“الهاربون من تندوف”: سينما تنقب في الصمت
العودة إلى الذات بعد محو طويل…
حين يصبح الهروب لغة لاستعادة الإنسان:
في زمن تمتلئ فيه الشاشات بالضجيج، يختار فيلم” الهاربون من تندوف” أن يقترب من الحقيقة بطريقة مغايرة: لا يشرحها بخطابة، ولا يزينها بمؤثرات، بل يضعها أمامك كما هي، ثقيلة، عارية، ومحرجة لضمير العالم. إنه عمل يشتغل على الحافة الفاصلة بين الدراما والشهادة، بين الحكاية والوثيقة، وبين ما نراه وما لا نجرؤ على النظر إليه طويلا. ومنذ لحظاته الأولى، يلمح الفيلم إلى فكرته الأكثر قسوة: هناك أماكن لا ينجو فيها الإنسان إلا إذا تذكر أنه يستحق النجاة.
يروي الفيلم قصة سبعة سجناء، خمسة رجال وامرأتان، يقررون بعد عقود من الاحتجاز في مخيمات تندوف أن يخوضوا مغامرة الهروب بأقل ما يمكن حمله: ماء قليل، تمر، مصحف، وراديو قديم. لا تبدو هذه الأشياء مؤنا فقط، بل تتحول إلى رموز مكثفة لمعنى البقاء: الماء حد الحياة، التمر صبر الجسد، المصحف رباط المعنى، والراديو خيط مهتز مع عالم نسيهم طويلا. ينطلقون عبر صحراء لا تمنح الأمان، فتتحول الرحلة إلى اختبار وجودي تقاس فيه الشجاعة بقدرة الإنسان على السير حين يتفتت اليقين. الجوع، العطش، الهلوسات، والتربص الدائم من دوريات مسلحة تجعل كل خطوة احتمالا أخيرا، وتجعل الليل أكثر كثافة من الظلام نفسه.
لكن الفيلم لا يكتفي بخط الهروب، بل يبني طبقة ثانية أكثر حميمية: كاتب يعثر على مخطوط غير مكتمل تركه والده الراحل، وكان هو الآخر سجينا في زمن سابق، فيندفع إلى الصحراء بحثا عن الأثر والمعنى. هكذا تتشابك الأزمنة دون افتعال. الماضي لا يعود كإستعراض بصري، بل كقوة تعمل داخل الحاضر: تفسير ارتجافة في الصوت، وتفسر صمتا طويلا، وتفسر لماذا قد يكون إنقاذ الذاكرة شكلا من أشكال النجاة. في هذا المسار، لا يبحث الإبن عن تفاصيل حكاية فحسب، بل يبحث عن تفسير لحياة كاملة تشكلت حول جرح لم يلتئم، وحول أسئلة تركت معلقة لأن الإجابة كانت خطيرة، أو لأن الألم كان أكبر من اللغة.
على مستوى الأسلوب، يتخذ المخرج عبد الحق نجيب موقفا جماليا واضحا: تقشف محسوب، واقعية ترفض الإستعراض، وصورة توازن بين القرب والإتساع. اللقطات القريبة تجعل التعب النفسي ملموسا على الوجوه، بينما اللقطات الواسعة تذيب الأجساد داخل بحر الرمل حتى يبدو الإنسان نقطة صغيرة أمام قسوة المكان. الصحراء ليست خلفية، إنها شخصية بلا ملامح، لكنها حاضرة كقانون: صامتة، لا تتعاطف، ولا تتفاوض. والحوار في الفيلم محدود، لكنه شديد الدلالة. كثيرا ما يتقدم المونولوج الداخلي ليصبح صوت الحكاية الحقيقي، وكأن الكلمات حين تعجز يتكلم الوعي وحده، ويصير الصمت اعترافا، وتصبح الأنفاس لغة.
أما الموسيقى التي وضعتها مونيا رزقي فتعمل كظل يمر ولا يصرخ: نبرة متقشفة تترك للصمت دوره الكامل، وكأن الصوت نفسه يفسح المجال للألم كي يتكلم بلا زينة. وفي هذا الإقتصاد السمعي والبصري تتجلى قوة الفيلم. إنه لا يدفعك إلى الشعور بالقوة، بل يضعك في مساحة تجبرك أن تكمل إحساسك بنفسك، وأن ترى الإنسان في أقصى درجات العري: جسدا يترنح، وروحا تحاول ألا تنكسر.
الفيلم يحمل كذلك بعدا عاما يتجاوز النوع السينمائي. بعد عروضه الأولى في الدار البيضاء والرباط، اتسع حضوره إلى فضاءات دولية، ما وضعه في موقع العمل الشاهد لا العمل العابر. كما أن اختيار تاريخ إطلاقه في 6 نوفمبر 2024 يضيف طبقة رمزية مرتبطة بذاكرة سياسية وثقافية كثيفة، وكأن الفيلم يعلن أن الذاكرة ليست حدثا في الماضي، بل سؤالا أخلاقيا في الحاضر: من يملك الحق في الحكاية، ومن يصمت، ومن يدفع ثمن الصمت؟
في النهاية، الهاربون من تندوف ليس فيلما عن الفرار فحسب، بل عن العودة إلى الذات بعد محو طويل، وعن الإنسان حين يختزل إلى رقم ثم يستعيد إسمه بصعوبة. إنه سينما تقاوم النسيان بلا شعارات، وتكتب بالصورة ما تعجز السياسة عن قوله، وتترك المشاهد أمام حقيقة واحدة: قد تسلب الحرية زمنا، لكن الرغبة فيها لا تصادر.
**************
معلومات عن العمل:
• العنوان العربي: الهاربون من تندوف
• العنوان الأصلي: Les évadés de Tindouf
• الإخراج والسيناريو: عبد الحق نجيب
• الإنتاج: Orion Productions — إيمان قنديلي — عبد الحق نجيب
الموسيقى والصوت
موسيقى الفيلم، التي ألفتها مونيا رزقي، تبدو كظل يهمس: بسيطة، شبه صامتة، تتقدم ببطء ثم تتراجع. الآلات التقليدية لا تفرض نفسها، بل تظهر كذكرى بعيدة وقد تختفي تمامًا. هنا يصبح الصمت نفسه صوتا، ويغدو السمع مساحة للأم… وللأمل أيضا.
الصورة (الكاميرا)
أسلوب واقعي يوازن بين القرب والاتساع: يقترب من الإنسان حتى يفضح هشاشته، ثم يبتعد ليضعه أمام قسوة المكان.
الممثلون:
• محمد الشوبي: سجين سابق بكرامة صامتة
• دريس روخ : حارس مخيم سادي، مرعب في عاديّته
• كمال حيمود: جندي سابق مكسور
• عالية بن الشيخ وإيمان قنديلي: شخصيتان نسائيتان بقوة هادئة لكنها نافذة
• محسن مونتاكي، ياسين عبد القادر، محمد سيموكا، كريم أوجيل: أدوار مساندة مؤثرة.
منير لكماني
13/02/26 ألمانيا
