قراءةٌ نقديةٌ للكاتبِ محمد ياسين خليل القطعاني
الأدبُ الوجيزُ تَحْتَ مِظلةِ المنهجِ الأسلوبي النفسي

نَصٌ مِن الأدبِ الوجيزِ للدكتورة درية فرحات ، قصة قصيرة جداً بعنوان ( تآلف )/ أنموذجاً:
نقرأُ هذا المنجزَ الإبداعيّ منْ حيثُ إنّه نَصٌ، ونتناولُه مِنْ خلالِ بعض أدواتِ المنهجِ الأسلوبي النفسي.
وهذا مَتْنُ النّصِ المَنشورِ بعنوان “تآلف” :
” ارتفعَ صوتُها باكياً، الترابُ يملأ جسدَها مُمتزجاً بدمائها، حاولتْ فِرقةُ الإنقاذ التخفيفَ عنْ رَوْعها، لكنّها تُصرّ على العودةِ إلى الرّدمِ الذي خرجتْ منه، صارخةً إنّها هُناك، هُنااااك.
يُسْمعُ مُواءٌ خافتٌ، تركضُ الطفلة والبسمةُ تُغالب دمعتَها، خرجتْ قِطّتُها، وقبعتْ في حُضْنها، فانزوتْ معها تُمسدها بحنانٍ ونظرةِ أملِ نصرٍ على طريقِ القدس ترسمُ محياها” انتهى.
القراءةُ الأولى للنص :
” طفلةٌ تعيشُ معَ قطةٍ في منزلٍ، تعرّضَ المنزلُ للتدمير، فرقةُ الإنقاذ تُخرج الطفلةَ مُضرجةً بدمائها، الطفلةُ تَرغبُ في العودةِ إلى المكانِ الذي أخرجوها منه، تُشير لرجالِ الإنقاذِ إلى شيءٍ ما، تَسمعُ الطفلةُ مواءَ قطتِها، تُسرع إليها دامعةً ، تحتضنُها ، وتشعُ من عينيها نظرةُ أملٍ “
القراءةُ النقديةُ :
بدأَت الكاتبةُ بجذبِ انتباهِ المُتلقي مُستخدمةً جملةً فعلية أولى للزمنِ الماضي 🙁 ارتفعَ صوتُها باكياً) تدلُ على حدثٍ خطيرٍ قدْ وقعَ ، وتَبِعَ هذا الحدث البكاءُ، والفعلُ الماضي بدلالته الّزمانية يُؤكد حدوثَ الفعل، وتُتْبِعُ الكاتبةُ الجملةَ السابقة بجملةٍ فعلية ثانية دالة على الزمنِ الماضي؛ لتؤكدَ حدوث شيء 🙁 حاولتْ فرقةُ الإنقاذ التخفيفَ عن رَوعِها )، وتُعمق الكاتبةُ الحدثَ أكثر بجملةٍ فعلية ثالثة 🙁 خَرجت ْ من الرّدم)، وجملة فعلية رابعة ( خرجت قطتُها )، وجملة فعلية خامسة : ( قَبعتْ في حُضنِها )، وجملة فعلية سادسة : ( انزوتْ معَها ).
بتكرارِ هذه الجملِ الفعلية وصلت الكاتبةُ بالمُتلقي إلى مرحلةِ التّصديق، وجعلته يعيشُ الحدثَ، ويتخيلُ ما دارَ، ويشاهدُ ما كانَ، فقد أرْسلت الكاتبةُ الرسالةَ (الحدث)، فتلقاها المتلقي وهو مُوقنٌ بحدوثِ ما يقرأ من خلالِ الأفعالِ الدالة على الزّمن الماضي.
لا تتركُ الكاتبةُ المتلقي في الزّمن الماضي وتتوقفُ به هُناك، بل تُشركه في الحدثِ عن طريقِ استخدامها للجمل الفعلية التي تبدأ بالفعلِ المضارع أو المتضمنة إيّاه فنقرأ: ( يملأ جسدَها)، وجملة ثانية (تُصِرُّ على العودة )، وجملة ثالثة : ( يُسْمَع مواءٌ خافتٌ)، وجملة رابعة : ( تركضُ الطفلةُ ) ، وجملة خامسة: ( تُغالبُ دمعتَها )، وجملة سادسة ( تُمسدُها بحنانٍ)، وجملة سابعة ( تَرسم محيّاها ).
إذن كانت الجملُ الفعلية الدالةُ على الزمنِ الماضي قد وضَعت المتلقي في جوّ الحدث، وعاشَ لحظات الخوفِ والهلع، وشم َّرائحة َالغبار والدّم، وسمِعَ صوتَ الاستغاثة، فإنّ الأفعالَ المضارعة جعلته مُشاركاً في الحدث لدلالتها على التّجددِ والحركةِ والتفاعل، فالمُتلقي وهو يقرأ أصبحَ يُشاهد الطفلةَ والتراب يُغطي جسدَها، ويراها وهي تحاولُ انقاذَ قطتها، ويسمعُ مواءَ القطة، ويسمعُ ضرباتِ أقدامِ الطفلة ِوهي تركضُ نحوَ قطتها فرحةً بنجاتها، ويشعرُ باليدِ الحانية التي تُطْمئِن القطة.
نُلقي الضوءَ الآن على استخدامِ ( الألفاظ) ومدى ملاءمتها للسياق الذي انتظمتْ فيه، وهل تمَّ اختيار الألفاظ بعنايةٍ، أمْ جاءتْ وليدة لحظات انفعالية في أثناءِ كتابةِ النص ؟ وهل كلُّ كلمةٍ أتتْ في موضعِها تماماً ؟ هل لوحلّتْ نظيرتُها محلّها كانت ستحْمِلُ الدّلالات النفسية واللغوية نفسها؟
للإجابةِ عن الأسئلةِ السابقة نتناولُ بالتّحليلِ اللغوي الأسلوبي النفسي بعضَ ما استخدمته الكاتبة ُمن الكلماتِ، ونبدأ باختيارها (الأسماء )، فقد جاءتْ كلمةُ الجَسد في الجملةِ كما يلي 🙁 الترابُ يملأ جسدَها) ، ولم تقل (جسمها أو بدنها )، والفرقُ كبير بينَ دلالات الكلماتِ الثلاث، فكلمة ُالجسم تُطلقُ على الجسم ِالذي فيه حياة ٌ، وكلمة البدن تُطلقُ على الجسمِ كاملاً سواءً أكان حيّاً أمْ ميتاً، ويكونُ ضَخماً .
أمّا كلمةُ الجَسد فتُطلق على الجسمِ الذي لا رُوحَ فيه ، والطفلةُ عندما أخرجها رجالُ الإنقاذ من تحت الأنقاضِ كانتُ مُجردَ جَسدٍ، والترابُ ممتزجٌ بدمائها، ومَنْ يُشاهدها للوهلةِ الأولى يظنُها فارقتْ الحياة ، لنتأملْ قولَ الله ـ سبحانه وتعالى ـ في (سورة طه الآية 88 ) :” فأخْرجَ لهم عِجلاً جَسَداً لهُ خُوَارٌ ” والمعنى: أنّ السّامري صَنعَ لبني إسرائيل عِجْلاً جَسداً مِن ذهبٍ يَخورُ خُوارَ البقر.
إذن جاءت الكلمةُ في محلِها وحَمَلت الدلالات اللغويةَ والنفسيةَ التي أرادتها الكاتبةُ.
نتناولُ الآن بعضَ الأفعال الواردة في النّص ، مثل الفعل: ( قبعتْ) في الجملة :” قبعتْ في حُضْنها “، فكلمةُ قبعتْ تحملُ دلالات لا تَحملُها نظيراتُها ( جلستْ، قعَدتْ )، فمنْ معاني كلمة قبعَ : توارى عن الأنظار، وأدخلَ رأسَه في ثوبِه، فالقطةُ عندما خرجتْ من تحتِ الركامِ كانت خائفةً، ولمّا شاهدتْ صاحبتها الطفلة اطمأنتْ وهرولتْ إليها؛ لتحتمي بها فأدخلتْ راسها في ثيابها وحُضنها .
ولو أردنا الذهاب بعيداً بالتّحليل اللغوي والنفسي للجملة ـ الجملة غير مضبوطة بالشكل في النّص ـ لقلنا إنّ الطفلة عندما شاهدتْ قطتها تخرجُ من تحت الأنقاضِ أسرعتْ إليها، ودسّتْ رأسَها في حُضن القطة، وبذلك يحدث ( التّماهي) بين الإنسانِ والحيوان في لحظاتِ الخطرِ والأمل.
إذن هناك توفيقٌ في استخدامِ الفعل ( قَبعَ ) بما يحملُه من دلالات.
ونأتي إلى الفعل ( انزوى ) في الجملة ” فانزوتْ معَها تُمسدُها بِحنانٍ”
فهل لو قلنا 🙁 جَلستْ بَعيداُ مع قطتِها)، تصلُ الصّورةُ للمتلقي بأبعادِها اللغوية والنفسية؟
الفعل (انزوى) يُوحي باختيارِ مكانٍ بعيد وآمنٍ، نقول: انزوى الطفلُ في غرفتِه، أي اعتزلَ فيها آمناً، فالفعلُ يحملُ معانيَ الانطواءِ والانقباضِ والاعتزالِ .
ونمرُّ على الفعل ( تركضُ) في الجملة : ” تركضُ الطفلةُ والبسمةُ تُغالبُ دمعتَها .” ، لو اختارت الكاتبةُ الفعل 🙁 تَجري، أو تَسير، أو تَتحرك ) مكان الفعل (تركض ) فهل تصل إلينا صورة (الهيئة الجسدية والحالة النفسية) التي كانت عليها الطفلةُ عندما سمِعتْ مواءَ قطتها، وتأكدتْ من نجاتِها من الموتِ؟
إنّ الفعل ( تركض) يَحملُ دلالات لا تحملُها الأفعالُ الأخرى البديلة ، فمن معاني الفعل (رَكَضَ )، سارَ مُسرعاً بقفزاتٍ مُتتابعة ، فالطفلةُ تركضُ وهي فرحةٌ سعيدة بنجاةِ قطتها، وهذه هيئة مَنْ يجري فرحاً مسروراً، وِزدْ على ذلك أنّ الركضَ يكونُ مَصحوباً بضربات ِالاقدام على الأرضِ، تلك الضرباتُ الدالة ُعلى البهجةِ والمرح .
ونعرجُ إلى الفعلِ ( تُمَسّد)ُ في الجملة : ” فانزوتْ معها تُمسدُها بحنانٍ ” ، ماذا لو كتبت الكاتبةُ : (فانزوت معها تضعُ يدَها عليها بحنانٍ)؟، هل تحملُ كلمةُ (تضع) دلالات الكلمة ( تُمسّد )؟
الفعل (مسَّدَ ) منِ ظلالِه اللغوية والنّفسية الحنانُ والرأفةُ واللين وتمشيط الشعر، نقول : مَسّدَ الجسمَ ، أي دلّكَهُ وليّنه بتمريرِ الكفِ عليه .
ونستطيعُ أنْ نقولَ مِثلَ ما سبقَ عنِ أسبابِ اختيارِ الأفعال : ( تُصِّرُّ ـ تُغالب ـ تَرْسمُ ) دون غيرها، وسبب بناء الفعل للمجهول ( يُسْمَعُ) ودلالة ذلك في سياقه والحالة النفسية المرتبطة بجوّ الجملة .
أمْا إذا بحثنا عن الكلماتِ التي تُعمقُ الحدثَ الذي برزَ في النّصِ ، فسوفَ نجدُ الكاتبة َاستخدمت الأسماءَ الدالة على الحالِ نَحْوياً مثل : ( باكياً ـ مُمتزجاً ـ صارخةً).
وإذا بحثنا عن الكلماتِ التي تحملُ المُتلقي إلى جَوّ التّدميرِ والرّعب والموت فإننا نقرأ: (الترابُ ـ دماء ـ الروع بمعنى الخوف والرّدم ).
وإذا كانت لحظاتُ الموتِ والخراب والتدمير حاضرةً في النّص، فإن روحَ الأملِ والنّجاة والإرادة وعدمِ اليأس حاضرةٌ تنبضُ بقوةٍ من خلال الكلمات : (مواء ـ أمل تُغالب ـ حُضْن ـ تُمسد ـ نَصْر).
أمّا إذا بحثنا عن استخدامِ الصوتِ في النّص؛ لتعبرَ به الكاتبةُ عن الحالةِ النفسية والحيزِ المكاني فسوفَ نقرأ الجملةَ الآتية : ” إنّها هُناكَ ، هُنااااك”. …
استخدمت الكاتبةُ إطالةَ الصّوتِ بحرفِ المد الألف المفتوح ما قبله، وكررته أربعَ مراتٍ رسماً وهو حُكمٌ ( تجويدي) ذي دلالة ، فقد جعلت المتلقي يشعُر بشعورِ الطفلةِ عندما افتقدتْ قطتها، وشعرتْ بوجودها تحتَ الرّدم حيثُ كانا معاً قبلَ تهدمِ المنزلِ، ولا شكَّ أنّ الكلمةَ ( هنااااك) تُصاحبها إشارةُ باليدِ وحركةِ الجسم بالقفزِ والوقوفِ على أطرافِ أصابع القدمين.
فالكلمة: ( هنااااك) حَمَلتْ صورة ًكاملةً يتخيلُها المُتلقي، جمعتْ بينَ الصوتِ ( صوت الطفلة وهي تنطق الكلمة) والحركة ( وقوف الطفلة على أطراف أصابع قدميها ) واللون ( لون التراب والردم) والمشاعر ( البهجة والفرح بسلامة القطة) .
ولعلّ عنوانَ النّصِ ( تآلف ) أصبحَ واضحاً الآنَ، فهذه حالةُ ألْفةٍ ومَحبةٍ وتعايشٍ بينَ الإنسانِ ( الطفلة) والحيوانِ ( القطة).
الكاتبة لجأتْ إلى استخدامِ بعضِ الانزياحات التركيبية والدلالية ، فمن الانزياحات التركيبية تقديمُ الكلمة الدالة على الحال ( نحويًا) في الجملة :
“صارخةً إنّها هناك”، وقدمت الحالَ لأهميته في تصويرِ الحالة التي عليها الطفلةُ، وكذا حذفتْ (الفعل) من الجملة ذاتها؛ لتجعلَ المتلقي يُعمل ذهنَه (ويُقدر الفعلَ المحذوفَ المفهوم من السياقِ ).
أمّا في مجال الانزياحات الدّلالية فنقرأ :
” البسمةُ تُغالبُ دمعتَها “، حيثُ شخّصت البسمةَ والدمعةَ وجعلتْ بينهما تدافع وتقاتل، فالبسمة تُغالب الدمعةَ كي تمنعَها، فمنْ الغالبُ ومنْ المغلوب ؟
الكاتبةُ جعلت المُتلقي يفكر (مَنْ الذي بكى؟ الطفلة أمْ صوت الطفلة ! ) في الجملة التي بدأتْ بها النص :
“ارتفعَ صوتُها باكياً”، فكلمةُ باكياً تعودُ على الطفلةِ ( ارتفع صوتُها باكيةً) أم على الصوتِ.
النّص استغنى بالأساليب الخبرية عنْ الأساليبِ الانشائية، ولعلّ ذلكَ راجعٌ إلى الفكرة ِالتي تُريد الكاتبة إرسالها إلى المتلقي، وإنْ كانَ النصُ وحدثُه الوحيدُ الرئيسُ كانَ يُمكن تحميلُه بأساليبَ إنشائية تُعمق المشاعرَ المرجوة منهُ، وتحرك الوجدانَ، وتجتذبُ تعاطفَ المتلقي.
النّصُ حَمَلَ بعضَ الرّموز التي مرّرتها الكاتبة من خلالِ الكلماتِ والتراكيبِ والأسلوبِ، ومنْ أبرزِها اختيار( شخصية الطفلة )؛ لتعبرَ عنْ الاملِ القادم الذي يحملُ مشاعلَ القوةِ والعزيمةِ والإرادة ، وكذا رمز( القطة) وارتباط الطفلة بها، وذلك يدلُ على إنسانيةِ الجيلِ القادم، وكذلك رمزية ( القدس) وما تحملُه الكلمةُ من ظلالٍ دينيةٍ وتاريخيةٍ ومكانيةٍ .
لو ظلّتْ كلمةُ ( القدس ) مكانها في النّص لأمكنَ تصنيفَ هذا النوع منِ النّصوص الأدبية تحت عنوان ( أدب المقاومة)، ولو أصبحَ النصُ من غير كلمة ( القدس ) لأمكنَ تصنيفَ النص تحتَ عنوان 🙁 الأدب الإنساني)؛ لأنّه يتناولُ قضية ًكونيةً وهي قضيةُ تعرضِ منزلِ طفلةٍ للدمارِ سواءً أكانَ السببُ طبيعياً أمْ بشرياً .
استخدمت الكاتبةُ الكلماتِ المألوفة، لكنّها فصيحةٌ، وتجنّبت الكلمات المُعجمية ؛ لذلكَ وصلت الفكرةُ إلى المتلقي بسهولةٍ، وإنْ كانت الجملةُ الأخيرة ُفي النص طويلةً وعامرةً ( بالمضافات) أي المضاف والمضاف إليه مع عدمِ ضبطِ كلماتِها بالتشكيل المناسب وخاصةً آخر الكلمات، فبعضُ الكلماتِ تكونُ مرةً مضافاً إليه، ثم تصبح مضافةً لما بعدها مِمّا يُرهق ذهنَ المتلقي، ويجعلُه يَلْهثُ وراءَ كلماتِ الجملةِ .
الكاتب : محمد ياسين خليل القطعاني: الكويت/مصر
