قراءة نقدية في قصة “لحوم في المزاد العلني” للقاص محمد إدراغة
“لحوم في المزاد العلني ” بين الحقيقة والمتخيل..
بقلم الناقد والشاعر أحمد الرجواني
مقاربة نقدية :

I – زمـــن النــص
في البداية لا بد ن أضع النص في سياقه الزمكاني، لما لذلك من أهمية قصوى في تحديد بنيته الفكرية، وحمولته الإيديولوجية، وتمريراته المرتبطة بالمواقف المبنية على مبادئ راسخة لدى الكاتب، ولأن كل النصوص التي يبدعها القاص والناقد محمد إدارغة، تنبثق من موقف، قد يعلن عنه مباشرة، وقد نستشفه من القراءة المتأنية، وكما هو موثق في الجريدة، فإن “لحوم في المزاد العلني” كتب في مكناس يوم 5 يونيو 1997 وتم نشره يوم الأحد/ الاثنين 9/10 غشت 1998، علما أن الكاتب يضع التاريخ بدقة، كما يوضح كل ذلك بوضع الإشارات الضرورية، كإشارة إلى كون العنوان مقتبس من عنوان مسرحية، وقبل أن أدخل مغامرة مقاربة النص لا بد من أن ألاحظ:
1- عرفت سنوات الثمانينات والتسعينات موضة الملاحق الثقافية لجل الجرائد اليومية الموجودة آنذاك، وازدهرت باستقطاب ألمع الأقلام الأدبية والنقدية في غياب وسائل بديلة.
2– يمكن اعتبار هذه المرحلة بداية لتغيير في رؤى أدبية ونقدية وتنظيرية في المشهد الثقافي والإبداعي المغربي في مستوى النشر.
3– مرحلة التسعينات التي ينتمي إليها النص عرفت من جل أو كل الكتاب المغاربة، توجيه نقد لاذع، وبكل الأشكال الإبداعية، لما عرف آنذاك بسياسة شعار ” گولو العام زين “، على عكس مرحلة السبعينات والثمانينات التي عرفت ثورة على مستوى ” المقالة السياسية”، خاصة من طرف من ينتمون إلى اليسار المغربي الذي أطلق عليه لقب: (الإصلاحي)
4– النص ينتمي إلى جنس القصة القصيرة.
2- الحمولة الفكرية للنص :
على غير عادة كتاب القصة القصيرة، يبدأ القاص محمد إدارغة نصه ب “قال الراوي”، وهي الشرفة التي سيدشن بها ومنها التعامل مع الأحداث التي تتسلسل في “لحوم في المزاد العلني”، وكأني بالكاتب قد وضع العنوان بعد أن كتب القصة، أو أنه وضعه ثم تناساه، ودخل دروب السرد ليلتقي به في الجزء الأخير، أو في نهاية القصة، فالقارئ يجد نفسه أمام نوع من الحكي المركب، يعتمد عددا من التقنيات التي تجعله لا يأبه بطول النص، بل يتشوق إلى معرفة الحدث أو الأحداث دون ملل، ليدرك أن الأمر يتعلق فعلا بموقف يتلخص في ” لحوم في المزاد العلني” وهي اللحوم التي تحيل في النص على جسد المرأة، وقد تحيل بقراءة ما وراء السطور وعبر استعمال الانزياح إلى لحوم الحيوانات القابلة للأكل، لما كانت تشهده الحفلات المنظمة في ليالي النص من بذخ في الأكل والشرب، وهو موقف لا يأتي عبثا بل يتركب من عدد من الأحداث الجزئية.
هنا يمكن أن نجد أنفسنا أما “الحكاية” بمفهومها البارتي، و قد تشمل تقنيات تمتح من القصة ومن السينما ومن الوصف الصحفي للحدث… الخ. كيف ذلك؟
” قال الراوي”، والراوي هنا ما هو إلا المحاور الرئيسي للسارد، والشخصية التي فتحت باب الحكي والحوار، “وهو” عضو غير ذائع “الصيت” في منظمة الدهماء والغوغاء وهذه ال “قال الراوي “، هي العين التي يرى بها السارد كل الأحداث، إذ ستؤطر الحوار منذ البداية، فيصبح الراوي هو الشخصية الرئيسية، التي تنير الأماكن المعتمة، بل هي محور التأطير الإيديولوجي ليتيمات النص، ومضامينه الفكرية والمواقف المبدئية، التي يريد الكاتب أن يمررها، فإذا عدنا إلى زمن كتابة النص (1997)، سنتذكر النقد اللاذع الذي كان ينشر على صفحات الجرائد ويطرح في المنتخبات الفكرية والجمعوية، سيما تلك التي كان يؤطرها “اليسار المغربي”، حيث توجه الانتقادات إلى القائمين على الشأن العام، لإنشائهم جمعيات الوديان والأنهار، (منظمات الدهماء والغوغاء في النص)، أو ما كان يعرف بالجمعيات الكبرى، ومنها “جمعية الإسماعيلية الكبرى”، “جمعية أبي رقراق”، “جمعية الحوز”، “جمعية سبو”…. وغيرها، ومنذ البداية يضع الكاتب مسافة أخلاقية بينه وبين هذا التوجه الذي كان يوهم الناس ب”العام الزين”، (سياسة گولو العام زين)، وهي ذات المسافات التي تؤطر النصوص الإبداعية للقاص محمد إدارغة، ونص “لحوم في المزاد العلني” إضاءة واضحة أنوارها، لإثبات مبدإ، وإعلان الرفض والتمرد، علما أن ذلك سيطال فقرة كاملة، تتخللها مجموعة من الألفاظ ذات الحمولة السياسية والإيديولوجية الواضحة، وتتسم بطابع الإعلان بصوت عال، ولننتقي معا من هاته الفقرة (الأولى طبعا) ما يلي:
منظمة، الدهماء، الغوغاء، خطيرة هذه الهيئة، الانتماء، ترخيص رسمي، الأنشطة المكتفة علانية الإجراء، الإلغاء والإقصاء، الإجماع، المنخرطين، الاحتيال على القوانين، تطبيق وتحقيق الأهداف المنصوص عليها، بنود القانون الداخلي والأساسي، حوار شفوي غير منشور، مثقفين مغمورين، أرقام التأجير القارة، المعلومات والكفايات، غزوات التجهيل، اللجنة التحضيرية، تأسيس هيكل جمعوي، بند غير مسطر في القانون، وسائل الاتصال والتواصل، الحجاج والجدال، ندوات ليلية، المتربصين والرقباء، رصيد الجمعية:
إنه القاموس اللغوي الذي يمتح من التقارير الصحافية والإدارية، والمقرون أحيانا بالمناهج الدراسية، حين يتحدث عن “الكفايات”، حتى يخال للقارئ في البداية، أنه أمام ما يمكن تسميته ب ” القصة المقالة”، أو “القصة المواقف”، وفي نظري هذا أصعب الأساليب في الكتابات السردية، خاصة القصة القصيرة. كما يمتح من قواميس سياسية وقانونية وجمعوية، ومن هنا فإن الفقرة الأولى يمكن اعتبارها توطئة لما سيأتي من أحداث، تتخذ لنفسها أسلوب التعليق أحيانا والحوار أحايين كثيرة .
وعبر عملية إحصائية فإن النص يضم تسع وعشرين حوارا، أغلبه بين السارد والراوي، وإذا ما أردنا التدقيق فان الحوارات الهامشية لا تشكل سوى حوارين إثنين، وهما جانبيين شارك فيهما السارد، وكانا للرفيق والجار.
هذا القالب الحواري لا يخرج عن إعلان الموقف من مظاهر السياسة والمجتمع وسير الحال في المغرب، جملة من المواقف إذن يمكن إجمالها في :
1– الموقف كما ذكرنا من المنظمات التي تشكل بوقا لسياسة “كولو العام زين”.
2– الموقف من تحويل التراث إلى أداة للعب بمصير البلاد والعباد، عبر تحويله إلى فلكلور.
3– الموقف من دور الشيوخ والمقدمين، والذين يحصون كل حركة في المجتمع، لتبليغها إلى “المخزن” المتربص بالعباد، استجابة لتفعيل الهاجس الأمني الذي جعل أصحاب الحال يحكمون المغرب بقبضة من حديد، خاصة إبان ما يعرف بسنوات الرصاص، والتي بالمناسبة أقترح تغيير إسم هذه الفترة ب “زمن الرماد”.
وهذا الموقف يسرده الكاتب عبر حوار جميل، يمتح من أسلوب الاستنطاق، مؤكدا بأن “الشيوخ” أنواع ومراتب، منهم شيوخ القبيلة، وشيوخ المخزن، وشيوخ قاعات الدروس والمسيد، وشيوخ البيترودولار، وشيوخ مجالس الشيوخ والبرلمانات في الدول العظمى، إلى أن يصل إلى شيوخ وشيخات الإيقاع ولحوم المزاد العلني، وكيف أن الجمعية أقامت ندوة حول هذا الموضوع في ربط ظالم بين الموضوع وبين التراث.
4– الموقف من تسخير آليات الدولة وكبار البلاد وأسيادها والمنظمات ( الدهماء والغوغاء) في إلهاء كل من له الاستطاعة المادية والبدنية للمشاركة في المزاد العلني للحم البشري النيء الحي، وهو ما اعتبره الكاتب/ السارد إذلالا للتراث الإنساني للمجتمع القروي بالمغرب.
وإذا كان الأمر إلى حدود الهنا يتعلق بالحوار، فإن “التعليق” الذي كان يربط بين أجزاء الحوارات لم يكن ثانويا، بل جاء ليؤكد نفس المواقف، وكان يأخذ أحيانا شكل لفظ واحد (قاطعته، قلت، قال الراوي …..إلخ) ولتبيين هذا وذلك يأتي دور التقارير، ومثال ذلك، يقول النص: “قال الراوي : – باختصار، قد تمحورت الندوة حول الشيوخ والشيخات …”، ليعود الأمر إلى السجال، والأمر لا يقتصر على التعليق وأدوات الربط بل نجد في كثير من الأحيان نقط الحذف التي تخفي أشياء كثيرة، تجعل من القارئ مشاركا في عملية السرد، إذ مطلوب منه أن يكمل الفكرة أو الأفكار وأحيانا المعلومات والتقارير.
هل كل هذه التقنيات مجرد جسر لتمرير المواقف وإثبات المبادئ وإعطاء المعلومات وإيصال الحكاية؟
للإجابة على هذا التساؤل، أدعوكم لتنطلقوا معي، في عملية رصد باقي تقنيات السرد عند السي محمد إدارغة في كل نصوصه، وخاصة في هذا النص القصصي، المجنس سلفا، وإن كنت ألح على أن الأمر لا يتعلق بقصة قصيرة فقط، بل لا بد للبحث عن إضافة مفاهيمية لهذا الجنس الجديد من الكتابة القصصية، أو على الأقل البحث عن توصيف لفظي لها، خاصة إذا أدركنا أن مسألة “الفلاش باك”، التي يعتمدها الكاتب هنا، تشكل جزءا كبيرا من العملية السردية، فإذا كانت الفقرة الأولى وصفية وترصدية، فإن الجزء الثاني أخذ له نفسا حواريا، بينما الجزء الثالث، وهو الأكبر في النص، استعمل تقنية الفلاش باك السينمائية، وتحكي عن المغامرات الطفولية في عالم اكتشاف المكبوتات الجسدية، ويمكن اعتبار هذا الجزء، البداية الفعلية للسرد، المرتبطة بالسيرة الذاتية وبالذاكرة، حيث يبدأه الكاتب ب “كنت قد بلغت عتبة الاحتلام عندما تهامس الذكور في بلدي…”، فيبدأ الحلم وتعود طبيعة الكاتب / الإنسان الرومانسية، لينفتح على الطبيعة الخلابة، في ربط بين الأمس واليوم، لا يدري هو نفسه، كيف تبادر ذلك إلى ذهنه، كما يعلن صراحة، ليسير في حركية مرتعشة إلى تتبع ما يجري في السهرات المخصصة أصلا للكبار، حتى يصل إلى سوق المزاد العلني للحوم البشرية النيئة الحية، إلى أن يعلن صراحة موقفه عبر الراوي:
– ” إنه الاشتراك في نفسه الصيغة والموضوع: “لحوم في المزاد العلني”. حقا، قد يختلف الفضاء وتختلف الشخوص، قد يكون فندقا من خمس نجوم أو (فيلا) على الشاطئ، وقد يشترك فيه شيوخ الجهل والثراء وتتبدل الملابس والأزياء، غير أن المال، يبقى سيد الميدان، يبيع ويشتري ويراكم ثرواته من حرفة للنخاسة، مهما كان زمنها ومكانها وأشكالها، وهو الموقف الذي يمهد لموقف آخر أكثر صرامة، في آخر فقرة من النص القصصي، يمتزج فيه الأسف على انتشار مظاهر تراثية، بضرورة الامتثال لمنظمات الصحة العالمية، التي تحذر من انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة عبر هذه الممارسات الجماعية الغير مقننة، ومن خلال ما سبق يمكن أن نقف على عدد من الملاحظات:
1- النص اعتمد على تقنيات تنتمي للحوار المسرحي.
2- اعتمد الكاتب على تقنية «الحكاية” قال الراوي
3- اعتمد على تقنيات التقارير الصحافية
4- اعتمد على تقنية الفلاش باك السينمائية
5- اعتمد تقنية الفراغات والروابط اللفظية
6- اعتمد أسلوب الاستنطاق والتغابي
7- اعتمد الاستهزاء أحيانا، وإعلان المواقف واتخاذ المسافات الأخلاقية مما يحدث.
8- متح من الواقع رابطا إياه بالتراث والمظاهر السلبية الموجودة في المجتمع والواقع.
9- حافظ على تقنيات القصة القصيرة، ومنها الحفاظ على الزمن والمكان المحدودين، وعبرهما انتقل ليغوص في كل تركيبات الحياة من تراث وعادات وتقاليد، ومن واقع معاش، ومن سياسة واقتصاد وصحة وعلاقات اجتماعية ومكبوتات جسدية ونفسية.
10- أسلوب الحكي في هذا النص جاء ليركب بين كل تلك التقنيات، عبر لغة لا تحتاج إلى معجم لفهمها، بل لغة متداولة أدبيا. لكونها ليست بسيطة، على اعتبار أن طريقة تركيبها تتطلب وقفة تأملية، ستجعلنا نقف على القدرة الفائقة لدى الكاتب في توظيفها بأسلوب أنيق ومشوق.
فكيف جاءت لغة النص؟
3 – المعجم والبينة اللغوية في القصة :
في هذا الجزء من هذه المقاربة المتواضعة، أقر أن النص ليس سهلا، من حيث بنيته اللغوية، فبقدر ما اعتمد صاحبه على معجم في متناول الجميع، لأن المضمون تطلب ذلك، والمرحلة فرضت ذلك، فإن التركيبة لبعض المفردات، جاءت لتؤكد الأهداف التي كانت وراء اختيار الموضوع والمواضيع المتضمنة فيه، وإذا عدنا إلى تعريف بول ريكور للنص حيث يقول ” لنسم النص كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة”، فإننا سنلاحظ أن النص، جاء متسلسلا، وكأنك أمام راو هو الكاتب، يعني يمكن أن تقرأ النص ويمكنك أن تسمعه لا فرق، فالمتعة حاضرة، ولذة القراءة كلذة الاستماع، على عكس بعض النصوص، وكأني بالكاتب، عندما بدأ يكتب النص، لم يرفع رأسه إلى أن وضع نقطة النهاية، أي أنه كان يكتب ما كان يفكر فيه مباشرة، أو بصيغة أخرى، كان يسرد على نفسه ما كان يكتب، لذلك جاء النص بعيدا عن الملل، شيقا ومتسلسلة أجزاؤه، إلا أننا إذا عدنا إلى بول ريكور، فإننا سنلاحظ الفرق بين القول، أي الحكي كلاما، وبين الكتابة، أي الحكي كتابة، ” فالكتابة تستدعي فعل القراءة”، لكن مسألة التأويل وإعطاء الدلالة للنص، هي الميزان الحقيقي لقيمة النص المقروء، من هنا يتفرد نص” لحوم في المزاد العلني” لكونه من ناحية، يبدو وكأنه قال كل شيء، لكن من ناحية ثانية نجده أكثر كثافة، لأن كل جملة فيه تحمل معها لحظات حرجة، وزمنا ووقائع خطيرة عاشها المغرب والمجتمع المغربي، وربط النص بزمنه، يجعل التكثيف حاضرا في الأحداث وليس الصورة. إنه نص واصف للحدث، وليس للحالة النفسية، إلا في جزئيات معدودة، (كما هو الحال بالنسبة لحالة الراوي أمام المشاهد الجنسية التي مرت عبر طريقة الفلاش الباك)، مما يتطلب معه، ليس تفسيرا أو فهما لمضامينه وحكايته، بل تأويلا واستخراجا لدلالات مرتبطة بالوقائع، وحياة هاته الوقائع هنا والآن، ولعل البنية التي حاولنا تفكيكها في أجزائها الكبرى، هي ما تملي علينا إحياء النص كلما قرأناه على حد تعبير السينمائيين، فالنص يفقد قيمته حين يموت، وهذا النص لا يمكن أن يموت، فنحن لسنا إزاء محيط مغلق للحكاية، بل نحن أمام محيط منفتح على بيئته، وعلى تاريخ وصيرورة المجتمع المغربي، فهو يستدعي معرفة القارئ بالتاريخ والتراث، أي الوصول إلى مستوى معرفة الكاتب، لتجاوز محدودية قصدية هذا الأخير، بوصف هذه القصدية “هي فعل الوعي الذي دوما وعي بشيء حدث” على حد تعبير هايديجر: فالمؤلف لا بد له من لغة ومنطلق أو واقعة وقصدية ثم وعي يشتغل .
واعتمد القاص محمد إدارغة أسلوب التركيب، كما بينا، بين عدد من الأساليب السردية، من خلال التأكيد على مجموعة من الحالات اللغوية التي يمكن أن نلاحظ بشأنها ما يلي:
1– اعتمد قاموس يجمع بين ما هو ديني وما هو قانوني وما هو سياسي وما هو اجتماعي وما هو نفسي وما هو تاريخي …إلخ، لكن الملاحظ بشكل قوي، هو الاعتماد على ثنائية الألفاظ، ثنائية بكل تجلياتها النحوية والبلاغية، إما للتأكيد باعتماد مترادفين وأكثر، أو لإظهار حالة التفسير والتطاحن وعدم الانسجام والتضاد، بالاعتماد على المتضادات من المفردات، ولنلاحظ معا ما يلي : الدهماء – والغوغاء، علانية وعلى رؤوس الملأ، الإلغاء والإقصاء، حوار شفوي غير منشور، المعلومات والكفايات، الانشغال والاشتغال، الاتصال والتواصل، الحجاج والجدال، إثراء لتراث المنطقة وتنويرا ونبشا وحفرا، غمرات السهو والنسيان، المتربصين والرقباء، الأخذ والرد، طلقت الأحلام طلاقا بائنا، يمكنك إرجاعها، إحياؤها وتحيينها، تبددت وهلكت، الغرس والإنغراس، اشمئزازا وتقززا، النقل والانتقال، البوح والهمس، التوقير والوقار، ماله وما عليه، تستثير وتهيج، تطنب وتلغز، أنواع ومراتب، الالتباس وسوء التأويل، الأموات والإحياء، الدواخل والمداخلات، سياسي وديني، شيوخ وشيخات، المبتغي والمقصد، الذكريات والذاكرة، اليوم والأمس، تهامسوا وتناقلوا، إعداد واستعداد، ينقاد ويقاد، تنهرنا وتثنينا، الكبار والصغار، الصبر والجلد، حرمة وحريمه، الدوار والدواوير، مخدرا ومنبها، البدنية والمادية، المكبوت والمقموع، الأجساد والنفوس، تراقصن وتمايلن، تلاشي وتمزق، الحسن والجمال، الافتضاض والإفراغ، الدخول والخروج.
إن الأمر يتعلق إذن بمجموعة من المفردات التي تؤثث النسق اللغوي الذي اشتغل عليه وبه الكاتب في هذا النص، نسق اعتمد الجناس والطباق والتضاد وباقي الثنائيات المتلازمة أحيانا، لغة ومعنى، والمتباينة المتنافرة توظيفا ومعنى، مما يعطينا إحساسا بأننا نقرأ نوعا جديدا حداثيا وحديثا من المقامات، لأن هذا التواجد الكثيف للاشتقاق اللفظي والمعنوي، والتضاد والترادف والجناس وغيره، يجعلنا نحس بنوع من الموسيقى المتموجة المتماوجة في القراءة، مما يعطي النص حيوية تنضاف إلى حيويته في مستوى المضمون .
علاوة على كل ذلك فالكاتب استعمل لغة واصفة دقيقة لمناطق حساسة من جسد الشيخة، بل وأطلق وصفا وافرا للعلاقات الجنسية المصلحية (المال مقابل جنس)، غير المتكافئة، والتي كانت السمة الرئيسية لسوق “لحوم في المزاد العلني”، وعودة إلى زمن النص، فان هذا الأخير، جاء في ومن الحراك الذي اتسمت به الانتاجات العديدة التي تفرقت بين الأجناس الأدبية المعروفة، والحراك السياسي والاجتماعي الذي جاء ثمرة لاشتغال اليسار المغربي، مما سيولد حكومة التناوب التوافقي، لكنه كذلك ( النص) نموذج لانطلاق الإبداع بحمولة نقدية سياسية صريحة، إذ لم يعد الأديب المغربي محرجا ولا مضطرا إلى الاستنجاد ب “التقية” والترميز، بل كسر القيود التى فرضتها سنوات الرصاص أو كما أسميها شخصيا ب “سنوات الرماد”، وأخذ في التعبير بصراحة عن أحوال المجتمع وصراعاته مع السلطة ومظاهرها المخزنية أو المؤسساتية، سميها ما شئت، من وزراء وشيوخ ومقدمين وقواد وباشوات وعمال وولاة وأجهزة البوليسية واستخباراتية … إلخ، في سابق العهد، أصبح الإبداع اليوم يأخذ له منهجا تهكميا نقذيا، وبدأ الحراك الثقافي بشكل أكثر وضوح في المواقف وفعالية. ومن ضمن من أرسوا قواعد اللعبة الجديدة، القاص والناقد محمد إدارغة، الذي بدون توابل وخضروات ولحوم وأسماك قصته، تبقى القصة القصيرة في المغرب ناقصة مشاهدها، علاوة على كونه تقريبا الحداثي الوحيد الذي لازال يحتفظ بالقصة الحدث والواقع، أي القصة التي تصور وتتموقف في نفس الآن.
4- هامش أخير :
القارئ للعنوان سيلاحظ أن الأمر يتعلق بلفظ يمكن أن يأخذ حدا من الأبعاد الفيزيقية، فاللحم واللحوم عادة تكون نيئة ومستأصلة من ذبيحة حيوانية، من ثمة، فتحرير العنوان من حمولته النصية قد يخدم القصة، وسيذهب بنا إلى أشياء أخرى، ولا يمكن أن يأخذ النص وضعه الصحيح، إلا بعد أن يكشف لنا الكاتب، قصة هاته اللحوم، خاصة إذا كانت في المزاد العلني، أي ما يعرف ب “الدلالة”، والدلالة ظاهرة شملت الأثاث والبنات، كما شملت سوق النخاسة والحيوانات، لكنها ارتبطت أيضا ببيع متلاشيات المؤسسات، أو بيع أملاك لتأدية ديون محكوم على صاحبها بالسجن مع الأداء.
انطلاقا من هذه البنى ومن متن القصة الظاهر والباطن نخرج بفكرة تنم عن فهم وتفهم كبيرين لدى الكاتب بالواقع المعاش في الوسط أو الأوساط الآسنة رغم بساطة محيطها الاجتماعي، خاصة عندما تقترب الانتخابات الجماعية، حيث تنتشر مختلف صور الفهم المغلوط للمسار الديموقراطي الذي لا يمكنه أن يقف قويا إلا بمحاربة مظاهر الفساد واقتلاع عروقها، ولن يتأتى ذلك إلا بمحاربة أية عملية تروم تشويه الموروث الثقافي والتاريخي للمجتمع، بعيدا عن إعمال سلطتي المال والنار وبعيدا أيضا عن سلطة الإغراء والإفساد الأخلاقي، وبناء قيم حضارية رفيعة قادرة على فهم الواقع الاجتماعي للبسطاء، وقادرة أيضا على المحافظة على الهوية المجتمعية لكل أطراف المجتمع، دون تبخيس الفهم البديل للسلطة، لعل الأمل الذي يبدو ضعيفا وراء هذه القصة يأتينا سردا شاملا لمرحلة من تاريخ المغرب.، ومن كل ذلك يبدو أننا أمام ناقد، قاص ومفكر حداثي تحديثي ينطلق من واقعه ليعيش حلم التألق.
إننا فعلا أمام قامة أدبية كبيرة، نحثث اسمها في قلوبنا، وما رأيناه من بعث لأخلاق حميدة ودعوة إليها في هاته القصة القصيرة، ومحاربة لمظاهر التخلف والتجنيس و”التنخيس”، ينضاف إلى البورتريه الذي كان مدخلا لمقاربتي المتواضعة.
إننا فعلا أمام قامة أدبية كبيرة، نحثث اسمها في قلوبنا، وما رأيناه من بعث لأخلاق حميدة ودعوة إليها في هاته القصة القصيرة، ومحاربة لمظاهر التخلف والتجنيس و”التنخيس”.
