حين تزلُّ ألسنة النخبة.. تسقط هيبة اللغة!
”اللغة تصوغ الفكر ولا تنقله”
لم تعد الزلات اللغوية التي تتكرر على ألسنة بعض المسؤولين والسياسيين، مجرد هنات عابرة يمكن التغاضي عنها، بل غدت مؤشرا على أزمة فكرية وثقافية عميقة، تصيب الخطاب العمومي والتربوي في لغته ومضمونه على السواء. فحين نسمع وزير التربية الوطنية ينحت لفظا غريبا هو ” النجوح ” بدل قوله النجاح. وزعيم حزب رمزه الكتاب، يقول :
” الأسور “بدل الأسرة، و”الدعارة” عوض الدعيرة، وتتفتق موهبة مؤلفي الكتاب المدرسي ( المعتمد في التربية الفنية . 4 ) باستعمال ألفاظ تندرج ضمن سلسلة غرائبية، مثل : [ بام بام . طراق طرطلاق . زداف دردلاف …] في الصفحة 103 من الكراسة الموجهة للمتعلمين. فما عسانا ننتظر ؟ !
إننا والحالة هذه لا نواجه أخطاء في النطق، بل نحن أمام ارتباك في الوعي اللغوي والتمكن الدلالي للنخب نفسها، تلك التي يفترض أن تكون قدوة في البيان لا عثرة فيه.
لم تعد الزلات اللغوية التي صارت تنفلت من أفواه بعض المسؤولين – بغض النظر عن مواقعهم – مجرد أخطاء عفوية أو عرضية يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها بابتسامة عابرة، بل أصبحت ظاهرة مقلقة تكشف عمق ماتعيشه لغتنا وثقافتنا من تراجع ملحوظ في الوعي، وانحسار في الذوق، واستهتار بالكلمة تحت رداء الخطأ العفوي – كما هو الحال بالنسبة للوزير ولزعيم الحزب – أو تندرج تحت يافطة “تدريج ” المضمون التربوي – كما هو الحال عند مؤلفي الكتاب المدرسي المشار إليه – . ولعمري إنه السقوط الرمزي الكبير في حق اللغة العربية والتمثلات التربوية والسياسية على حد سواء .
فالكلمة ليست زلة لسان فقط، بل هي مرآة لما في الوعي من اضطراب. فحين يخطىء مسؤول ما في التعبير فإنه يخطىء في الفكر الذي يعبر عنه أو يحمله، لأن اللغة ليست غلافا خارجيا للمعنى، بل هي وعاؤه وجوهره. وكما قال المفكر التونسي ” العفيف الأخضر 1934- 2013 ” فاللغة تصوغ الفكر ولا تنقله، لأنها ليست مجرد أداة تواصل بل هي وعاء للفكر ووسيلة لتشكيله.
فالخلط بين النجاح و” النجوح “، أو بين الأسرة و” الأسور “، وبين مفهومي الدعيرة والدعارة، ليس اختلافا صِواتيا بريئا، واستعمال لكلمات عامية تخدم دعاة اعتماد اللهجة العامية في التدريس، بل هو انزياح في المعنى يربك المتلقي / المستمع وحتى القارىء، وقد يشي بأن القائل فقد الحس اللغوي والذوق البلاغي اللذين يفترض أن يميزا رجل الدولة ورجل الفكر وحتى رجالات التربية والتكوين.
ولعل أخطر ما في هذه الانزلاقات هو أنها تصدر عن نخب يفترض فيها أن تكون حارسة للمعنى، لا عابثة به. فالوزير الذي يقود قطاع التربية، وزعيم الحزب الذي يرمز شعاره الى الثقافة والمعرفة، ومؤلفوا الكتاب المدرسي، كلاهم مسؤول رمزي عن صورة اللغة في الفضاء العام، وحين تتعثر ألسنتهم يتعثر معها اللسان الجمعي الذي يفترض أن يقتدى به.
لقد كانت اللغة العربية عبر تاريخها، مقياسا للفصاحة ودليلا للرصانة، بها كان القادة يقاسون، وبها كان العلماء يُمَجَّدُون، لأنها مرآة الفكر وميزان الوعي. وها نحن اليوم صرنا نسمع كلمات هجينة لا أصل لها في لسان العرب ولا طعم لها في قواميس البيان.
فكيف ياثرى سنقنع أبناءنا بجمالية العربية وهم يسمعون بعضا من مسؤوليهم يعبثون بها ؟
وكيف نربي فيهم الذوق والبيان ، والمدرسة التي تعلمهم اللغة يقودها من يخطىء بها ؟
ان مايحدث اليوم ليست مجرد أخطاء لغوية، بل هي صور لأزمة ثقافية عميقة، تعلن أن انفصال النخب عن لغتها هو أول وجوه اغترابها عن مجتمعها. فمن لا يحسن لغته، فهو لن يحسن التفكير بها، وحتما أنه لا ولن يحسن قيادة الناس أو توجيههم بها. وأمام كل هذا لا يسعني إلا أن أقول: لقد ان الأوان لنستعيد هيبة الكلمة في الخطاب السياسي والإداري والتربوي، وأن نلح على أن الخطأ في اللغة ليس تفصيلا شكليا كما قد يعتقد البعض. بل هو خلل في الفكر والرؤية، ولعل أول الإصلاح – كما يقول القدماء – يبدأ من ” تقويم اللسان ” لأن الأمة التي تهين لغتها الوطنية – حتى وعن غير قصد – تهين نفسها من حيث لا تدري. فاحذروا أيها السادة من أن تزلَّ ألسنتكم أكثر مما زلّت أفعالكم، لأن سقطة الكلمة قد تجر معها سقوط المعنى، وسقوط الهبة وسقوط القدوة.
عنقا الادريسي المختار
باحث في الشأن التربوي والثقافي.
