مغرب الحضارة

حتى لا نكون من المفلسين…!
عزيز رباح
لا يملك كل مغربي أصيل وغيور إلا أن يفرح ويحمد الله ويتفاخر وهو يرى الجموع الغفيرة، على مد البصر غالبا، تقبل على الله في رمضان والعيد في المساجد والساحات العمومية والملاعب والطرقات .. في الدول الإسلامية وفي كل دول العالم.
شيوخا وكبارا وشبابا وأطفالا، رجالا ونساء، قادة ومسؤولين ومثقفين وموظفين وإداريين ومهنيين وعاطلين، في المدن والقرى والجبال والصحاري، في الأحياء الشعبية كما الفقيرة والراقية .. يقبلون على العبادة من صيام وصلاة وقيام وتهجد وزكاة وصدقة .. في تنافس قل نظيره وبمظاهر وتجليات تسر الناظرين وتجدب اهتمام حتى غير المسلمين.
فيقف العالم منبهرا بقوة المسلمين وتراصهم واعتدالهم في العبادات وتعظيم الشعائر، التي تبقى من ركائز الدين ومظاهر التدين، والزيادة في العطاء والصدقات وأعمال الخير والتضامن. ويرافق ذلك دخول الكثيرين في الإسلام فرادى وعائلات وجماعات وقبائل وتبنى وتفتتح مئات المساجد كل سنة في كل أنحاء العالم وينفق عليها في الدول الإسلامية وغير الإسلامية مئات الملايير من التبرعات.
وفي ليلة القدر ويوم العيد تكون دروة الأمر وقمة البروز وعظمة التجلي في التدين وتقديس العبادات فينبعث كل ما هو كامن في النفوس من الإيمان ويعم نوره كل بقاع الأرض لا يتخلف عن ذلك إلا القليل ممن له مانع شرعي أو عذر قاهر أو موقف عقدي من الإسلام ورافض للدين.
ويبرز في ذلك تميز المملكة المغربية التي تتمسك بإمارة المؤمنين وتحتل الصدارة عالميا في حفظ القرآن الكريم وبناء المساجد والإقبال على العمرة وتنظيم ليالي رمضان والأعياد وتكوين الأئمة والمرشدين بالمغرب وإفريقيا، و استقبال الدول الإسلامية وغيرها لعلمائها ووعاظها وقرائها وأئمتها .
لكن بقدر هذا الفرح والسعادة بثبات الإيمان في النفوس وتمسك المسلمين بدينهم وانتشاره في العالم حتى في الدول التي تحارب المسلمين وتتآمر عليهم!!! بقدر ما نتأسف على ضعف التدين في المعاملات وانتشار سلوكيات منحرفة في العمل والإدارة والمرافق العمومية كالغش والرشوة والزور والظلم والكسل وخيانة الأمانة وتضييع مصالح البلاد والعباد، وسوء المعاملة في المجتمع ونشر الإشاعة وإثارة الفتن وعدم احترام القانون ونقض العهود والكسب الحرام وهضم حقوق الناس والورثة واليتامى والعمال والشركاء وأكل أموالهم بالباطل وضعف الجودة وقلة النظافة والإساءة إلى الجيران والأقرباء وتخريب الأسر.. وأحيانا تجد بعض المناطق في المهجر التي يقطنها بعض المسلمين، أقول البعض حتى لا أعمم ، ينتشر فيها الإجرام والانحراف والمخدرات وانهيار التماسك الأسري ويقل فيها الالتزام بالنظام والنظافة وحسن الجوار والطمأنينة..
فسوء الأخلاق والسلوك والمعاملات في المجالات الاجتماعية والمهنية والإدارية والسياسية وغيرها، يعصف بكل حصاد الخير للتدين في العبادات ويضعف كل مسار التقدم والرفاه ويهدد الأمن والطمأنينة في المجتمع ويفتح أبواب الخيانة والاختراق ويشوه سمعة المسلمين وينفر من الإسلام لدى غير المسلمين بل حتى لدى الشباب المسلم نفسه.
هناك من لا يجد حرجا أن يكون موحدا ومتعبدا ومتمسكا بقوة بالعبادات فرائضها ونوافلها لكنه يكون فاسدا مفسدا في مؤسسات الدولة وفي مسالك المجتمع.
لذلك يقوم العلماء والوعاظ والدعاة والمؤطرين والمثقفين والإعلاميين والمؤثرين بالاستزادة من الجهد الذي يقومون به، وهم مشكورون على ذلك، لترسيخ التدين في العبادات والمعاملات معا. فيعم تسديد التبليغ، بعد ترسيخ العقيدة والعبادات، تنمية الأخلاق وتقويم السلوك وتجويد المعاملات.
هكذا يكون المسلم عنصر خير والتزام و منفعة يحقق بهم أمن نظام الدولة والمجتمع في دولتنا وكذا دول المهجر.
وهكذا تقطف أوطاننا وأمتنا والبشرية الخير من رحمة الإسلام وثمار التدين وتتحقق فعلا خيرية المسلمين.
لقد علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام معنى التدين في شموليته وحذرنا من الإفلاس الكبير. فقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم:
*أتدرون ما المفلس؟
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.*
هذا هو المفلس الحقيقي إلا من تاب إلى الله و عمل صالحا ورد الحقوق إلى أهلها.
اللهم احفظنا من الإفلاس واهدنا الصراط المستقيم.
الأربعاء 2 أبريل 2025