أرواح على الأجهزة

أرواح على الأجهزة
الجزيرة نت

 اقتصاد الحياة في غرف الإنعاش

منير لكماني 

مدخل الألم

حين يدخل المريض إلى غرفة الإنعاش، لا يدخل وحده. تدخل معه عائلة كاملة، تتنفس بقلق، وتُصلّي بصمتٍ كي لا يتوقف المؤشّر الأخضر عن الوميض. هناك، في هذا الفضاء المعقّم، تتكثّف الإنسانية في أدقّ صورها، ويُختبر الضمير الجمعي في لحظةٍ تساوي كلّ الحياة. غير أن هذه اللحظة لم تعد، في واقعنا الصحي، مجرّد مواجهة مع المرض، بل صارت مواجهة مع نظامٍ يُقيم حساباته على قدرة الجيب قبل نبض القلب.

السرير الذي تغيّر معناه

لم يكن سرير الإنعاش يوماً سلعة. كان رمزاً للنجدة، آخر خيط بين المريض والموت. لكن التحوّلات الاقتصادية التي مست القطاع الصحي جعلت منه مورداً مربحاً تتنازع حوله الاستثمارات الخاصة، وتُبنى عليه خطط التوسّع والعائد. تحوّلت المصحات إلى مؤسسات مالية ببدلات بيضاء، تتحدث بلغة الأرباح والخسائر أكثر مما تتحدث بلغة الشفاء. صار السرير رقمًا في جداول المردودية، لا محطة نجاة في رحلة إنسانية موجعة.

عدم التوازن في الخريطة الصحية يضاعف المأساة. المدن الكبرى تستحوذ على أغلب وحدات الإنعاش المتطورة، بينما جهات بأكملها تكاد تخلو منها. هذا التمركز يجعل الحق في العناية المكثفة امتيازاً جغرافياً لا حقاً إنسانياً. المريض في الهامش عليه أن يقطع مسافة الألم، وربما أن يموت قبل أن يصل إلى المكان الذي يُقاس فيه البقاء بالدرهم.

المال كشرط للحياة

عند باب الإنعاش تبدأ المعركة الحقيقية. قبل أن يُسأل عن ضغط الدم أو مستوى الأوكسيجين، يُسأل قريب المريض عن «الضمان المالي». شيك مفتوح، أو دفعة مقدّمة توازي راتب شهور، شرطٌ غير معلن للولوج إلى سريرٍ يُفترض أنه مخصصٌ للطوارئ. القانون يمنع هذا السلوك، لكن الممارسة تتسلّل من بين النصوص، في ظل غياب رقابة ناجعة وآليات ردع فعالة.

في الداخل، الفاتورة تتضخّم كنبضٍ في سباقٍ مع الزمن: أدوية مكلفة، تحاليل متكرّرة، فحوص تصويرية، ومصاريف غير مفهومة تُدرج تحت بند “المستلزمات”. النتيجة النهائية رقم يثقل كاهل الأسر، رقم يجعل من المرض امتحاناً اقتصادياً لا يقلّ قسوة عن الخطر البيولوجي ذاته. كثيرون خرجوا من الإنعاش بأجساد متعبة وجيوب فارغة، وبعضهم خرجوا فقط بفاتورة وموت مؤجل.

التجهيز بلا ضمير

الإنعاش هو ذروة الطب، لكنه أيضاً ذروة المسؤولية الأخلاقية. هنا تُختبر النوايا الحقيقية للمؤسسات الصحية: هل تسعى إلى إنقاذ الأرواح أم إلى تحسين مؤشرات المردودية؟ بعض التقارير الرقابية تحدّثت عن ممارسات مقلقة: تمديد غير مبرَّر لبقاء المرضى في الإنعاش رغم استقرارهم، فقط لضمان استمرار الفوترة اليومية المرتفعة. هذا السلوك، إن صحّ، لا يستنزف موارد الأسرة فقط، بل يمنع مريضاً آخر من مكانٍ قد ينقذ حياته.

الاحتفاظ بالمريض في الإنعاش أطول مما يلزم لا يطيل عمره بالضرورة؛ بل أحياناً يعرضه لخطر العدوى داخل المؤسسة نفسها، ويحوّل غرفة النجاة إلى بؤرة إضافية للمرض. حين يُدار الإنعاش بمنطق ملء السرير، يصبح الطب تجارةً مقنّعة، ويضيع جوهره النبيل بين تقارير المحاسبة وقوائم المستلزمات.

الشفافية المفقودة

المفارقة الصارخة أن القطاع الذي يتعامل مع الحياة والموت لا يقدّم للرأي العام أية مؤشرات دقيقة حول نتائجه. لا أحد يعرف فعلياً كم مريضاً يخرج من الإنعاش معافى، وكم يغادر محمولاً على الصمت. الأرقام تُعتبر “سرّاً مهنياً” و”معطى تجارياً”، وكأن حياة الناس بندٌ من بنود الخصوصية التجارية. في غياب هذه الشفافية، يفقد المواطن قدرته على الاختيار الواعي، ولا يمكنه التمييز بين من يقدّم عناية حقيقية ومن يبيع الأمل بأغلى الأثمان.

في المقابل، الإنعاش العمومي رغم ضيق موارده يُفصح أكثر عن نتائجه، ويقدّم بيانات علمية حول نسب الوفيات والعوامل المؤثرة فيها. المفارقة أن الفقر في الوسائل يقابله غنى في الصراحة، بينما الوفرة في المعدات تخفي صمتاً كثيفاً حول حصيلة الأرواح.

الضمير قبل الجهاز

القضية هنا أعمق من الأسعار ومن السياسات الصحية. إنها سؤال عن معنى الطب نفسه. حين تصبح الكفاءة المهنية منزوعةً من البعد الإنساني، يفقد الطب نوره الأخلاقي، ويتحوّل الطبيب إلى موظف والمريض إلى زبون. المطلوب اليوم ليس فقط تسقيف الأسعار ولا مراجعة القوانين، بل بناء ثقافة مهنية تُعيد التوازن بين العِلم والضمير، بين التقنية والرحمة.

الإنعاش ليس سلعة. هو عقد ثقة بين الإنسان ومجتمعه، بين الطبيب ومهنته، بين الدولة ومواطنيها. ما لم تُسترد هذه الثقة، سيبقى كل إنقاذٍ ناقصاً مهما كانت الأجهزة متطورة.

سؤال الحياة

ما جدوى طبٍّ يُتقن عدّ الأنفاس لكنه يعجز عن سماع أنين الفقراء؟
وكيف يمكن لمؤسسة أن تدّعي رعاية الإنسان وهي لا تفتح أبوابها إلا لمن يحمل دليلاً على الملاءة؟
هل نريد منظومة صحية تفتخر بأجهزتها أم بأخلاقها؟

حين يعود الطب إلى جوهره الأول إنقاذ الحياة لا تسعيرها يمكن لغرف الإنعاش أن تستعيد معناها النبيل، ويستعيد الإنسان مكانته فوق الفاتورة لا تحتها. فالحياة مهما ارتفع ثمنها، لا يجوز أن تُشترى.

ألمانيا 29 أكتوبر 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com