سعيد الشرايبي:سلطان العود

سعيد الشرايبي:سلطان العود

للعود سيده المغربي.. ذو الأنامل الذهبية

بقلم ذ : عبد المجيد شكير

وقال العود: أنا لك على طول الزمن، أنا لك وحدك، أنا معك مهما تتقلب الأحوال، فلا أحد استطاع أن يغوص في أغواري ويعرف أسراري سواك، أنا عبدك فمرني، أنت سلطاني.

رد الفنان: يا ساكنا قلبي ! لك مني كل الامتنان على تواضعك معي، سأعلي شأنك في كل البلاد حتى يتردد اسمك عند العباد، سأطير بك إلى دنيا المجد، وسأريك عوالم خفية ما كنت تحلم بها من قبل.

هي بعراقتها، بسحر أوتارها، بتفردها، برحابة طاقتها التعبيرية، بسعة آفاقها، وهو بعشقه للأنغام، بموهبته الفذة، بسفره في التراث الموسيقي، ببحثه الدؤوب، باجتهاداته وإبداعاته، بخواطر العباقرة، بشطحات خياله، هي حكاية طويلة من العشق ربطت بين الفنان سعيد الشرايبي وآلة العود، كأنهما قيس وليلى.

اتخذ الشرايبي من آلة العود رفيقته في درب الحياة، لقد تربت بين أحضانه منذ زمن الطفولة، إذ كان بيتهم قبلة للفنانين بحكم أن أباه كان متعهد حفلات، وأما أخواله فكانوا يعقدون جلسات الشعر والنغم، ويهوون ليالي السمر والطرب، وكانت )الغيتار( أول آلة تشده، ثم عشق بعدها آلة العود، فأخذ يداعبها كل ساعة وحين، يستأنس بها في وحشة فراغه، ويسامرها في ليل وحدته، ويرفه بها في رقدة مرضه، ومنها أبحر في عالم الموسيقى مضحيا بدراسته الجامعية، لاح للعارفين اقتدار سعيد الشرايبي في العزف على العود، فطعم موهبته بالتعلم حتى غدت مطواعة بين أنامله، لا تعصى له أمرا ، ولا ترفض له خاطرا، ولا ترد عليه فكرة، فدخل الشرايبي بذلك في فئة العازفين المهرة المبرزين(رياض السنباطي ـ فريد الأطرش ـ منير بشير …) دعته المحافل والمنتديات، وسعت إليه المهرجانات، كان عزفه فريدا يبهر سميعة الحاضرين وينتزع تقدير لجان التحكيم، فكان أن انحنت له الأوسمة وخفضت له الجوائز جناح الذل (جائزة مهرجان العود ببغداد سنة 1986 ـ جائزة الاستحقاق بدار الأوبرا بمصر سنة 1994 ـ جائزة زرياب للجنة الدولية للموسيقى اليونيسكو سنة 2002 ـ الميدالية الذهبية للأكاديمية الفرنسية سنة 2004 ـ الميدالية الذهبية من سلطنة عمان (فن وعلم وآداب سنة 2005 – جائزة الفارابي للموسيقى العريقة سنة 2007 ـ جائزة أحسن سماعي من دمشق سنة 2007) وتقاطرت عليه الشواهد والشهادات تثني على أنامله الذهبية. وتهافتت عليه الألقاب والأوصاف من ملك العود إلى سلطان العود إلى زرياب المغرب إلى الريشة الذهبية، وناداه الشعراء ليصاحبهم بعزفه على قراءاتهم ( محمد بنيس ـ حسن نجمي وآخرون) ومن عشقه العود وضع لديه اكثر من ثلاثين عودا، بل كان أحيانا يصمم العود حسب رؤيته حتى يستجيب لأفكاره ولآفاق بحثه.

دخل الشرايبي بقوة إلى التأليف الموسيقي فكشف عن إبداعه المتقدم جدا، أصدر عدة ألبومات (مفتاح غرناطة 1 ـ مفتاح غرناطة 2 ـ حلم بفاس ـ مولد ـ سليمان ـ عود ـ إفران ـ الثلاث الرباعيات ـ الريشة الذهبية ـ الفروسية ـ من آشور إلى أحواش) له العديد من السماعيات والمعزوفات الموسيقية والتقاسيم نذكر منها 🙁 سماعي راست ـ سماعي الطائر ـ سماعي نكريز ـ سماعي الواد ـ ليلة صيف ـ الصحراء بلادي ـ رقصة الفرسان ـ لقاء ـ العاشق ـ خواطر أندلسية….) والملاحظ أنه كان يهدي أحيانا معزوفاته لشخصيات فنية يكن لها كل التقدير مثل : مايسترو الأطلس، جبلي أو تحية الى فريد الأطرش، القاهرة 30 والتي قدمها لزكرياء أحمد، كما خص أسرته بالمقطوعات الآتية: أم شامة ـ شامة ـ توشية حمزة ـ فضيلة ـ لونغة هاجر….. وحظي صديقه أحمد غازي بمعزوفة تحت عنوان: (غازي القلوب). كما وضع الموسيقى التصويرية لعدة أفلام (عود الورد ـ النورس ـ ياقوت) و هذا الأخير فاز عنه بجائزة.

كان للشرايبي نشاط إبداعي آخر ألا وهو التلحين، اكتشفت فيه هذا الوجه في نهاية السبعينات حين كانت أذني تستيقظ على لحن جميل غناه له عبد الهادي بلخياط تقول بدايته: (تحية وألف تحية ليك/ يا أطلس صامد ياغالي) يامرايا امجادي باينة فيك/ وبها صبحت انت عالي……..)، وقد تكرر اللقاء بين القمتين في قطع أخرى (بوح ياقلبي- ياكنز بلادي – صولي يا بلادي……..) عانقت ألحانه العديد من الأصوات المقتدرة مثل نعيمة سميح في أغنية (راح) وسميرة سعيد في (آش المعمول) وماجدة عبد الوهاب في (مشاعر حنين) وكريمة الصقلي في (ظلال ـ العشاق) وأسماء المنور في (صلوا) كما غنى له كل من محمود الإدريسي ـ البشير عبده ـ لطيفة رأفت ـ آمال عبد القادر ـ ليلى غفران ـ سمية قيصر ـ رشيدة طلال وغيرهم وحلقت أنغامه بكلمات كبار الشعراء والزجالين(عبد الرفيع الجواهري ـ محمد الطنجاوي ـ أحمد الطيب العلج ـ علي الحداني ـ حسن المفتي ـ مصطفى بغداد …. ) استطاع سعيد الشرايبي أن يثبت ذاته وسط عمالقة الموسيقى المغربية فتفرد بأسلوبه الخاص في التلحين، كانت له بصمته الخاصة، علاوة على مهارته الكبيرة في استثمار مناطق الجمال والقوة في الأصوات التي تعامل معها، لذا لم يكن غريبا أن يفوز لحنه لفدوى المالكي (ترنيمة عاشق) في المهرجان الأول للأغنية العربية بمدينة البيضاء ولحنه عن القدس لحياة الإدريسي في سنة 1999، كما كانت فاس بمهرجاناتها المتعددة (الموسيقى العريقة ـ الموسيقى الروحية ـ الثقافة الصوفية) شاهدة على عظمة إبداعاته وعلى ميلاد العديد من ألحانه ذات النفس الروحي والصوفي.

أدرك الشرايبي أهمية الثقافة بالنسبة للفنان الموهوب، فراح ينهل من القراءة، ناذرا وقته للبحث والتنقيب، عاش غواصا في الثرات الموسيقي المغربي والعربي والأندلسي والفارسي والتركي، فألم بالقواعد وخبر المقامات والإيقاعات، واستوعب الخصوصيات، وانتبه لنقط التقارب والتباعد، فعمل على توظيف عصارة فكره في أعماله الإبداعية، محاولا مد الجسور بين ألوان شتى، ومن خضم ثقافته الموسيقية، كان يستلهم أفكارا موسيقية جديدة يحاول تطبيقها وترجمتها عمليا، إنه هنا يذكرني بالملحن المقتدر بليغ حمدي الذي أضاف في ألحانه بصماته التجديدية التي تتجاوز القواعد المألوفة.

صحيح أن كل إبداعات الشرايبي الموسيقية من سماعيات ومعزوفات وألحان تعكس موهبته الفطرية الفذة، ولكنها أيضا تعكس ثقافته الموسيقية الموسوعية، وخياله الواسع، وشغفه بالتجديد. (يذكرني سعيد الشرايبي في جمعه ما بين العزف والتأليف والتلحين والبحث بعازف القانون صالح الشرقي) تصنع حضارات الأمم بفضل إنجازات عظمائها وعطاءات مبدعيها، ويقينا فعطاء الفنان سعيد الشرايبي بقيمته الفنية والفكرية يصب في بناء صرح المغرب الحضاري، إنه عطاء عزيز محترم وجاد بعيد عن المتاجرة (يفوق500 عمل) ومتنوع (سماعيات ومعزوفات والحان……) وثري المضامين بما فيه من إبداع وفكر وتجديد وإذا أضفنا إلى كل هذا تلاميذه الذين تعلموا منه وتلقوا تربيتهم الفنية على يديه، و تشبثه بمغربية واعتزازه بها رافضا مختلف الإغراءات التي قدمت له لتغيير جنسيته وسعيه لمد جسور التقارب بين مختلف الثقافات عن طريق الموسيقى أدركنا أن هذا الفنان يشكل مدرسة مغربية أصيلة ينبغي أن نفخر بها بل هو ثروة وطنية تردد صداها عربيا ودوليا، فكان طبيعيا أن يتم توشيحه من قبل جلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2015، ومن ثم فأوجب الواجبات هو المحافظة على إرته الفني باعتباره جزءا من تاريخنا ووجها مشرقا من إبداعنا الفني، حتى تتناقله الأجيال فيكون لها مشعلا يحفزها على الاقتداء به في الغوص في موسيقانا من أجل تطويرها، وهنا نحن لا نملك إلا أن نصفق لمؤسسة سعيد الشرايبي للتراث المغربي والأندلسي تحت قيادة محمد بديع البوسوني، والتي تكلفت بهذه المهمة، فعلا هي مبادرة تستحق كل التنويه، ونتمنى أن يظهر مثلها بالنسبة للأسماء المغربية التي أعطت لبلدنا الشيء الكثير في شتى المجالات.

عندما أتأمل إبداعات سعيد الشرايبي أتذكر بيتا شعريا للمتنبي يقول فيه: أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر الخلق جراها ويختصم 

فعلا سيظل عطاؤه مادة خصبة للدارسين والباحثين في قادم الأزمنة.

لحن سعيد الشرايبي لنعيمة سميح عدة قطع من بينها (راح):

راح راح راح

بقى منو دقايق ثواني

و ذكريات أيام جميلة

يكفيني نتصور

الزمان يتغير

أنا ما نتصور

إيديا إلا بيديه

جوابي إخلاصي

إلى سولوني عليه

و هذا نصيبي و رزقي على الله

..

و خا بعيد عشيري بعيد

يدور الزمان و يرجع العيد

و شحال و نا بعذابي راضية

آش بغاو الناس

ما دمت أنايا صابرة

..

واه واه على الغربة

واه واه على الفراق

الله الله على الفرحة فملقى العشاق

الله الله لما ترجع

و تشوف ناس و تسمع

هذي حكايتي

حكاية صبري الجميل

رجع لي حبيبي و هذا الدليل

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية مديرة وإعلامية موقع صحيفة ألوان، باعتباره منبرا إعلاميا شاملا يهتم بمغاربة العالم في الميادين الابداعية والثقافية، الاجتماعية والاقتصادية و التواصل والإعلام. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: يرجى إرسال المقالات في حدود ألف ومائتين كلمة كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل و المراسلات:jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *