من كرة القدم الى كرة الحياة

من كرة القدم الى كرة الحياة

كرة القدم: الشغل الشاغل داخل البيوتِ…

عبداللطيف سرحان

في ظِل الأجواء التي يعيشها العالم حاليا، وسيحتضنها المغربُ لاحقا – كأس افريقيا 2025 وكأس العالم 2030 – وغيرهما من الكؤوس المتنوعة ، تبعا للجنس وللفئات العمرية التي تجرى – أو ستجري- بطولاتها في بقاع مختلفة من هذا الكون المثقل بالهموم والقضايا الملتهبة ومع ذلك فلا موضوعَ آخر غيرها سيدة العالم وشاغلته، الحبية ” كرة القدمِ ” الكل يتحدث عنها، لقد صارت الشغل الشاغل داخل البيوتِ، المقاهي، التجمعات، الصالونات، الشواطيء
و حتى في الحافلات، القطارات، الناقلات، الأزقة … أما وسائل الإعلام فحَدِّث ولا حرج لأن أغلبُ البرامجِ وأشهرها، بل والتي تعرف أكبرَ عددٍ من المشاهداتِ والمتابعة أو حتى الاستماع، لن تكون غير البرامج الرياضية التي تدور حول كرة القدم معشوقة الجماهير، وهي الشاغلة لكل الناس، والمفرقة بينهم، فهؤلاء يُحبون فريق الرجاء أو الوداد، أو أي فريق وطني آخر، ويبدعون في الأغاني والشعارات التي تشيد باللاعبين ويبتكرون اللوحات الاستعراضية – الكراكاجات – المبهرة، حتى ولو كان كل ذلك على حساب سلامة وصحة الآخرين . أما غيرهم فهو متيم بعشق الفرق الاجنبية، ريال مدريد، البارصا، وغيرهما من الفرق الفرنسية أو الايطالية أو الالمانية. وبالرجوع إلى المشهد الوطني، نجد أن كل النقاشات أصبحت تدور بحدة، إن لم أقل بعنف حولَ كرة القدمِ وما يندرج في فلكها، من حديث حول الناخب، المنتخَب، المدرب، الرئيس، الجمع العام، ناسين أو متناسين مَنِ انْتخبناه (هم) لتمثيلنا في ملعب مجلس الجماعة وفي البرلمان، لقد شغلتنا المستديرة، لدرجة أننا تركنا له (هم ) الساحة فارغة من أي تتبع أو محاسبة، مستغلين الفرصةَ السانحة للغنى الفاحش بكل أريحية رياضية، ونحن عنهم في انشغال بالمدرب وخُطته الدفاعية أو الهجومية، فأصبح كلٌّ منا مدربا مُحنَّكا، قادرا على وضع الخططَ و توزيع الادوار، ولو أن قدمَهُ تَعجز عن مُلامسةِ الكرة، يتفاعل وينفعل مع المقابلات بالتوترٍ والعصبية الزائدة. وبقليل من التروي نصل إلى القول بإن الشغبَ والعنفَ وكلَّ السلوكياتِ اللأخلاقية سببُها الهدرُ المدرسيًّ، فكلُّ تلميذ انقطع عن الدراسة منذ طفولته أو مراهقته، ماذا ننتظر منه ؟ إننا نصدره للفُرجة الكروية والحج في إطار مجموعات وزمر من الأقران – دون الحديث عن طرق الحصول على تذاكر الدخول إلى الملاعب، فذلك موضوع آخر يحتاج إلى وقفة خاصة – . وبالتالي سيعمد (ون) إلى الانتقام من تجهيزات الملاعبِ، ومِن الْمتاجر المجاورة لها، وحتى من السيارات المتواجدة قرب الملعب أو الواقعة في الطريق إليه، ناهيك عن الصراعات التي تنشب بين طوائف المشجعين داخل وخارج الملعب، إنها القيامة الكروية لا محالة.
وهنا يحاصرني سؤال مؤرق، مفاده : ماذا هيأنا لأبنائنا وشبابنا ذكورا واناثا، للاقتداء والمحاكاة ؟

إنها ثلاثة نماذجَ، ستؤدي بهم وبهن إلى الثراء السريع والغنى الفاحش وهم كالتالي :
* المغني التافهُ الذي لا يستوعب حتى ما يغنيه وبأغنيته الأسرعِ من وجبة سريعة. التي سترفع من قيمة أسهمه المصرفية ومكانته، حتى وإن كانت في الأصل هي مشوشة وضبابية.
* اللاعبٌ الرياضي الذي يستعرض آخرٰ نوع من سيارات الموضة، والحامل لساعة يدويَّةٍ فاخرةٍ ، المفتخر بآخر تقليعة حِـلاقيةِ المحتضن لأخرَ صديقة له ، لا داعي للحديث عن الكيفية التي جعلتها ترتمي في حضنه.
* النموذج الثالث يبقى هو البرلمانيًّ الذي لا يعرف أصل الجملة ، هل هي فعلية أو اسمية ومع ذلك فهو يغرد خارجَ السرب ، بعد أن أصبح ثريا وصاحب نفوذٍ ثاقب ، يحشر أنفه في كل الأمور اذا شم فيها رائحة تغنيه عن أجود العطور العالمية.
ثم أجدني أفكر وبصوت عال ستذهب التظاهراتُ الرياضيةُ وينتهي عمرها الزمني ، وتمنح الكؤوس إلى مستحقيها ، ليبقى بين أيدينا كأسُ المَرارةِ نتجرعها ، وينهلُ منها جيلنا المعطوبٌ ، وتفتخر بها كل العقليات المحدودة التفكير . وعندما أقول بذلك ، فأنا لست عدوا لأي تنشيط رياضي كروي متزن وعقلاني ، بعيدا عن التهور والاندفاعية ، وهو
ما يدفعني إلى التساؤل :
إلى متى سنظل شاردين مستسلمين لأهوائنا الداخلية أو الدخيلة ؟
إلى متى سيظل همُّنا الوحيد والأوحد هوكرة القدمِ ؟ والحديث عن “لقجع ” و” الركراكي” و باقي اللاعبين المغاربة الذين يلعبون مع الفُرق الأجنبية أوربيا وعربيا .
ولا أخفيكم – أحبتي – شيئا عندما أقول كم : تمنيتُ لو كان عندنا شخصٌ آخر اسمُه “لقجع” تؤول إليه مسؤولية المجلس الأعلى للتعليم، و تكون رهنَ إشارته ميزانيةٌ كالميزانية المخصصةِ لكرة القدم.

*تمنيتُ لو استفادت فُرقُنا التربوية التعليميَّةُ من بعضِ الامتيازات، حتى نؤسس مراكزَ للتكوين والتأطيرِ، والبحت العلميِّ، فينتعش الفكر وتزدهر الثقافة،

*تمنيت لو أصبحت إذاعتُنا وتلفزتنا قادرة على نقل مجالسَ الشعر والأدب والفلسفة، بعيدا عن مقص أو عين الرقيب، ويصبح حديثُ الشارع عندنا، منصبا عن التيارات الفكرية و العلمية، ونستضيف شخصياتٍ وازنة ومفكريين أجلاء وعلماء التكنولوجيا وغيرها من المجالات الضرورية التي تستوجبها الألفية الثالثة، ونؤسس بهم ومن خلالهم ومعهم لأجيالنا القادمة مايعجل برقي منظوماتنا الفكرية والقيمية، فنصير كلما توجهنا لأي منتزه رياضي أوطبيعي استجمامي، الأ ونحن أصحاب سلوكات مهذبة وقيم مواطنة حقة ملتزمة بمسؤولياتها، الجامعة بين الحق والواجب. كل هذا حلم وأماني أقاسمكم إياها، وبلادنا تُصرف ميزانيات ضخمة وبسخاءٍ حاتمي على كل المهرجانات الموسيقية والفرجوية، بعيدا عن صقل الأذواق، وتنمية الٌحِسِّ الموسيقيٍّ ونضع حدا للغةَ التفاهة التي يمطرنا بها كل التافهينَ تحت التصفيقات العبثيٍّة، و هذا جميعه -وغيره طبعا- يُزعزعُ سلامةَ قِيمِنا، ويؤثرُ على تَنشئة أطفالنا، وتكوين شبابنا، الذي ما أحوج بلدنا إليهم.
وخِتاما أتمنى الا تُشغلٰنا كرةُ القدم عن كرة الحياة

البيضاء في 20 \6\25

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com