إفريقيا على مقياس السوق
كيف تصدر المغرب 2025؟
وماذا تكشف المقارنات القارية؟
من “التعافي” إلى “النمو القابل للقياس”

خلال 2025 تبدلت صورة السياحة الإفريقية من مسار تعاف تدريجي إلى نمو يمكن قياسه ومقارنته:
تحسن في الربط الجوي، عودة الثقة، تنافسية الأسعار في بعض الوجهات، وتنوع أكبر في العروض. لكن قراءة الظاهرة اقتصاديا لا تبدأ من الانطباعات، بل من سؤالين حاسمين يحددان “وزن” الوجهة على مقياس السوق:
1. كم عدد الوافدين الدوليين؟
2. كم تولد هذه الحركة من موارد نقدية (مداخيل/إيرادات السفر أو السياحة)؟
من هنا يصبح المغرب نقطة انطلاق مناسبة، ثم تتضح الصورة أكثر حين نقارنه بوجهات إفريقية كبرى في الشمال والجنوب والشرق.
1) معيار القياس: ماذا نقارن تحديدا؟
يعتمد التحليل على مؤشرين رئيسيين شائعين في اقتصاديات السياحة:
• الوافدون الدوليون (International Arrivals) كما تعلنها الوزارات والهيئات الرسمية أو تنقلها وكالات دولية موثوقة.
• مداخيل السفر/إيرادات السياحة كما تظهر في نشرات ميزان الأداءات أو البلاغات المبنية على بيانات البنوك المركزية والهيئات المختصة.
وتنبه الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism) إلى أن بعض بيانات 2025 ما تزال “محدودة” تغطية في فترات من السنة، وأن المقارنات الدقيقة تتأثر باختلاف التعاريف بين “سائح مبيت”، و“زائر”، و“عابر”.
2) المغرب: “الحجم أولا” ثم “العائد”
أ) رقم الحجم: 19.8 مليون سائح في 2025
بحسب وكالة رويترز (5 يناير 2026)، استقبل المغرب 19.8 مليون سائح خلال 2025، بزيادة 14% مقارنة ب 2024.
وتشير رويترز أيضا إلى أن السياحة تمثل قرابة 7% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو ما يفسر سرعتها في التأثير على التشغيل والعملات الصعبة.
ب) رقم العائد: 124.141 مليار درهم إلى نهاية نوفمبر
في “المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية” الصادرة عن مكتب الصرف (يناير–نوفمبر 2025)، بلغت مداخيل/متحصلات السفر (Recettes Voyages) حوالي 124.141 مليار درهم إلى نهاية نوفمبر 2025، مقابل 104.548 مليارات خلال الفترة نفسها من 2024، أي نمو 18.7%.
ج) قراءة اقتصادية مختصرة: ليس نموا عدديا فقط
هذه الثنائية (حجم + عائد) تفتح قراءتين واضحتين:
• الزيادة لم تكن في عدد الوافدين فقط، بل في التدفقات النقدية أيضا (وهو الفارق بين “الازدحام” و“القيمة”).
• وبالاستناد إلى رقم مكتب الصرف (يناير–نوفمبر) ومعطى رويترز حول بلوغ 18 مليون زائر حتى نهاية نوفمبر، يمكن اشتقاق متوسط تقريبي للإنفاق/العائد بنحو:
124.141 مليار ÷ 18 مليون ≈ 6,900 درهم لكل وافد
مع التنبيه أن هذا متوسط تقريبي لأن المقارنة تجمع رقما ماليا تراكميا حتى نهاية نوفمبر مع رقم وافدين حتى نهاية نوفمبر، وقد تختلف التعاريف الإحصائية بين “سائح” و“زائر”.
3) شمال إفريقيا: سباق متقارب… لكن بنماذج مختلفة
مصر: كتلة الحجم الكبرى
تظهر مصر حالة مقارنة مباشرة من حيث الحجم. ووفق “الهيئة العامة للاستعلامات” (3 يناير 2026)، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في 2025 بزيادة 21% مقارنة بـ 2024.
هذا يضع المغرب ومصر ضمن كتلة “الوجهات الضخمة” إفريقيا خلال 2025، مع اختلافات واضحة في هيكلة المنتج (ثقافي/شواطئ/مدن/صحارى) وقنوات التسويق والاستثمار.
تونس: قوة “العائد” أولا
في تونس، يبرز مؤشر المداخيل كمرتكز موثوق لأنه مبني على بيانات البنك المركزي. فقد ذكرت وكالة تونس إفريقيا للأنباء (25 ديسمبر 2025) أن المداخيل السياحية بلغت 7.8 مليارات دينار حتى 25 ديسمبر 2025، بزيادة 6.3% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، اعتمادا على مؤشرات البنك المركزي التونسي.
أما أرقام الوافدين فتتداولها مصادر متعددة بألفاظ متباينة (سائح/زائر)، وهو ما يجعل الاعتماد الأقوى هنا على رقم المداخيل المؤسس على بيانات البنك المركزي.
4) جنوب القارة: انتظام البيانات… وميزة تتبع الموسمية
تعد جنوب إفريقيا مثالا على انتظام نشر البيانات الدورية، ما يساعد على تقييم الموسمية وأثر السياسات خلال السنة:
• بوابة حكومة جنوب إفريقيا (25 نوفمبر 2025): 8.56 ملايين زائر بين يناير وأكتوبر 2025.
• جهاز الاتصال الحكومي (GCIS) (4 نوفمبر 2025): 7,634,261 وافدا بين يناير وسبتمبر 2025.
ميزة هذه الحالة ليست في الرقم فقط، بل في إتاحة سلسلة زمنية تساعد المستثمر وصانع القرار على فهم متى يأتي الطلب وكيف يتوزع.
5) شرق إفريقيا: أحجام أصغر… لكن قيمة مضافة مرتفعة
كينيا: مرجعية 2024 كخط أساس
تقرير Tourism Research Institute حول أداء 2024 يشير إلى وصول عدد الوافدين الدوليين إلى 2,394,376 في 2024.
يفيد هذا الرقم هنا كـمستوى مرجعي لفهم موقع كينيا مقارنة بوجهات الشمال “الضخمة”، لا كبديل عن حصيلة 2025.
تنزانيا: توازن أوضح بين “العدد” و“الدخل”
يعرض تقرير The 2024 International Visitors’ Exit Survey أن الوصولات الدولية بلغت 2,141,895 في 2024، وأن مداخيل السياحة ارتفعت إلى 3,903.1 مليون دولار في 2024.
هذه الحالة تذكر بأن “العائد” قد يكون مرتفعا حتى عند أحجام أقل، خصوصا حين تقوم التجربة السياحية على الطبيعة والسفاري والمنتجات المتخصصة.
6) المشهد القاري بعيون الأمم المتحدة للسياحة
وفق World Tourism Barometer (نوفمبر 2025)، تعد إفريقيا من أقوى الأقاليم أداءً خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025:
• +10% في الوصولات بإفريقيا (حسب البيانات المتاحة)
• مع نمو مزدوج الرقم في شمال إفريقيا (+11%) وإفريقيا جنوب الصحراء (+10%)
هذا السياق يفسر لماذا تتقدم وجهات الشمال بأحجام كبيرة، بينما تظهر وجهات الشرق والجنوب كمساحات نمو نوعي يعتمد على الطبيعة والتجارب والمنتجات عالية القيمة.
7) خلاصة سوقية: ماذا “تكشف” المقارنات عن المغرب؟
يمكن تلخيص “معادلة المغرب” في 2025 في نقطتين مترابطتين:
1. صدارة في الحجم: 19.8 مليون سائح خلال 2025.
2. تحسن قوي في العائد: 124.141 مليار درهم من مداخيل السفر حتى نهاية نوفمبر (+18.7%).
لكن المقارنة الإفريقية تكشف أن المنافسة لم تعد على “عدد الوافدين” وحده، بل على ثلاثة أسئلة سوقية أدق:
• جودة الإنفاق: كيف نرفع متوسط العائد لكل وافد دون التضحية بقدرة الاستيعاب؟
• الاستدامة والضغط الحضري: كيف نمنع تحوّل النجاح إلى ضغط على المدن والخدمات والموارد؟
• شفافية المؤشرات: هل تتجه الوجهات (ومنها المغرب) إلى نشر بيانات أكثر تفصيلا عن الإقامة، ومتوسط الليالي، والإنفاق حسب الأسواق المصدرة؟
في النهاية، التحدي الأكبر أمام أي وجهة لا يكمن في تحقيق رقم قياسي لسنة واحدة، بل في تحويل الذروة إلى مسار مستدام: يحمي الجاذبية، ويحسن الربحية، ويضمن توزيعا أعدل للعائد على الاقتصاد المحلي.
07/01/26 ألمانيا
