عزيز رباح..صاحب المبادرة. الوطن أولا ودائما
من البادية إلى دولة الإنجاز

في حلقة خاصة من برنامج “القيادة تحت المجهر”، روى السيد عزيز رباح فصولا من سيرته التي تشبه سيرة كثيرين من أبناء المغرب العميق: بدايات متواضعة، ومسار طويل من الكد، ثم ارتقاء إلى مواقع القرار بفضل الصبر والإصرار والعمل الميداني. لم يقدم قصته بوصفها حكاية فرد إستثنائي بقدر ما قدمها باعتبارها تجربة مشتركة: “التجربة ملك للمغاربة جميعا”، ورسالة مفتوحة للشباب والطلاب أن الطريق مهما ضاق يتسع لمن يملك النفس الطويل، ويؤمن بأن الخدمة العامة ليست منصبا يحار، بل معنى يؤدى.
البدايات المتواضعة في البادية
ولد عزيز رباح في أسرة بدوية، وتعلم منذ نعومة أظفاره أن الجذور ليست عبئا يخفى، بل سندا يعتز به. يذكر تلك الحكمة الشعبية التي اختصر بها فلسفة البدايات: “الذي صبر وهو صغير سيفرح وهو كبير”؛ وكأنها كانت وصية مبكرة لفتى يشق طريقه وسط قسوة العيش وبساطة الموارد. كان والداه، كما يصفهما، “مدرسته الأولى”: الأب تاجر يعلم معنى الإعتماد على النفس، والأم رغم غياب التعليم الرسمي كانت “مدرسة” في التربية وتوجيه البوصلة الأخلاقية. وحين رحلا، لم يرحل أثرهما؛ بقيت العلاقة مع الأسرة ركنا ثابتا في وجدانه، لا بوصفها ذاكرة عاطفية فقط، بل بوصفها أصلا من أصول التوازن.
في تلك المدارس العمومية النائية بدأت الحكاية تتشكل على إيقاع المشقة اليومية: ست ساعات من التنقل، وزاد بسيط من خبز قليل وزيت. ومع ذلك، لم تكن هذه القسوة سببا للتراجع، بل مادة لصناعة الإرادة. تفوق في البكالوريا واحتل مراتب متقدمة إقليميا ووطنيا، ليعيد الاعتبار لفكرةٍ كثيرا ما تنسى في زمن المقارنات السريعة: أن المدرسة العمومية
على ما فيها من صعوبات قد أنجبت قيادات وكفاءات واسعة، وأنها ليست “خيارا اضطراريا” كما يروج أحيانا، بل مسارا قادرا على صناعة القادة حين يقترن بالجد والتوجيه.
المسار الدراسي والتحديات
حين انتقل إلى القنيطرة ثم إلى الجامعة، وجد نفسه بين عالمين: الفقر الذي يعرفه، والطبقة المتوسطة التي بدأت تتفتح أمامه أبواب المدن. كانت المنحة الدراسية زهيدة، ومع ذلك لم ير فيها مجرد “مساعدة”، بل مسؤولية مضاعفة؛ يتقاسمها مع أسرته، ويعمل طالبا، ويصنع من الندرة نظاما لا ذريعة. ثم التحق بمعهد الإحصاء والاقتصاد التطبيقي وتخرج مهندسا تطبيقيا، واضعا قدمه في مجال يستدعي الدقة والإنضباط، قبل أن يسافر إلى كندا بمنحة لإستكمال الدراسة، ويواجه صعوبات الغربة دون أن يقطع خيط العودة.
في الجامعة أيضا برز جانب آخر في شخصيته: الإنخراط في العمل الطلابي والدعوة إلى الحوار بين الإدارة والبيداغوجيا والطلاب. فهو يرى الجامعة أكبر من معادلة “شهادة مقابل وظيفة”، وأوسع من فكرة “مصنع كفاءات للسوق”. الجامعة في نظره تبني الإنسان بعقله وروحه وقيمه، وتكمل التكوين التقني بتربية الحس المدني والقدرة على التفكير. لذلك رفض عروضا للإستقرار في الخارج، واختار العودة لخدمة البلد؛ قرار يضع الوطنية هنا في معناها العملي: أن ترد الدين حيث بدأ، وأن تجعل المعرفة في خدمة المجتمع لا في خدمة الإمتياز الشخصي.
الصعود في الإدارة العمومية
بدأ المسار في الإدارة العمومية من وزارة المالية، ثم التجارة والصناعة، وتراكمت المسؤوليات عبر محطات عمل فيها مع أسماء يعتبرها من “الوزراء الصالحين”، واستفاد من المدرسة الإدارية المغربية بما فيها من تعقيد وتحدي وفرصة للإصلاح. وفي حديثه عن الإدارة لا يتعامل معها ككيان جامد، بل كـ“مدرسة” يمكن أن تصلح نفسها من داخلها حين يتوفر الإخلاص والكفاءة والجرأة على المبادرة.
ومن أبرز ملامح تجربته حديثه عن الإشتغال ضمن وفود رسمية واقتراح مشاريع تنموية على أعلى مستوى، من خطط للطرق والموانئ والنقل الجوي؛ وهو يؤكد أن الفكرة الناجحة لا تعيش على الورق، بل تحتاج روحا تنفيذية، وفهما لتشابك المصالح والميزانيات والآجال. وفي مقابل هذا الطموح، يحذر من وجه آخر للواقع المعاصر: “الدماغية السلبية” التي قد تصنعها وسائل التواصل حين تكتفي بتضخيم القبيح وتجاهل الجميل. ليس معنى ذلك إنكار الإختلالات، بل الدعوة إلى ميزان عادل يرى العيوب ليصلحها، ويرى المنجز ليبنيه ويطوره.
إنجازات في التنمية المحلية
وعندما إنتقل إلى تدبير الشأن المحلي كرئيس جماعة، ظهرت فلسفة عملية في الإدارة: البدء بالإنسان قبل الإسفلت. يروي أنه رفع ميزانية المدينة من نحو 17 مليارا إلى قرابة 40 مليار درهم، لكن اللافت في حكايته ليس الرقم وحده، بل ترتيب الأولويات. فقد ركز بداية على راحة 1700 موظف، ومنح ترفيعات لسنواتٍ طويلة، ووفر وسائل عمل سيارات وبنزينا في خطوةٍ فاجأت كثيرين كانوا ينتظرون أن يبدأ بالطرق أو القاعات. رسالته هنا واضحة: الإدارة التي تهمل من يقوم عليها، تهمل التنفيذ ولو كثرت المخططات.
ومن جهة العدالة المجالية، يصف كيف عمل على الإنصاف بين الإقليميات، وكيف كان يستقبل البرلمانيين والمنتخبين دون تمييز حزبي، واضعا معيار الخدمة فوق معيار الانتماء. ثم يزيد هذه الفكرة عمقا حين يؤكد أنه كان يزور الأقاليم بنفسه، ويحدد الأولويات مع العمال والسكان، ويشدد على الشفافية ومواجهة الإلحاح السياسي بضميرٍ إداري: ينصح الوزراء ألا يخضعوا للضغط، بل أن يحتكموا للعدل وتوازن التنمية.
دروس للشباب والطلاب
في ختام التجربة، تتحول السيرة إلى خطاب تربوي موجه للشباب: كونوا صابرين، اعتزوا بأصولكم، ولا تستهينوا بقيمة التوجيه. يضع “التوجيه” في مكانه الطبيعي باعتباره قرارا مصيريا لا تفصيلا إداريا؛ لأن كثيرا من التعثر لا يأتي من ضعف القدرة، بل من سوء إختيار المسار. كما يدعو إلى الإستفادة من خبرات المتقاعدين الذين راكموا أربعين وخمسين سنة من التجربة، ويرى أن هذه الخبرات ليست “ذاكرة منتهية الصلاحية”، بل ثروة وطنية يجب أن تستثمر عبر حوار الأجيال.
ويعود في النهاية إلى الفكرة التي بدأ منها: التجربة ليست ملك صاحبها وحده. هي مسؤولية تروى لتضيء، وتشارك لتقوي المجتمع، وتقدم للشباب لا ليقلدوا تفاصيلها، بل ليكتشفوا أن الطريق مهما كان موحلا لا يهزم من يملك الحذر أولا، ثم الشجاعة الصحيحة: شجاعة البناء لا شجاعة الغوص في الوحل.
05/3/26 ألمانيا
