الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الإستعمار
إضافة نوعية للمكتبة التاريخية المغربية
تقديم للبدء من جريدة ألوان :
وافانا الأستاذ “علال بنور” بدراسة قيمة لمصدر أساسي لاغنى عنه لأي دراسة حول مقاومة المغرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،
ارتأينا أن نسلط عليها بعض الضوء فيما يلي:
* المؤلف الأصلي للكتاب المتناول بالتتبع هو ” ادمون بورك “، استاذ بجامعة كاليفورنيا – سانتاكروز، متخصص في تاريخ الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
* المترجم : الأستاذ ” محمد أعفيف ” أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية . جامعة محمد الخامس بالرباط
* دار النشر: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، ضمن سلسلة نصوص وأعمال مترجمة ، العدد 17 . الطبعة الأولى 2013 والطبعة الثانية في 2025 .
* المحتوى : يُنَقِّبُ “ادمون بورك ” في ثلاثة عقود حاسمة من تاريخ المغرب خلال الفترة الفاصلة ما بين 1860 و 1912 التي شهدت انتقالا من نصرة السلطان “محمد بن عبد الرحمان بن هشام ” إلى بداية الحماية الفرنسية ، ويركز على :
– أشكال الاحتجاج والمقاومة الشعبية في مواجهة التمدد الغربي.
– التوتر الداخلي حول شرعية الدولة والمخاوف من التمزق الإجتماعي أمام الضغط الاقتصادي الخارجي.
– دور القبائل والزعماء المحليين، مثل حركة أحمد الهيبة وتطور الدينامية حول المقاومة المسلحة وتأثير ذلك في المشهد السياسي قبل فرض الحماية. – ألوان-
استهلال مدخلي :

لا يختلف عاقلان في القول أن كل تقديم لأي إنتاج تاريخي هو محاولة استكشافية جديدة لمنعطفات ذاك الكتاب من طرف القاريء الباحث، وعليه فإن هذه العملية تستوجب القراءة المتأنية، المصحوبة بطرح الأسئلة والملاحظات الضرورية، لاشراك القاريء فيما انتبه إليه مؤرخ المنتوج التاريخي وقارئه.
في هذا الإطار أجدني ساعيا إلى تقديم هذا الكتاب لقراء جريدة ألوان الإلكترونية الغراء ، مدفوعا بأسباب أجملها في :
1 أهمية الكتاب المترجم الذي استغرق فيه مؤلفه ” ادمون بروك ” عشر سنوات من البحث ليقدمه رسالة أطروحة الدكتوراه بجامعة ” برينستون ” .
2 أن الأستاذ المترجم ” محمد أعفيف ” له من الكفاءة والدراية باللغتين الفرنسية والإنجليزية ما يجعله قادرا على سبر أغوار كل الانتاجات التاريخية المنجوزة باللغتين.. وهو المؤرخ وعالم الانتروبولوجيا المميز في كتاباته بالجمع ما بين المنهج التاريخي والتصور الانتروبولوجي.
3 هو الأستاذ الذي نهلت كثيرا من أحواض معرفته التاريخية العميقة خلال مرحلة الدراسات الجامعية، ولازلت إلى اليوم أتابع وأتتبع كل إنتاجه المعرفي التاريخي الرصين.
4 وأنا انجز هذه القراءة / التعريف بالكتاب يحضرني تساؤل عميق يكمن في مطلب أستاذنا الكبير المؤرخ الراحل “ابراهيم بوطالب“، في دعوة الطلبة بالاهتمام بترجمة المنتوج التاريخي الكولونيالي كخطوة أساسية في كتابة تاريخ المغرب، وهو عكس ما كان يذهب إليه التيار الوطني الرافض للتعامل مع الكتابات الاستعمارية في حد الرد عليها وتصحيحها فقط.
أولا : هندسة الكتاب
أنا المولوع بالكتب التاريخية، المهتم بالبحث التاريخي وجدت كتاب “الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الإستعمار 1860 – 1912” مغريا بالقراءة والتتبع من خلال عنوانه . وقد اعتدنا أن نربط الاحتجاج والمقاومة بالاستعمار، غير أن هذا المنتوج التاريخي يذهب إلى ربطهما بالمخزن والصراعات المتعددة الأطراف :
الصراع بين المخزن والقبائل من جهة، وبينه وبين الطامحين من الثوار في السلطة، وأحيانا الصراع مع القواد الكبار، وأحايين أخرى يكون بين المخزن والفقهاء والزوايا.
وهنا يكمن إغراء الكتاب بالقراءة والتتبع والتوقف العلمي عند ماجاء فيه.
وعود على بدء ، أقول إن اختياري لتقديم هذا الكتاب القيم يرجع إلى عدة اعتبارات ، أُجْمِلُها في :
– أولا بأن أستاذنا “محمد أعفيف ” متمكن من عملية التعريب عن اللغتين العربية والفرنسية – وهو ما سبقت الإشارة إليه – وملم بكل الجوانب اللغوية لتلك العملية – ثانيا أن للكاتب / المُؤَلِف قيمة علمية تاريخية خاصة.
الكتاب في 360 صفحة من الحجم الكبير، بما في ذلك مقدمة الترجمة المعدة من طرف الكاتب نفسه، يوضح فيها موقفه من الكتابة الكولونيالية حول المغرب، ويطرح صعوبات الحصول على مصادر عربية وأرشيفاتها.
– يلي هذه المقدمة كرونولوجيا الأحداث التي غطت الكتاب بالكامل، لمساعدة القاريء في الضبط المحكم للأحداث بسنواتها .
– ثم تليها مقدمة ثانية للكاتب ذاته، تتجاوز المقدمات الكلاسيكية التي تعمد إلى تلخيص متتالي للفصول مع شرح وتوضيح القضايا الكبرى التي يتناولها الكتاب.
وقف الكاتب عند المناخ العام الذي عرفه المغرب في الفترة المتناولة بالدرس، الممتدة من 1860 إلى 1912، موضحا فيها اختلاف المغرب عن باقي الدول العربية في نظام الحكم، وعلاقة المغرب بأوروبا .
وأخيرا نشير إلى أن الكتاب الصادر باللغة الانجليزية ، عن جامعة ” شيكاغو بريس ” وعن ” لندن ” سنة 1976 . يتضمن 9 فصول ، جاءت كالتالي :
1 الدولة والمجتمع في المجتمع التقليدي
2 المغرب والغرب 1860 – 1912
3 عصر البائعين الرحل
4 أزمة 1905 وبداية المقاومة
5 أصول وتطور الحركة الحفيظية
6 عبد الحفيظ في السلطة
7 الإصلاح والتمرد
8 ثورة فاس وتمرد الهيبة
9 أنماط الاحتجاج والمقاومة ما قبل الحماية
ترجم إلى اللغة العربية في طبعتين ، الأولى سنة 2013 والثانية سنة 2025 ، عن منشورات كلية الآداب بالرباط .
ثانيا : إضاءات حول الكتاب
للكتاب أهمية علمية قصوى نرصدها من خلال تنوع مصادره المطبوعة، لاتينية وعربية، بالرغم من الصعوبات التي وجدها الباحث عند طلبه الولوج إلى الأرشيفات المخزنية. ناهيك على ما يميز شخصية أستاذنا “محمد أعفيف” الذي لا يقدم على أي عمل إلا إذا كان يتسم بالجدية. وكل ذلك يسمح لنا بالقول أن الكتاب هو عبارة عن أنماط التغيرات وعملياتها المعقدة ، بغاية تسليط الضوء على أزمة النظام المخزني في المغرب، الذي يسميه الكاتب ب” النظام القديم في المغرب“.
لقد ارتكز هذا العمل على مصادر مختلفة، منها المنشور وغير المنشور، مما بقي بكرا في الأرشيفات الأوربية، باستثناء أرشيفات مغربية أقر الكاتب أنه وجد صعوبة في الولوج إليها. في الوقت الذي كان فيه الباحث / المؤرخ المغربي موجها اهتمامه الكلي نحو التأريخ للحركة الوطنية، ولم يعط أهمية لموضوع الاحتجاج والمقاومة بين مكونات المغرب خلال أواخر القرن 19 والتي يمكن أن يفسر بها الحركة الوطنية خلال القرن 20. وكأني بالمؤرخ المغربي يعتبر حركات الاحتجاج والمقاومة في مغرب الإستعمار – يقول المؤلف – مجرد حركات خالية من أي مغزى سياسي، بل هي مجرد فوضى ومظهر من مظاهر التعصب ضد الأجانب.
ويعلن الكاتب عن رأيه حول هذه القضية، ناضرا الى المقاومة والاحتجاج في مرحلة ما قبل الاستعمار هي في الأصل حركات وطنية ضد المخزن. ومعتبرا أن الحركة الوطنية الحقيقية هي التي انطلقت في 1912 بقيادة النخبة البدوية والحرية كامتداد للحركة الوطنية خلال 19 التي قادها سكان البوادي.
نخلص الى أن الكتابات التاريخية الاستعمارية، ظلت محط خلاف ونقد عند المؤرخين المغاربة فيما بينهم وبين الأجانب. أما المؤرخ “ ادمون بروك ” فيعتبر أن كل المصادر تعكس الظروف والحيثيات التي نشأت فيها، لذلك نجده يدعو المؤرخين إلى الإعتماد على مصادر متنوعة ، تقريبا للموضوعية ، وهو ما قام به في إعداد جزء مهم من أطروحة الدكتوراه ، ويقر أنه كان حذرا في تعامله مع المصادر الأجنبية التي تتسم بالتحيز الواضح، ولم يستغن عن الاستناد إليها.
في العودة إلى طروحاته التي دافع عنها في أحداث تاريخ المغرب، نجده أحيانا يعمد إلى المقارنة بين المغرب وباقي دول شمال افريقيا، بل يسير به بعد النظر الى ما سماه بالدول العربية الإسلامية بالشرق العربي، حيث تتقاطع الأحداث في بعض جوانبها، كطلب القروض من الأبناء الأوربية، بفوائد قاسية لتمويل مشاريع الإصلاحات الكبرى، وعندما وجد المغرب صعوبة في تأدية الديون، كان لزاما عليه قبول مراقبة الأبناك الأوربية لماليته، وندرج هنا المثال التالي:
[ اقترض المغرب 64 مليون فرنك فرنسي في 1904، وهو ما كان له الأثر الخطير على الخيارات المتاحة للمخزن المغربي ] وهناك إشارة لا يمكن أن نُفَوِّتَها، أكد عليها الكاتب ومفادها [أن المغرب كان الأكثر مأساوية في كل المنطقة منذ أن بدأت الهوة الإجتماعية تتعمق بين الفقراء والأغنياء سنة 1900]
ونجد – كذلك – أن الكاتب / المؤرخ ، عالج قضية الاحتجاج والمقاومة في بعدها الشمولي، وارتباطا بذلك أخذت الأزمة الإقتصادية تتفاقم، لتتعاظم معها حدة التوتر الإجتماعي بين عموم المغاربة وذوي الامتيازات الذين ارتبطت مصالحهم بالأوربيين. كما رصد الكاتب تحول بعض الانتفضات إلى ثورات في البوادي والمدن، مبعدا عنها الدافع الاقتصادي والفقر إلى الدوافع الدينية. ولا ندري لماذا هذا الاختزال في الجانب الديني ؟ في الوقت الذي يشير فيه إلى تبنيه التيار التاريخي الإجتماعي.
ويطرح الكاتب / المؤرخ، وهو يحمل هما تاريخيا ، سؤالا يلخصه في القول :
[ هل أَشَّرَتْ هذه الفترة – موضوع الدراسة – على نهاية النظام القديم ( ويقصد النظام المخزني)، أم أنها تؤشر على بداية المغرب الحديث؟ ]،
ويجيب عليه بالقول:
[ أنها أًشَّرَِت على الاتجاهين معا ، بطرق شتى ]
ثم ينتقل إلى الحديث عن موقف النخبة القروية / البدوية والنخبة الحضرية من السياسة الفرنسية خلال سنة عقد الحماية 1912، التي أصبحت أكثر عنفا، فانتهى بها الأمر إلى اختيار المقاوم .
واذا كانت انتفاضة 1912 قد شكلت عرقلة في وجه الانطلاقة الفعلية للحماية الفرنسية على المدى القصير فإنها وضعت على المدى البعيد الأسس التي انطلق منها الجنرال ليوطي في مقاومة الثورة. وفي النهاية ستجد النخب المغربية نفسها موافقة على دعم الحماية الفرنسية، مادام أن امتيازاتها لن تُمس. وعلى ذلك الأساس طبق الجنرال ليوطي السياسة ” الناعمة ” لصرف انتباه النخب عن الاستيلاء الفرنسي للخيرات المغربية .
ويقر الكاتب أن المغرب دولة عميقة الجذور التاريخية، مقارنة مع باقي دول شمال افريقيا، وأنه من الدول القليلة التي حافظت على استقلالها. ويشير في مستوى آخر على أن العامل الوحيد – ولو أن التاريخ لا يؤمن بأحادية العامل – الذي مكن المغرب من تجاوز وضعية الجزائر التي احتلتها فرنسا سنة 1930، هو الدعم الدبلوماسي لبريطانيا في قضية الإصلاحات طيلة القرن 19، والتي ولدت مشلولة. لذلك فإن التحالف الأوروبي ضد المغرب – الذي اعتبر أوروبا يجب توزيعه –
لم يفرض نفسه بصورة قوية إلا مع سنة 1900. وخلال الفترة الممتدة من 1860 إلى 1912، عرف المغرب مجموعة من التحولات :
الأولى : تتمثل في الدخول المكثف للرساميل الأوربية إلى المغرب، وتدمير البنيات التقليدية الإقتصادية والإجتماعية بشكل كبير.
الثانية فتمثلها جهود التحديث التي ظهرت سلبياتها في تقويض البنيات الإدارية المخزنية، والمحافظة على جزء منها .
أما الثالثة فتتجلى في وضع الآليات الفرنسية موضع التنفيذ منذ 1900. ويلاحظ الكاتب أن هذه التحولات الثلاث ، ساهمت في انهيار المغرب القديم ، الذي يقصد به المخزن، وميلاد مغرب جديد – حسب رأيه- وبالتالي فإن تلك التحولات – ان اعتبرناها كذلك – أدت إلى ردود فعل سياسية :
الإصلاحات + المقاومة + الثورات الشعبية + خلع السلطان عبد العزيز + عدم رضى النخبة المغربية.
لقد اعتبر ” ادموند بروك ” أن الكتابة التاريخية الكولونيالية لازالت محط خلاف ونقد. ويؤكد على أنه اعتمد في إنجاز مصنفه ذاك على المراجع المغربية بِشُحِّها، وعلى وفرة المراجع الأجنبية المنشورة والأرشيفات الموجودة بالدوائر الأوربية المفتوحة لعموم الباحثين. وعالج الكتاب قضية الاحتجاجات والمقاومة من زاويتيهما الداخلية وفي بعدهما الشمولي، كما تتبع مراحل الانتفاضات في المدن والبوادي إلى غاية 1912، السنة التي فتحت الباب أمام الإحتلال الفرنسي للمغرب، مركزا على معطيات أساسية أجملناها في :
– تحليل الانضواء الإقتصادي للمغرب في
– النظام الرأسمالي العالمي وتأثيره الإجتماعي .
– التدخل الأوربي (لاسيما الفرنسي) مع استمرار الشرخ الداخلي، مما أسهم في تشردم القوى المغربية وعدم توحدها في مواجهة الحماية.
ثالثا : الخلاصة
ان الكتاب الذي حاولنا التوقف عنده يقدم قراءة جديدة لتاريخ المغرب في مرحلة ما قبل الحماية من خلال تتبع ديناميات الاحتجاج والمقاومة الشعبية في مواجهة التغلغل الاستعماري الأوربي وضعف الدولة المخزنية . يُبْرِز مؤلفه “ادمون بروك ” كيف شكلت الأزمات الاقتصادية ، والضغوط الضريبية والتفاوتات الإجتماعية حواضن لظهور حركات مقاومة محلية، منها الحركة الحفيظية وثورة الهيبة. بعيدا عن الرواية الرسمية. ويُسلط الضوء على الفاعلين الاجتماعيبن الهامشيين ( القبائل، الفلاحون، التجار ، الزوايا ) بوصفهم قوة تاريخية فاعلة. وتُعد الترجمة التي انجزها الأستاذ “محمد أعفيف ” مرجعا جوهريا لفهم طبيعة الاحتجاجات وتفتت الردود المغربية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قبل فرض الحماية الفرنسية. ويمثل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية المغربية، لما يحمله من عمق تحليلي ورؤية نقدية للسرديات الاستعمارية والتقليدية .
ذ علال بنور
الدار البيضاء . المملكة المغربية
