حين يكون الخطاب سيادة
عندما تُخاطب الحكمةُ التاريخ
منير لكماني
في الزوايا الوعرة للعلاقات بين الدول، تختبر السياسة أنبل مبادئها. هناك، حيث الغضب قد يُختصر في بيان، والعداء قد يُشعل فتيل خصام طويل، تُصبح الكلمة مسؤولة، والخطاب امتحانًا للقيادة، والموقف درسًا في الأخلاق قبل أن يكون إجراءً في البروتوكول.
ومن بين صفحات التوتر التي كتبتها الجغرافيا بين المغرب والجزائر، تبرز لغة جلالة الملك محمد السادس كاستثناء بلاغي وواقعي، يوازن بين الصبر والتاريخ، ويستحضر في كل مناسبة مفهومًا أصيلاً اسمه “الأخوّة السياسية”، لا ينكسر تحت ضغط الاستفزاز، ولا يتغيّر تحت طائلة التكرار.
هكذا يتحدث الملوك… حين يصمت الآخرون
ليس سهلاً أن تُبقي يدك ممدودة، بينما تُغلق في وجهك الأبواب.
ليس يسيرًا أن تخاطب الشعب الجار بودّ، بينما تُوجّه إليك خطابات التخوين.
لكن الملك فعلها، ومضى على نهجٍ لا يخطّه سوى الحكماء الذين يرون الأبعد، ويكتبون للتاريخ لا للمنابر.
فمنذ خطاب العرش لعام 2021، كانت كلمات الملك أشبه بنداء أخوي:
“ندعو فخامة الرئيس الجزائري إلى أن نعمل سويًا، في أقرب وقت يراه مناسبًا، على تطوير العلاقات الأخوية، التي بناها شعبانا، عبر سنوات من الكفاح المشترك.”
كلمات حملت أكثر من دعوة، كانت رسالة كبرى إلى المستقبل، وإلى الضمير السياسي في الجزائر، مفادها أن منطق القطيعة ليس قدَرًا، وأن التاريخ الذي جمعنا، لا يستحق أن يُنسى في زوايا الصراع.
وفي العام الذي تلاه، كان الثبات على الموقف أبلغ من التجديد، إذ قال جلالته:
“الحدود التي تفرق بين الشعبين الشقيقين، لن تكون أبداً حدوداً تغلق أجواء التواصل والتفاهم بينهما.”
ثم، في لحظة نادرة من الصدق السياسي، توجّه الملك لا إلى نظام، بل إلى شعب:
“الشعب الجزائري الشقيق، شعب أصيل، يعرف من أين تؤكل الكتف، ويميز بين الصادق والمخادع.”
خطاب لا يُلقى من باب المجاملة، بل من قناعةٍ بأن العداء لا يكون بين الإخوة، حتى إن اشتد الخلاف بين الحُكّام.
منهج لا يردّ على الشتيمة، بل يردّ بالتاريخ
يخطئ من يظن أن هدوء الخطاب ضعف، أو أن الصمت أمام التجريح هزيمة.
الملكية، بطبعها وتكوينها التاريخي، لا تخضع لمنطق المعاملة بالمثل، لأنها لا تستمد شرعيتها من جمهور لحظة، بل من امتداد قرون من السيادة والرصانة.
فبينما يتغير الرؤساء ويتبدل خطابهم، يقف الملك على أرض صلبة، يخاطب الشعوب لا الأنظمة، يكتب للمستقبل لا للنشرات الإخبارية. ولهذا، لا يلتفت إلى الضجيج، لأنه لا يُدافع عن زَعامة، بل عن مبدأ، وعن حق، وعن شرف الجوار.
ليست اليد الممدودة ضعفًا… بل رفعة ملوك
من يُدرك طبائع الحكم، يعلم أن الدعوة إلى الحوار ليست هروبًا من المواجهة، بل تجلٍّ للحكمة.
وأن عدم الرد بالمثل ليس تهاونًا، بل تمسّكًا بأخلاق الدولة.
فالملك، حين يمد يده، لا يفعل ذلك لأنه يخشى، بل لأنه أدرك حجم التبعات، وآمن أن الشعوب لا تُبنى بالصدام، بل بالتكامل.
في كل خطاب من خطابات جلالته ، تتكرر رسائل الحوار، ويغيب فيها أي أثر للغة التأليب أو النكاية.
هي مدرسة سياسية مغربية، تجعل من الجار شريكًا محتملًا، لا خصمًا أبديًا.
بين الموقف والمبدأ… لا فرق
حين يتحدث جلالة الملك عن الجوار، لا يُراوغ في الموقف ولا يُهادن في السيادة.
هو يُصرّ على أن اليد التي تدافع عن وحدة المغرب، هي ذاتها التي تصافح من يحترمها.
وهذه المعادلة النادرة هي ما يجعل الخطاب المغربي تجاه الجزائر ثابتًا لا يتأثر، قويًا دون أن يصرخ، واضحًا دون أن يهاجم.
من الضفتين… يشرق الرجاء
في عالم يضج بالقطائع والصراعات، يُمكن لخطاب واحد أن يكون الجسر بين عاصمتين، إذا خرج من حاكمٍ يعرف الفرق بين رد الفعل وصناعة المصير.
وإننا، أمام هذه المدرسة الملكية في التخاطب مع الجوار، نقرأ مشروعًا طويل المدى، لا يسعى إلى كسب معركة إعلامية، بل إلى ترميم نسيج إنساني عميق.
ولعل الزمن، الذي علّمنا أن السياسة قصيرة النفس، يُثبت يومًا أن صوت العقل أطول عُمرًا من قرقعة الخصام.
ولعل يومًا قريبًا، تُفتح فيه الأبواب، وتُمد فيه الجسور، ونسمع من على ضفتي المدى لغة واحدة تقول: لقد كانت العِشرة… لا تُنسى.
03/08/25 ألمانيا
