وجع العدالة…

وجع العدالة…
البلاغ

حين يبحث الحق عن وجهه

صوت الحق الخافت

     منير لكماني

لا تحتاج العدالة إلى قصر شامخ كي تحترم، بل إلى ضمير يقظ يسكن القلوب. فالعدل ليس نصا في قانون يتلى، بل روح تحمي الإنسان من غريزة القوة وتعيد إلى الحياة توازنها. حين يشعر المرء أن حقه يصغى إليه، تنطفئ نيران الغضب في داخله، ويتصالح مع مجتمعه ومع نفسه. لكن العدالة اليوم تبدو متعبة، تصارع الزمن والبيروقراطية، تثقلها القضايا، وتنهكها الشكوك، حتى غدت عند كثيرين حلما مؤجلا أكثر منها واقعا مطمئنا.

وجوه العدالة المنكسرة

للعدالة وجوه متعددة، بعضها من نور وبعضها من غبار. فهناك من يجتهد في نصرة المظلوم ولو على حساب راحته، وهناك من يختبئ خلف جمود النصوص، يطبق القانون كما تدار الآلات. حين تغيب الرحمة عن الموازين، يصبح الحكم إجراء إداريا لا رسالة أخلاقية. المتقاضي لا يحتاج فقط إلى قاض يحكم له، بل إلى إنسان يفهم وجعه. والعدالة التي تفقد وجهها الإنساني تفقد معناها الأعمق، لأنها لا تقاس بعدد الملفات المغلقة، بل بعدد الأرواح التي استعادت كرامتها.

ميزان بين الحرف والضمير

بين الحرف والضمير يعيش القاضي معركته اليومية. النص يلزمه، والضمير يراجعه، والحق يتدلى بين الاثنين ككفة مضطربة في ميزان. العدالة الحقة ليست في تطبيق القوانين على نحو أعمى، بل في قراءة الإنسان الذي يقف خلف القضية. كم من حكم صدر باسم القانون لكنه جرح روح العدالة في الصميم! فالمحكمة ليست مكانا لتلقين العقاب، بل فضاء للبحث عن الحقيقة في ضوء الإنسانية. القاضي الحق لا يرفع صوته، بل يرفع إنصافه.

عدالة بطيئة… وثقة تتهاوى

ثلاث علل تنهك العدالة: بطء المساطر، وتفاوت الموازين، وبرودة الوجدان.
البطء يجعل الأمل يتقادم قبل أن ينصف، والتفاوت يزرع الشك في النفوس، والبرود يطفئ الإيمان بالمؤسسات. حين تطول القضايا لسنوات، ويتحول الانتظار إلى عقوبة بحد ذاته، يشعر المواطن أن العدالة فقدت نبضها. وحين يرى من يملك النفوذ ينجو بخيط من العلاقات، بينما يثقل الضعيف بالعقوبة ذاتها، تتصدع الثقة، ويتحول القانون إلى جدار من زجاج هش. العدالة التي ترهق البسطاء لا يمكن أن تنصف الأوطان.

ضمير المهنة وأمانة العدل

ليس القاضي وحده من يحمي العدالة، بل كل من يؤمن بأن الحق مسؤولية لا مهنة. في القاعات الباردة، يقف المحامي الشريف كصوت للحقيقة حين يصمت الجميع، ويقف القاضي النزيه كدرع في وجه الغواية، ويقف الكاتب والقانوني كشمعة في نفق طويل. هؤلاء هم حراس النور، الذين يبقيهم الإيمان بالإنسان لا بالحرف. فإذا خانوا رسالتهم، انطفأ النور، وصار القانون قناعا للقوة بدل أن يكون سياجا للرحمة.

حين تتكلم الرحمة باسم القانون

القانون وحده لا يصلح العالم ما لم يصغ إلى همس الضمير. فالنص ينظم العلاقات، والضمير ينقذها من القسوة. العدالة الحقيقية لا تعني العقاب فقط، بل الاعتراف بقدرة الإنسان على البدء من جديد. حين نعامل المذنب كإنسان قابل للإصلاح، نمنح المجتمع فرصة شفاء من العنف والكراهية. العدل الذي لا يعرف الرحمة ليس عدلا، بل انتقاما بوجه رسمي. وما من نظام يزدهر إن جفت في عروقه الرحمة.

الميزان الذي لا يسقط

ما قيمة قانون يطبق بدقة باردة إن كان يفتقد حرارة الإنصاف؟
وأي مجتمع يمكن أن ينهض إذا خاف أفراده من العدالة أكثر مما يرجونها؟
العدل ليس ترفا ولا شعارا، بل أساس الحياة المشتركة. فإذا تعب الميزان، اختل كل شيء.
الطريق إلى العدالة يبدأ من استعادة الثقة بأن الحق ما زال يجد طريقه إلى النور،
وأن الإنسان، مهما تعثر، ما زال قادرا أن يقول للحقيقة: قومي، فقد آن لك أن تسمعي صوتك.

12/11/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com