أجسادٌ تُعالج بالأمل:

أجسادٌ تُعالج بالأمل:
العمق المغربي

 مأساة الصحة في زمن الانتظار

منير لكماني – القنيطرة 

نزيف في الجسد العام

حين يختلّ نظام الصحة، لا يضعف الجسد الفردي فقط، بل يختلّ توازن المجتمع بأكمله. فالمنظومة الصحية هي مقياس العدالة الاجتماعية ومرآة الكرامة الإنسانية. إنّ ضعفها لا يُقاس بعدد المستشفيات أو الأطباء، بل بقدرتها على الوصول إلى كلّ محتاجٍ للعلاج بإنصافٍ وسرعةٍ واحترام.
الصحة ليست رفاهًا، بل حقًّا أساسياً يضمن للمجتمع توازنه واستقراره. وعندما يتحوّل العلاج إلى امتيازٍ طبقيٍّ، يصبح المرض مؤشّرًا على عمق الخلل في بنية الدولة والمجتمع معاً.

مستشفيات بلا نبض

تعيش المؤسسات الصحية حالة إنهاكٍ مزمن، تتجلى في الاكتظاظ، ونقص التجهيزات، وضعف التنسيق بين المراكز والمستشفيات. الأسرة لا تكفي، والموارد محدودة، والبنية التحتية متقادمة.
يتكدّس المرضى في قاعات الانتظار، ويقضي بعضهم ساعاتٍ طويلة قبل الفحص أو العلاج. هذه الفجوة بين الطلب المتزايد والعرض المحدود ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكمات من سوء التخطيط وقصور الرؤية.
إنّ المرافق الصحية لا تحتاج فقط إلى الترميم، بل إلى إعادة بناء فلسفتها على أساس خدمة الإنسان قبل الحسابات الإدارية.

الطبيب بين الواجب والإنهاك

الطبيب هو محور المنظومة الصحية، غير أنّه اليوم يعمل في ظروفٍ تتجاوز طاقته. ضغط العمل، ضعف التحفيز، ونقص التجهيزات عوامل تُضعف الأداء وتُنهك المهنة.
الكثير من الأطر الصحية تضطر إلى العمل في بيئاتٍ غير آمنة، وإلى تغطية خصاصٍ كبيرٍ في الموارد البشرية، ما يؤدي إلى الإرهاق وفقدان الحافز.
ولا يمكن أن ننتظر من الطبيب أن يقدّم الأفضل إن لم يُعامل بما يليق بمسؤوليته ودوره الإنساني. فتكريم الكادر الصحي ليس منّة، بل ضرورة لضمان جودة العلاج واستمرار الثقة بين المواطن ومؤسساته.

الدواء… بين الندرة والغلوّ

أزمة الدواء تكشف الوجه الاقتصادي للصحة. فأسعار الأدوية في ارتفاع، والقدرة الشرائية في تراجع، والتفاوت بين من يملك ومن لا يملك يتّسع. بعض الأدوية الأساسية تُصبح نادرة في الأسواق، وأخرى تُباع بأسعار تفوق دخل المواطن.
حين يُترك المريض أمام معادلةٍ قاسية بين الألم والعجز المادي، يفقد النظام الصحي جوهره الإنساني. الدواء لا ينبغي أن يكون سلعةً تُحتكر، بل خدمةً عمومية تُصان بعدالتها وشفافيتها.

الهوامش الصحية

لا تتوزع الخدمات الصحية بعدالةٍ بين الجهات، فالمراكز الحضرية تستأثر بالنصيب الأكبر من الأطباء والتجهيزات، فيما تظل المناطق البعيدة خارج التغطية الفعلية.
غياب العدالة المجالية في توزيع الخدمات يُضاعف من معاناة الفئات الهشة، ويكرّس التفاوت الاجتماعي. فالحق في العلاج لا يتجزأ، ولا يجوز أن يُحدد بمكان الإقامة أو القدرة على الوصول إلى المدينة.
العدالة الصحية تعني أن يجد المواطن الرعاية نفسها أينما كان، وألّا يتحول البعد الجغرافي إلى حكمٍ بالإهمال.

الإنفاق… أولوية غائبة

الصحة تُصنّف ضمن القطاعات الأكثر حساسية، لكنها ليست دومًا ضمن الأولويات الفعلية في الإنفاق العمومي. ميزانيات محدودة لا تواكب الحاجيات المتزايدة، واستثمارات تركّز أحيانًا على الشكل أكثر من المضمون.
الإنفاق على الصحة ليس عبئًا، بل استثمارًا في رأس المال البشري. كل درهمٍ يُصرف على العلاج والوقاية يُوفّر أضعافه في الإنتاج والاستقرار. إنّ الأمم التي وعت هذه الحقيقة جعلت من المستشفى مدرسةً للحياة، لا مركزًا لتدبير الأزمات.

الإدارة والحوكمة الصحية

أحد أبرز مكامن الخلل في النظام الصحي هو ضعف الحوكمة والتدبير. القرارات تتغيّر بتغيّر المسؤولين، والرؤى تنقطع مع كلّ مرحلة. غياب الاستمرارية في الإصلاحات يجعل كلّ مشروعٍ جديد يلغى ما قبله، فتظلّ النتيجة واحدة: تأجيل الحلول وتكرار الأعذار.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من إدارةٍ رشيدة، تعتمد التخطيط العلمي والشفافية في التسيير والمحاسبة في الأداء. فلا يمكن لنظامٍ صحيٍّ أن ينجح في ظلّ غياب الحكامة التي تُوازن بين الكفاءة والإنصاف.

النظام الصحي… في غرفة الإنعاش

الصحة اليوم ليست أزمةَ تجهيزاتٍ فقط، بل أزمةَ رؤيةٍ وعدالةٍ وضمير. حين يصبح المريض رقماً في سجلّ الانتظار، ويغدو الدواء ترفاً، وتتحول المراكز الصحية إلى أماكن إنقاذٍ مؤقتة، نكون أمام سؤالٍ أعمق من الإصلاح الإداري:
من يُعالج المريض الأكبر، أي المنظومة نفسها؟
هل نريد سياسةً صحية تُداوي الجسد فقط، أم مشروعًا وطنيًا يُعيد الثقة إلى المواطن في لحظات ضعفه؟
إنّ الشفاء يبدأ من الاعتراف بأنّ الصحة ليست قطاعاً تقنياً فحسب، بل ركيزةً للعدالة الاجتماعية، وأساسًا لكرامة الإنسان التي لا يجوز التهاون فيها.

14 أكتوبر 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com