ربط المسؤولية بالمحاسبة:

ربط المسؤولية بالمحاسبة:
مجلس النواب

من مبدأ دستوري إلى ثقافة حكم

منير لكماني

ليست نهضة الدول وليدة الصدف أو الخطابات، بل ثمرة منظومة قيم ومبادئ تجعل المسؤولية التزامًا والمحاسبة رادعًا ومحرّكًا في آن واحد. وقد جعل جلالة الملك محمد السادس من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة حجر الزاوية في مشروعه الإصلاحي، مؤكّدًا أن الجِدّ في العمل والشفافية في الأداء هما معيار الشرعية السياسية والمصداقية الأخلاقية.

فمنذ سنوات، لم يعد هذا المبدأ مجرد بند دستوري، بل تحوّل إلى فلسفة حكم تؤطر ممارسة السلطة وتعيد الاعتبار لقيمة الكفاءة والالتزام.

التفعيل الكامل للمبدأ – خطاب 29 يوليوز 2017

«لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ… وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور، التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.»

كان هذا النداء لحظة مفصلية في مسار الإصلاح المؤسساتي، إذ وضع جلالة الملك محمد السادس حدًّا للفصل التقليدي بين المسؤولية والمساءلة. فمن يتولى التكليف العام بات مطالبًا بنتائج ملموسة لا بتقارير شكلية.
الرسالة واضحة: لا مسؤولية دون محاسبة، ولا شرعية بلا أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية.

مرحلة الحسم والوضوح – خطاب 13 أكتوبر 2017

«وإنما هو بداية مرحلة حاسمة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والعمل على إيجاد الأجوبة والحلول الملائمة، للإشكالات والقضايا الملحّة للمواطنين.»

هنا تتحول الفكرة إلى منهج عملي. فالمساءلة لم تعد محصورة في تقويم الأداء، بل في مدى قدرة المسؤولين على إنتاج الحلول بدل الاكتفاء بتشخيص الأعطاب.
الرسالة السياسية أن زمن التبرير انتهى، وحلّ محله زمن الإنجاز والنتائج، حيث يُقاس كل فاعل بما يقدّمه لا بما يعد به.

صرامة التطبيق – خطاب 11 أكتوبر 2019

«ولا مجال هنا للتهرب من المسؤولية، في ظل التطبيق الصارم لربط المسؤولية بالمحاسبة.»

الصرامة التي عبّر عنها جلالة الملك في هذا الخطاب أكدت أن المرحلة تجاوزت النصح إلى تفعيل آليات الردع والمحاسبة.
المعنى العميق لهذا المقتطف أن المسؤولية العمومية ليست امتيازًا سياسيًا، بل أمانة أخلاقية تُحمّل صاحبها تبعات النجاح أو الإخفاق.
الرسالة الحازمة: لا حماية بعد اليوم لمن يتقاعس، فالمحاسبة قاعدة، والإعفاء نتيجة طبيعية لمن لا يفي بالتزاماته.

الحكامة أساس النجاح – خطاب 9 أكتوبر 2020

«إن نجاح أي خطة أو مشروع… يبقى رهينًا باعتماد مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.»

في هذا الخطاب، ربط جلالة الملك بين مفهومي الحكامة والنجاعة. فالمحاسبة ليست هدفًا تأديبيًا بل أداة تصحيحية تضمن الاستمرار. الرسالة هنا مزدوجة:

الأولى إلى المؤسسات لتطوير أنظمة التقييم والرقابة،

والثانية إلى المسؤولين لترسيخ ثقافة المبادرة وجودة الأداء.
فالحكامة الرشيدة هي التي تجعل من المراقبة وسيلة للتقويم لا للعقاب، وللتحفيز لا للإحباط.

الجدية كمنهج شامل – خطاب 29 يوليوز 2023

«والجديةُ كمنهجٍ متكامل، تقتضي ربطَ ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعةَ قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص.»

هذا المقتطف من خطاب الجدية يلخص المسار الملكي في جملة واحدة. فـ«الجدية» هنا ليست شعارًا أخلاقيًا، بل نسقًا مؤسساتيًا يحوّل الكفاءة والالتزام إلى معيارَي بقاء واستمرار.
الرسالة السياسية: الجدية هي ميزان الحكم على المسؤولين، ومن لا يتقن مسؤوليته لا يستحقها. إنها دعوة لترسيخ ثقافة جديدة قوامها العمل بدل الكلام، والاستحقاق بدل الولاء.

المسؤولية في زمن المحاسبة – الخطاب السامي أمام البرلمان 10 أكتوبر 2025

«ندعو الجميع، كلٌّ من موقعه، إلى محاربة كل الممارسات التي تُضيّع الوقت والجهد والإمكانات، لأننا لا نقبل أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي.»

بهذا التوجيه الصريح، أعلن جلالة الملك محمد السادس أن المرحلة الراهنة هي مرحلة المردودية الفعلية، حيث يُقاس التقدّم بما يُنجز على الأرض لا بما يُدوَّن في الوثائق.
إنها دعوة لإرساء ثقافة النجاعة وتجنّب هدر الزمن المؤسساتي، وجعل المحاسبة مبدأً ملازمًا لكل مسؤولية، من أصغرها إلى أعلاها.

الإشارة القرآنية الختامية: مبدأ المحاسبة الإلهية والضمير الإنساني

اختُتم الخطاب السامي بكلام الله عز وجل في قوله تعالى:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُصدق الله العظيم.

آية جامعة تختزل فلسفة ربط المسؤولية بالمحاسبة في بعدها الأخلاقي والإنساني. فهي تذكّر بأن كل فعل، مهما صغر، له أثر يُرى ويُحاسب عليه.
الرسالة من هذه الإشارة البليغة أن المحاسبة ليست إجراءً إداريًا أو سياسيًا فحسب، بل قيمة وجودية تُعيد لكل عمل وزنه ولكل مسؤولية معناها.
إنها دعوة صريحة لأن يكون الأثر ميزان الحكم على الأداء، وأن يتبارى الجميع في تقديم العمل الجاد والمتقن بضمير حي ومسؤولية صادقة. فالمحاسبة هنا ليست غاية في ذاتها، بل سبيلٌ إلى الإتقان والعدالة والجدارة.

منذ سنة 2017 إلى 2025، تحوّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من نصّ دستوري إلى منظومة حكم متكاملة في فكر جلالة الملك محمد السادس.
لقد أصبحت هذه القاعدة الناظمة أداة لضمان النزاهة، وآلية لترسيخ الحكامة، ومؤشرًا على نضج التجربة السياسية. فالمسؤولية اليوم لم تعد موقعًا إداريًا، بل التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا، والمحاسبة لم تعد تهديدًا، بل ضمانة للثقة العامة.

ويبقى السؤال الجوهري المطروح على النخب والمؤسسات:
هل سنرى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يُمارس كعادة مؤسسية لا كاستثناء ظرفي؟
وهل ستصبح الجدية منهجًا دائمًا في التسيير العمومي؟

الجواب لا يُقاس بالأقوال ولا بالشعارات، بل بما يظهر من أثر في حياة الناس، مصداقًا لقول الله تعالى:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ صدق الله العظيم.

القنيطرة – 11/10/2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com