هامسة على العود هي أشبه بالتبتل والترتيل،تليها آهات جماعية متتالية تحمل معاني الانكسار والضعف ، وأما في الوسط فتتوقف كل الآلات فيلفت اسماعنا دعاء مشوب بالبكاء

تجسده نفخات في الناي تقطر ندما على الماضي المخزي (يا إلهي شاقني هذا الوجود / تلك دنياك فما بال الخلود) هي قطعة جميلة جدا ولكنها للأسف لم تقفز إلى مصاف مطولات كوكب الشرق الدينية ، وأما في أغنية (لبيك) نجد فدوى عبيد تشدو بأنغام طالعة من أحشاء السنباطي الروحية (هذي مصابيحي وذي تسابيحي / في خلوة الروح في عالم الغيب) وبنفس الإحساس الروحي العميق تقني فايدة كامل في قطعة (لك يا حبيب الله) : (تتجهم الأشواق بين جوانحي / ويمر عام بالرجاء وعام / ويكاد يعصرني الحنين لروضة) وللإشارة فكل دينيات السنباطي تحمل هذا العبق الروحي والعطر الرباني : (من وحي الآذان) لسعاد محمد ، (إلاهي ما أعظمك) لنجاة الصغيرة ، (تباركت يا ربي – رتلوا آي القرآن) لنور الهدى ، (يا أكرم من حكم) لفايزة احمد، (كيف ترقى برقيك الأنبياء) لياسمين الخيام ، (الزمزمية) لعزيزة جلال، (مع الله – محمد المختار) لفدوى عبيد، (يارايحين للنبي الغالي) لليلى مراد وغير ذلك من مطولات أم كلثوم (ولد الهدى – إلى عرفات – سلوا قلبي – القلب يعشق كل جميل – نهج البردة ..) وعن هذه القطعة الأخيرة يحكي السنباطي عن حالة غريبة وعجيبة وقع فيها وهو يلحنها ، يقول كان هناك صوت بداخلي يملي علي اللحن وأنا أتبعه حتى انتهيت من تلحينها في ثلاث ساعات ، ولما سمعتها ام كلثوم اجهشت بالبكاء، وأما موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فيقول عن أغنية (حديث الروح) لام كلثوم بأن السنباطي ومن صدق إحساسه بالكلمات وهو يلحنها يجبرك على ان تكون صوفيا ، قد غنى السنباطي أيضا بعض الدينيات على رأسها (ربي سبحانك دوما) و ( إله الكون سامحني انا إنسان) وهذه الأخيرة تطرح وتجسد حيرة الإنسان وتمزقه بين دنيا الإيمان ودنيانا العابقة بالسحر والجمال (إله الكون سامحني أنا حيران / جلال الخوف يقربني من الغفران / وسحر الكون يشاور لي على الحرمان / وأنا إنسان يا ربي أنا إنسان)، وبعيدا عن الأغاني قدم السنباطي عدة معزوفات موسيقية من بينها (لولغا – رقصة شنغاي – إليها ..)

3-السنباطي العازف على العود : كان العود رفيقا للسنباطي في الحل والترحال، كان أنيسه في خلوته ووحدته، هي قصة عشق جمعت بينهما ، قصة انطلقت شرارتها منذ طفولته حين كان يرافق والده في جلسات وحلقات الموسيقى والغناء ، ومنه تعلم أصول ومبادئ الغناء، ومنه حفظ كما هائلا من الأغاني بشتى أنواعها ، ولما انتبه والده إلى لهفته الشديدة في تعلم العود وجهه إلى الأستاذ محمد عثمان الذي لقنه المبادئ الأساسية الأولى في العزف، وعند انتقاله إلى القاهرة قصد المعهد ليتسجل فيه كطالب، وكان عليه أن يقدم نفسه أمام لجنة المعهد، فذهل أعضاؤها وهم يسمعون عزفه البارع والفريد على العود، و تمكنه من الغناء باقتدار، فكان أن عينته أستاذا لآلة العود لا طالبا، فذاع عند السميعة والمهتمين أن هناك عازفا على العود من الطراز الرفيع اسمه رياض السنباطي، وهذا ما شجع الإذاعة المصرية عند افتتاحها في منتصف الثلاثينات على أن تخصص له ربع ساعة يوميا للعزف والغناء.

عندما يعزف السنباطي تبوح أنامله بالأسرار الروحية فيأسرك ويفتنك فلا تملك إلا الإنصات بكل الاحترام والتقدير ، حدث مرة أن نشب خصام بينه وبين أم كلثوم أدى إلى انقطاع العلاقة بينهما ، وآنذاك قدم السنباطي للمطربة شهرزاد لحنا جميلا تحت عنوان (يا ناسيني) وشهدت الاغنية نجاحا مبهرا جعل العارفين يشيدون بها، ولما صالحته فيما بعد، كان أول ما عاتبته عليه هو أنه عزف على العود في مقدمة تلك القطعة، مما يعكس تقدير كوكب الشرق لعزف السنباطي حيث كانت تراه إضافة نوعية للأغنية، وقد سجل السنباطي في السبعينات مجموعة من التقاسيم لفائدة الإذاعة المصرية تعتبر ثروة فنية يمكن أن تستفيد منها الأجيال على مر التاريخ.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *