من الرباط إلى مونهايم آم راين
شراكة تصنعها المدرسة وتكملها المعرفة

العلاقات المغربية الألمانية لا تعيش على البيانات وحدها، بل تتجدد حين تتحول المعرفة إلى سفر، والفضول إلى لقاء، والمدرسة إلى جسر. وما يجري هذه الأيام بين الرباط ومونهايم آم راين يقدم صورة واضحة عن هذا المعنى: شراكة تربوية تحمل في عمقها وعدا علميا وتبادلا للتجارب، وتربية على احترام الاختلاف دون فقدان الذات.
لقاء يرسخ الثقة
يستضيف مونهايم آم راين وفدا تربويا قادما من الرباط يضم 13 تلميذة وتلميذا وثلاثة من المدرسين. وقد استقبلت العمدة سونيا فينيكه الضيوف في مبنى البلدية، في لحظة رمزية تؤكد أن الشراكة بين المدينتين ليست حدثا عابرا، بل مسارا يتقوى بالترحيب المؤسسي وبالعمل اليومي. واللافت أن هذا التبادل يتم للمرة الرابعة، ما يجعله موعدا ثابتا في رزنامة المؤسستين.
المدرسة بوصفها مختبرا
محطة أساسية في البرنامج كانت داخل مدرسة أوتو هان جيمنازيوم في مونهايم آم راين، حيث يلامس الضيوف تفاصيل التعلم داخل الفصول، وكيف تدار الحياة المدرسية، وكيف تتحول الحصص والأنشطة إلى مهارات قابلة للحياة. أما المؤسسة المشاركة من الرباط فهي ثانوية مولاي يوسف، بما يمنح هذا التبادل بعدا أعمق: لقاء بين تجربتين تعليميتين تتقاربان بالعمل اليومي، لا بالشعارات.

العلم لغة ثالثة
قيمة هذه اللقاءات لا تقف عند التعارف، بل تمتد إلى تبادل طرائق التفكير والعمل: الانضباط، العمل الجماعي، بناء المشاريع الصغيرة، والاقتراب من المعرفة باعتبارها ممارسة لا حفظا فقط. هنا تلتقي التجربة المغربية مع الخبرة الألمانية في نقطة مشتركة: تهييء أجيال قادرة على التعلم المستمر، وعلى احترام قواعد العمل، وعلى تحويل الفضول إلى كفاءة. هذه هي البذرة التي تنمو لاحقا في الجامعة والمختبر وسوق الشغل.
تاريخ يربي الوعي
يتضمن البرنامج زيارات ذات طابع تاريخي وتوثيقي تعمق النظرة إلى العالم وتوسع أفق الفهم. فزيارة كولونيا مثلا تشمل المرور بمركز توثيق الحقبة النازية، ثم تتواصل الرحلات إلى مونستر، وبعدها إلى بون لزيارة بيت التاريخ. هذه المحطات لا تقدم معلومات فقط، بل تربي حسا نقديا: كيف تقرأ المجتمعات ذاكرتها، وكيف تحول الألم إلى درس، وكيف تبني مستقبلا أكثر اتزانا.
قيادة تربوية تصنع الأثر
يبرز دور المشرفين في تحويل التبادل من زيارة مجاملة إلى تجربة مؤسسة. ويأتي في مقدمة هؤلاء رضى الصنهاجي، بصفته المشرف على المشروع، رفقة نائبته مارن فيرنر. وقد وصفا هذه اللقاءات بأنها من أبرز محطات السنة لما تحمله من صداقة وتجارب بين الثقافات وفهم متبادل. هذا النوع من الإشراف هو ما يمنح البرامج روحها واستمراريتها، ويضمن أن تعود التجربة على التلاميذ بأثر ملموس لا بصورة عابرة.
تبادل لا ينتظر طويلا
بعد عودة وفد الرباط، لن يتأخر الرد. ففي الخميس المقبل يسافر 13 تلميذة وتلميذا من مونهايم آم راين رفقة ثلاثة مدرسين إلى الرباط. وسيبدأ البرنامج بزيارة تمتد ستة أيام عبر محطات مختارة تفتح للضيوف نافذة على تنوع البلاد وثرائها الإنساني والجغرافي: أكادير، الكزيرة، سيدي إيفني، تافراوت، تارودانت، مراكش، وأخيرا الرباط، حيث تلتقي المجموعة بمؤسستها التوأم ثانوية مولاي يوسف وتعايش تفاصيل الحياة المدرسية عن قرب.
شراكة تكتب المستقبل
ما يحدث بين الرباط ومونهايم آم راين يؤكد أن العلاقات المغربية الألمانية تقوى حين تتجسد في البشر: تلميذ يكتشف عالما جديدا، ومعلم يطور أدواته، ومؤسسة تبني ثقة قابلة للتوسع. والسؤال الذي يفتح الباب لما هو أكبر: كيف تتحول هذه اللقاءات المدرسية إلى مشاريع علمية مشتركة لاحقا؟ وكيف تترجم الصداقة إلى تعاون في البحث والابتكار وتبادل الخبرات على مدى أطول؟
20/01/26 ألمانيا
الصور : تيا بمانان
