الحب بعد الستين…

الحب بعد الستين…

بين الذاكرة والدفء الإنساني

            ذ. رشيدة مكلوف

“الحب الحقيقي لا يعرف الأعمار، ولا يقاس بالوقت، بل بما نحتفظ به في القلب من وفاء وحنين.”
تعد رواية “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز من الأعمال الأدبية التي أعادت مساءلة مفهوم الحب، لا بوصفه تجربة عاطفية مرتبطة بفتوة العمر فقط، بل باعتباره حالة إنسانية ممتدة تتجاوز الزمن والجسد والقيود الاجتماعية. وتأتي نهاية الرواية لتطرح أسئلة عميقة حول طبيعة هذا الحب المتأخر، هل نحن أمام نهاية رومانسية كلاسيكية، أم بداية حب جديدة في مرحلة عمر يرفض المجتمع الاعتراف بها بوصفها زمنًا صالحًا للعاطفة.
إن التقاء فلورنتينو أريثا وفيرمينا داثا في شيخوختهما لا يمكن اختزاله في استعادة متأخرة لقصة حب قديمة، بل يمثل فعلًا رمزيًا يتحدى التصورات الاجتماعية الصارمة التي تحصر الحب في الشباب، وتربطه بالقوة الجسدية والإنجاب والاستقرار. فالمجتمع في هذا السياق لا يكتفي بتهميش المسنين، بل ينزع عنهم حق الرغبة والاختيار العاطفي، وكأن المشاعر بدورها تخضع لقوانين التقاعد.
وتثير نهاية الرواية سؤالًا إشكاليًا، لماذا يعود هؤلاء إلى الزواج، ولماذا يعيدون خوض تجربة يفترض أنها استنفدت طاقتها بعد سنوات طويلة من الصراعات الصامتة والحروب اليومية الصغيرة التي تميز العلاقات الطويلة؟

أليس من المفترض أن يكون الإرهاق العاطفي قد بلغ مداه، أم أن الحب في هذه المرحلة يتحرر من أوهامه الأولى ليصبح أكثر وعيًا وهدوءًا؟
يظهر ماركيز، من خلال أحداث دقيقة، أن حب الستين ليس نسخة باهتة من حب الشباب، بل تجربة مختلفة في جوهرها. فهو حب أقل اندفاعًا، وأكثر تصالحًا مع الهشاشة الإنسانية، وأقل خضوعًا لأحكام المجتمع. حب لا يسعى إلى الامتلاك، ولا يخشى الفقد، لأنه خبر الفقد طويلًا، وتعلم أن الحضور الإنساني في ذاته قيمة.
وتتجلى فرادة هذا الحب المتأخر في التفاصيل اليومية الهادئة، في الصمت المشترك، وفي العناية المتبادلة، وفي الرحلة النهرية التي يخوضها الحبيبان، والتي تمثل استعارة لمسار الزمن نفسه. فالنهر بحركته البطيئة والمتواصلة يشبه رحلتهما العاطفية الطويلة، متعرجة ومؤجلة، لكنها لم تتوقف يومًا عن الجريان. ورفع علم الكوليرا في هذه الرحلة ليس سوى إعلان رمزي عن انسحابهما من عالم الأحكام الاجتماعية، واختيارهما حبًا لا يخضع لرقابة أحد.
وفي هذا السياق تكشف الرواية حقيقة إنسانية عميقة، وهي أن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يميل إلى استكمال حياته رفقة رفيق درب أو رفيق روح. فمهما بلغ الاكتفاء الذاتي، تبقى الحاجة إلى المشاركة، وإلى اقتسام الخوف والطمأنينة والضعف والقوة، حاجة إنسانية لا تلغيها السنوات ولا التجارب السابقة.
ومن هنا تتحول تجربة الحب المتأخر إلى رسالة ضمنية موجهة إلى الأجيال الشابة، تدعو إلى إعادة الاعتبار لقيمة الزواج وتأسيس الأسرة، لا بوصفهما قيدًا اجتماعيًا أو عبئًا نفسيًا، بل باعتبارهما فضاء للدفء والحنان الحقيقيين. صحيح أن العلاقات الزوجية لا تخلو من الصراعات والحروب اليومية، الصامتة منها والمشتعلة، غير أن هذه التوترات لا تنفي جوهر العلاقة، بل تكشف هشاشة الإنسان وحاجته الدائمة إلى من يشاركه عبء الحياة.
وانطلاقًا من هذه القراءة، يتضح أن الحب في زمن الكوليرا لا تمجد الحب المتأخر فحسب، بل تحتفي بالحب بوصفه طاقة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة والعلاقات، سواء كانت زوجية أو أسرية أو قائمة على الصداقة. ومن هذا المنطلق، يجب أن نحرص على أن نعيش بحب كل يوم، لا باعتباره ترفًا عاطفيًا، بل باعتباره موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا من معنى الحياة.
الحب لا يوقف الزمن، لكنه يجعله أقل قسوة. ومعه لا تصبح السنوات عبئًا، بل ذاكرة مشتركة، ولا تتحول الشيخوخة إلى نهاية، بل إلى مرحلة من صفاء الشعور. وهكذا يثبت الحب، مرة أخرى، أنه لا ينتمي إلى عمر بعينه، بل إلى أولئك الذين يملكون الشجاعة ليشعروا به حتى آخر الطريق.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

لا تعليقات بعد على “الحب بعد الستين…

التعليقات مغلقة.