ضمير بلا اثر

ضمير بلا اثر

المستقبل يصنعه الحاضر بوعيه، حتى لا يفقد الصوت معناه..

منير لكماني

على هامش الضجيج المتكاثر، تتبدل المعاني دون أن ننتبه. كلمات كانت تحمل ثقلا أخلاقيا صارت خفيفة، وأسماء كانت تشير إلى مسؤولية باتت زينة لغوية. وسط هذا التحول الهادئ، يقف القارئ حائرا أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: من الذي يملك الحق في الكلام باسم الوعي، ومن يكتفي بترديد صدى لا يغير شيئا؟

تحول المعنى

لم يعد مفهوم صاحب الفكر مرتبطا بالفعل ولا بالموقف. تحولت القيمة من أثر الفكرة إلى شكلها، ومن حضورها في الواقع إلى بريقها في العناوين. صارت الشهادات اللامعة بديلا عن الانخراط، وصار الإتقان اللفظي يغني عن الجرأة. هذا التحول لم يأت فجأة، بل تسلل بهدوء حتى صار مألوفا، بل مرغوبا فيه.

قناع المعرفة

كثيرون يتقنون الحديث، لكن قلة فقط يتحملون تبعاته. القناع هنا ليس كذبا مباشرا، بل اختيار مريح للسلامة. كلمات موزونة، مواقف عامة، وانتقاد بلا كلفة. هكذا تتشكل صورة براقة تخفي فراغا مقلقا. المعرفة حين تنفصل عن الحس المشترك تفقد معناها، وتتحول إلى استعراض لا يغير مسارا ولا يخفف ألما.

الإقتراب من الناس

الفكر الحقيقي لا يولد في العزلة الكاملة، بل في الإحتكاك. في الإستماع إلى الحكايات الصغيرة، وفي ملاحظة التفاصيل التي لا تجد طريقها إلى المنابر. من لا يعرف تعب الناس لا يستطيع التعبير عنه، ومن لم يلامس القلق اليومي لا يقدر على تفكيكه. اللغة هنا ليست غاية، بل وسيلة لفهم أعمق.

ثمن الصمت

الصمت ليس حيادا دائما. أحيانا يكون مشاركة غير معلنة في استمرار الخلل. حين يختار صاحب الصوت الأمان على حساب الصدق، فهو يضيف حجرا جديدا في جدار الوهم. ليست المشكلة في الخوف، بل في تبريره وتحويله إلى حكمة زائفة. التاريخ لا يتذكر من صمتوا طويلا، بل من خاطروا حين كان الخطر مكلفا.

ازدواجية الخطاب

من أسهل الأمور الحديث عن القيم من مسافة مريحة. الأصعب هو العيش وفقها. هنا تظهر الإزدواجية، حين تتناقض الكلمات مع الأسلوب، وحين يصبح الدفاع عن الضعف فعلا نظريا لا ممارسة يومية. هذه الفجوة تفرغ الخطاب من صدقيته، وتجعل القارئ أكثر تشككا وأقل ثقة.

الفكرة كمسؤولية

الفكرة ليست ملكا خاصا، بل أمانة. من يطلقها في الفضاء العام عليه أن يتحمل نتائجها. ليس المطلوب بطولات خارقة، بل انسجام بين القول والفعل. أن تزرع سؤالا صادقا، أن تفتح نافذة للشك البناء، أن ترفض التجميل حين يكون الصدق أولى. هنا فقط تستعيد الكلمة وزنها.

أثر يبقى

ليس السؤال اليوم عن كثرة الأصوات، بل عن جدواها. نحتاج إلى كلام يتحمل مسؤوليته، لا إلى ضجيج يبدد المعنى. لا يكفي أن نفهم ما يجري من حولنا، بل أن نتصرف وفق ما نفهم، وأن نتحمل تبعات هذا الاختيار. فالمستقبل لا يصنعه من يفضل الراحة على المواجهة، ولا من يكتفي بالمراقبة من مسافة آمنة، بل من يقرر أن يكون حاضرا بوعيه، منخرطا بأفعاله، صادقا مع كلمته. عندها فقط، لا يفقد الصوت معناه، ولا تضيع الفكرة في الزحام.

03/12/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com