“تحت القصف” للاعلامي والكاتب المغربي التوراني
“تحت القصف”: بنية النص وهشاشة الذات
إلى الناقد الأدبي عبد العالي بوطيب
“تحت القصف” هو آخر إصدار للقاص والإعلامي عبد الرحيم التوراني. و هو نص يحكي تجربة الكاتب الرهيبة كشاهد عيان أثناء إقامته في بيروت و هي تحت القصف الإسرائيلي. ولأن المثل يقول ” ليس من سمع كمن رأى”، فإن الكاتب، وقد رأى وعاين، بحكم تواجده هناك، يحكي أدق التفاصيل ليس من جانب الفعل التدميري الذي تخلفه الضربات الموجعة التي تتلقاها بيروت وحسب، وإنما من جانب الحالة النفسية التي كان يمر منها الكاتب وهو يشهد ذلك الفعل العدواني الذي كان يقترفه الجيش الإسرائيلي. تلك العدوانية التي لا تقيم وزنا للذات البشرية بقدر ما تسعى إلى إذلالها ونسف كل جانب إنساني فيها.“تحت القصف”، إذن، شهادة ووثيقة تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الحرب إذلال للإنسان لما تنطوي عليه من خوف ورعب وذعر، كما سنرى. ذلك أن التهديد بالموت يثير القلق. والإحساس بالقلق هو أن يشعر المرء بأنه محاط به، أو بتعبير آخر، محاصر، ومغلوب على أمره. وعوض أن تكون الإدراكات أكثر يقظة وحذرا، فإنها بصورة عامة تصبح مغبشة ومشوشة أو مبهمة.
يتحدد “ تحت القصف” في تجنيسه انطلاقا من عنوانه الفرعي “يوميات مغربي في حرب إسرائيل على لبنان (2024)“، بما عنوان يحيل على مكان الحرب وزمانها. أي أن لفظة “يوميات” تعقد ميثاقا مع متلقيها من حيث كونها وثيقة. كما يؤكد صاحبها على طبيعة ما يكتبه: ” وأنا أجلس لتدوين هذه اليوميات، يراودني أحيانا إحساس بأن الكلمات تعلق في حلقي، مثل كلمات جوفاء من دون معنى، بينما الصمت والفراغ غير المرئي هو الذي بإمكانه التعبير بالفصاحة المطلقة وبالحقيقة التي بلا قيود.” (ص.63). في بنيته، يتألف النص من ستة عشر فصلا/ يومية، كلها تغطي فضاء زمنيا يمتد من 07 أكتوبر إلى 28 منه سنة 2024، ليس بشكل تسلسلي، وإنما يقفز النص على بعض الأيام، وكأن الأيام التي يشير إليها النص هي ما تشكل أياما ذات أهمية بالغة في المحكي: 07/ 11/13/14/15/16/18/19/20/21/22/23/24/25/26/28 أكتوبر. ولئن كانت هذه اليوميات تتفق في تحديد جنس هذا النوع من الكتابة من خلال ذكر الاسم الحقيقي لمؤلفها، وذكر المكان والزمان، إلا أنها تبدو في تقديري الشخصي، متخذة شكلا مغايرا في صوغها. إذ لا تقتصر على ذكر ما جرى في اليوم المذكور أعلاه في كل فصل وحسب، وإنما تحيل على ما حدث من قبل وعلى ما له علاقة بالحدث الحاضر. على سبيل المثال، نقرأ: ” تذهب بي الذكريات إلى التفكير في المذيع المصري الشهير أحمد سعيد، صاحب برنامج ” صوت العرب” بإذاعة زمن جمال عبد الناصر وحرب 1967.” (ص.40).
تتجسد هذه المغايرة أيضا في عناوين الفصول الشبيهة بعناوين المقالات الصحفية (لنذكر مرة أخرى بأن التوراني إعلامي)، وفي ما تتضمنه من تحقيقات، وأخبار صحفية، وتحليل للخبر الصحفي وتعليقات من جهة، وفي ما تنطوي عليه من إحالات على الأدب والسينما، والتاريخ وغير ذلك. غير أن ما يهم هنا هو ليس حكي الحدث في حد ذاته هنا والآن، وإنما هو رصد واقع الحرب من حيث هي شر بشري يتخذ من لبنان نموذجا لحقيقتها، أي حقيقة الحرب التي “تولد الكثير من المعاناة و الظلم.. وتترك الجروح والأحزان.. هي التدمير والدمار .. الحطام والأنقاض والجنون.. مقتل وهلاك الآلاف من الناس والتسبب في إزهاق الآلاف من الأرواح”. (ص.9).
نقرأ في الصفحة 114: ” إنه زمن الحرب. زمن مؤلم وقاس للغاية…”. هكذا تصبح الحياة غير ذات معنى بالنسبة لمن يعيش قلقا وجوديا: “ما معنى أن يعيش المرء تحت التهديدات.. في رعب مستمر ودائم من التعرض للقصف؟” (ص.9). يقول الراوي/ الكاتب: “لو طلب مني وصف الحرب بجملة واحدة مقتضبة، لكانت إجابتي المباشرة إنها” الجحيم فوق الأرض.” (ص.55). وفي الصفحة 63، نقرأ : ” في الحرب يقف الموت على الأبواب، ويدفع الناس إلى التفكير فيه حتى يجدون أنفسهم على حواف الوجود. لكن الاستسلام لنداءات الموت لا يعني شيئا سوى الموت بذات”. ثمة العديد من الإحالات على هول الحرب وما يخلفه من خوف و ذعر.
يكشف النص عن إحساس الذات بالخوف والرعب، من حيث هو إحساس مصدره هول الحرب و تداعياتها. حيث راوي اليوميات يجعل من نصه آلية للدفاع عن النفس، “عيادة للشفاء من القلق و التغلب على الإحباط”. (ص.28) و ذلك من خلال مشاركة مخاوفه مع الأصدقاء و الآخرين. إذ أنه مدرك للفرق بين الخوف و الذعر. فقد ينشط الخوفُ الذاتَ و يستحثها للاندفاع نحو النجاة بنفسها، في حين أن الذعر يلقي بغشاوة على الذات، فلا تكاد ترى بوضوح. في هذا السياق، يقول رولو ماي: “قد يشعر، أي المرء، بشيء من حالة إغماء خفيف بإحساس من الخواء في منطقة السرة من البطن. فهذا هو القلق”. (ص.50) هكذا يختبر صاحب اليوميات كلا الإحساسين، و يعبر عنهما بطريقة تجعلنا إلى حد ما نشاركه مثل هذه الأحاسيس: “علي التخلص من الخوف الذي يمنع عني التفكير.” (ص. 28). و في مكان آخر، يقول: ” أجتهد يوميا للتخلص من حالة الذعر و عدم اليقين”. (ص.43). هذه المحاولة للتخلص من الخوف تؤكد حجم إدراك الراوي له: ” لا يمكن للمرء أن يستمر في العيش من الخوف كل يوم.. من هنا تجد أن من تلتقي بهم يخاطبونك، كما لو كانوا في مونولوغ ذاتي: دع ما سيحدث يحدث”.” (ص.71). و إذا كان الخوف هو الحرب، فإنه يرادفها: ” الحرب مرادف للعيش في الخوف.. خوف يمكن أن يستمر معك فيما بقي أو تبقى من عمرك.. معاناة من القلق و الاكتئاب، معاناة لها ما بعدها من كوابيس ما بعد الصدمة. خوف يترك ندوبا على الأطفال أكثر من الكبار.” (ص. 93).
ولما كانت الحرب مصدرا للخوف و الذعر و كل الشرور، فإنها مع ذلك، تشكل محفزا على الكتابة كملاذ، و احتماء، و محاولة لتجاهل الحرب، و ليست معاناة أو ألما، و إنما وسيلة للهرب من واقع مؤلم على الرغم من أن الذات الساردة لهذه اليوميات إنما هي ذات قدرية، مستسلمة لقدريتها: “هل ما يحدث هنا و الآن، وما نراه و نحِسُّه، تذكير بالخطيئة والعقاب، بالقدرة البشرية على الخير والشر؟ مهما كانت الإجابة فلن تخرج عن كونه تذكير بهشاشة الوجود البشري ليس غير.”(ص.21).
من ثمة، و كما تمت الإشارة، يمكن القول إنها كتابة إبداعية مغايرة تتقاطع فيها جملة من الأساليب، متجاوزة بذلك ما يؤكد عليه كاتبها، و لعل ذلك من أجل إشراك القارئ/ المتلقي لها في تجربة تختبرها الذات الراوية في زمن الحرب وفظاعاتها. تصير لبنان في هذا السياق شخصية تراجيدية منذورة للصراعات منذ وقت طويل. أو بتعبير أدق، بطلَ مسرحيةٍ كلُّ شخصية فيها تضطلع بدور محدد انطلاقا من أهوائها و ميولاتها الغرائزية: “لصوص يتحينون الفرصة لسرقة المنازل” (ص. 42)، انتهازيون، سياسيون، متلاعبون ثقلاء “لم يجدوا طريقة و تسلية ” أحلى” من ترهيب الناس”. (ص. 41)
يفضح هذا النص ما أبدعته الذات البشرية الشريرة، و هو الحرب، و صراعاتها من أجل المصالح، ذلك أن صراعات المصالح بين الناس، كما قال فرويد، لا تسوى إلا باستخدام العنف. و فوق ذلك فإنه يعري هشاشة الذات أمام الخوف و كأنها منذورة لكل المصائب و الشرور، بحيث تصاب بحالة من الخواء. إن “حالة الخواء بوجه عام تتولد من إحساس أناس بأنهم عاجزون عن أن يفعلوا أي شيء له أثره الإيجابي في حياتهم الخاصة بهم أو في ما يخص العالم من حولهم…” ماي، (ص. 32). علاوة على ذلك، فما ينقله النص لنا، ليس خبرة عاشتها ذات متخيلة، و إنما ذات حقيقية، بحسب تقديم الكاتب نفسه، عاشت الخوف و الذعر و القلق في زمن الحرب: “لم أكن أتوقع على الإطلاق أنني سأجدني يوما أمام مثل هذا القدر من الابتلاء.”(ص.7) إذ ما إن يصبح التهديد كبيرا بحيث يشمل جوانب الذات كلها حتى يستشعر المرء عندئذ خبرة القلق. في هذا الصدد، يقول رولو ماي مرة أخرى: “إن القلق يضربنا في جوهر ذواتنا: إنه ما نشعر به و نحس به عندما يكون وجودنا مهددا تماما مثلما هي ذواتنا مهددة بخطر داهم”.(ص. 51). هذا التهديد للذات يجد تأكيده في ما يصرح به كاتب اليوميات:” إنني لا أشعر بالأمان. لكن من أين يأتي الأمان؟ بل ما هو معنى الأمان؟ ! لا أريد أن أصدق ما يحصل…(ص.126). هكذا، يتجاوز السؤال عن معنى الأمان إلى انعدام تحققه، و كأن الوجود في عمومه لا يعدو أن يكون عدما في غياب الأمان كمعادل الموضوعي للحياة. ثم كيف يتحقق الأمان في حضور الخوف و الذعر و القلق؟
وبالعودة إلى هذه الكتابة المغايرة، يمكن القول إن هذا النص كتابة إبداعية من حيث إحالاتها على كتابات إبداعية، و على التاريخ ما يجعله منفتحا على عدة تأويلات و ليس على تأويل أحادي الجانب. و لعل أحد هذه التأويلات كونه –النص- سفر في أعماق الذات البشرية لاستكشاف تعقيداتها بعد أن شرعت تستخف بقيمها الإنسانية، و بعدما أناخ الليل المخيف المرعب المقترن بالبربرية علينا بكلكله. و فوق هذا وذاك، فهذا النص يفتح أعيننا ليس على حرب إسرائيل على لبنان، و إنما على الحرب بصفة عامة كأحد مظاهر العدوانية المتأصلة في البشر. عدوانية سعت الثقافة و الحضارة ربما بدون جدوى ليس للحد منها و إنما للتخفيف منها. ولعل هذا ما يحقق لـــــ تحت القصف شعريته، و يجعله نصا أدبيا بامتياز. ذلك أن ما عاشته الذات المتكلمة إنما هي تجربة إنسانية لا تعدو أن تكون لبنان في النص سوى تعلة للكشف عن ما تختبره الذات البشرية أمام المخاطر و كل يتهدد وجودها وكيانها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-
1. التوراني، عبد الرحيم، تحت القصف: يوميات مغربي في حرب إسرائيل على لبنان (2024)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2025
-
2. فرويد، سيغموند، أفكار لأزمنة الحرب والموت، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، 1986
-
3. ماي، رولو، البحث عن الذات، ترجمة عبد علي الجسماني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1993
