محور الشر ثلاثي الأبعاد
قراءة نقدية في خطاب الهيمنة وصناعة الخوف الدولية

هل نحن أمام مشروع عالمي منسّق أم سردية سياسية تعكس اختلال ميزان القوة؟
يطرح الخطاب نفسه فكرة تأسيس «مجلس سلام» تقوده دول جلها ضعيفة أو فاشلة، يُستخدم – بحسب الادعاء – كواجهة لاستنزاف الثروات مقابل ضمان بقاء الأنظمة في الحكم. هذا الطرح يلامس واقعًا معروفًا جزئيًا، يتمثل في استغلال هشاشة بعض الدول عبر القروض المشروطة، أو التحالفات غير المتكافئة، أو المؤسسات متعددة الأطراف ذات النفوذ غير المتوازن.
محور الشر ثلاثي الأبعاد: دليل الاستخدام للقرن الحادي والعشرين.
في عالم السياسة الحديثة، لم يعد الشر يحتاج إلى قرون أو ذيول. يكفيه اليوم بدلة أنيقة، بيان صحافي، وابتسامة أمام الكاميرا. هكذا وُلد ما يمكن تسميته – مجازًا طبعًا – بـ«محور الشر ثلاثي الأبعاد»: نسخة مطوّرة من الهيمنة، تعمل بالترهيب، وتُموَّل بالفشل، وتُسوَّق باسم السلام.
البعد الأول بسيط جدًا: اضرب مثالًا، يفهم الباقون. لا حاجة لاحتلال ولا لإنزال عسكري. مجرد فكرة أن رئيس دولة ما قد “يختفي” لبعض الوقت كفيلة بأن تجعل بقية الرؤساء يعيدون قراءة خطاباتهم… وبياناتهم… وحتى أحلامهم. لا يهم إن حدث ذلك فعليًا أو بقي في خانة التلميح؛ ففي عالم الخوف، الإشاعة تؤدي وظيفة الحقيقة، وأحيانًا بكفاءة أعلى.
نصل بعدها إلى التحفة الإدارية: «مجلس السلام». اسم جميل، يبعث على الطمأنينة، ويصلح لافتتاح المؤتمرات وابتسامات الصور الجماعية. أما المحتوى، فمسألة ثانوية. دول فاشلة؟ ممتاز. أنظمة مأزومة؟ أفضل. خزائن مثقوبة؟ لا مشكلة. المهم أن يبقى الجميع في الحكم، وأن يُعاد تدوير الأزمات بانتظام، مثل برنامج اشتراك شهري: ادفع الآن، ونجدد لك البقاء لاحقًا.
أما البعد الثالث، فهو الأكثر طموحًا: الاستعداد لحرب عالمية ثالثة… ولكن بميزانية الآخرين. فكرة عبقرية حقًا. الدول الغنية تخطط، الشركات تصنّع، والخطابات تُلقى عن “الأمن العالمي”، بينما الفاتورة تُرسل إلى دول تعرف إن كانت في حالة سلم أم هدنة مؤقتة. الحرب هنا ليست كارثة، بل استثمار طويل الأمد.
هل هذا كله مؤامرة محكمة؟ ربما لا. لكنه على الأقل نظام يعمل بكفاءة مقلقة. نظام لا يحتاج إلى غرفة مظلمة ولا خرائط سرية، لأنه ببساطة يستفيد من الضعف، ويكافئ الطاعة، ويعاقب من ينسى دوره.
لكن أخطر ما في «محور الشر ثلاثي الأبعاد» ليس وجوده، بل أنه لو لم يكن موجودًا، لاضطر العالم إلى اختراعه… لأن السوق السياسية الحالية تطلبه بشدة.
محور الشر ثلاثي الأبعاد: حين يصبح الخوف أداة حكم
في السياسة الدولية، لا تُدار القوة دائمًا بالدبابات والطائرات، بل بالخوف. والخوف حين يُنظَّم، يتحول من شعور عابر إلى أداة حكم. من هنا يمكن فهم الخطاب المتداول حول ما يُسمّى «محور الشر ثلاثي الأبعاد» لا كحقيقة جاهزة، بل كمرآة لمرحلة عالمية مأزومة، تتراجع فيها القواعد وتتصدر فيها شريعة القوة.
الفكرة الأولى في هذا الخطاب صادمة: اختطاف رئيس دولة لزرع الرعب في قلوب الآخرين. قد يبدو الأمر أقرب إلى سيناريو سينمائي، لكنه يعكس منطقًا معروفًا في العلاقات الدولية: كسر النموذج. حين يُهان رمز سيادي واحد، يفهم الباقون الرسالة دون الحاجة إلى تكرار الفعل. لا يهم إن وقع الاختطاف فعليًا أو بقي في حدود التهديد؛ المهم أن الفكرة نفسها أصبحت قابلة للتداول، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على تآكل مفهوم السيادة.
أما «مجلس السلام» الذي يُقال إنه يُبنى من دول فاشلة، فهنا تكمن السخرية السوداء. السلام، في هذا السياق، لا يعني إنهاء الحروب، بل إدارتها. ولا يعني استقرار الدول، بل ضمان بقاء أنظمة مقابل فتح الخزائن. التاريخ الحديث مليء بأمثلة عن مؤسسات وشراكات رُفعت فيها شعارات براقة، بينما كانت الوظيفة الحقيقية هي تدوير الأزمات لا حلّها، وإبقاء الدول الضعيفة في حالة اعتماد دائم.
البعد الثالث، وهو الاستعداد لحرب عالمية ثالثة بأموال المنهكين..
ليس نبوءة بقدر ما هو قراءة للواقع. سباق التسلح يتسارع، لغة الردع تعود، والإنفاق العسكري يرتفع، بينما تُستنزف الموارد باسم “الأمن” و“الاستقرار”. المفارقة أن من يدفع الثمن غالبًا ليس من يشعل الحرائق، بل من يعيش فوق حقولها.
هل نحن أمام مؤامرة كبرى متكاملة الأركان؟ ربما لا.
لكننا بالتأكيد أمام نظام عالمي لا أخلاقي بما يكفي ليجعل مثل هذه السيناريوهات قابلة للتصديق. وحين يصل العالم إلى هذه النقطة، يصبح الخطر الحقيقي ليس في صحة الرواية، بل في البيئة التي جعلتها منطقية. حيث أن أخطر محاور الشر ليست تلك التي تُرسم في الخفاء، بل تلك التي تعمل في العلن تحت مسميات محترمة، بينما تُدار بالمنطق نفسه: الخوف، التبعية، والاستنزاف.
