الفنان عبد الهادي بلخياط…
الإرث الفني والإنساني
بقلم ذ/عبد المجيد شكير
رحيل الفنان عبد الهادي بلخياط نجم الأغنية المغربية يدعونا إلى التأمل في مشواره الفني الحياتي للإجابة على أسئلة تفرض نفسها فرضا :
أي إرث خلفه لنا وللأجيال القادمة ؟وماذا يتبقى منه ؟
1-فنان تسري أغانيه في دمائنا: -(الله الله يا داك الإنسان/على زين فيك).
جملة كم رددناها معك وسنظل نرددها بعدك، اليوم وقد فارقت دنيانا “فمن معيدنا إلى ليالينا الخوالي وسهرات وحفلات خلدت في خواطرنا؟“ كنت جزءا من حياتنا “كيفاشيمكن لقلوبنا تنساك/وانت وجودنا وكياننا”؟ لأنت بعض من دمنا فهل ينسى الإنسان دمه؟ وحتى ولو طفنا الأرض شرقا وغربا فمن يا ترى يمنحنا شدوك الأصيل الجميل؟ أغانيك بصمت عيشنا ، فمعك عشقنا البحر نقصده لننسى همومنا (ومشيت للبحر نشكي لو/بعدما لحباب خانو بيا) (من أغنية السنارة) ونستحضر أمام امواجه
حبنا الدفين (لي حبيب فيك يا شاطئ سله أين عهدي)(من اغنية الأمس القريب) وكم اشتعلت جوارحنا لهفة إلى ذكرياتنا الجميلة على صداك (ذكريات ساكنة في بالي/وخا فات عليها عام) (من أغنية فكر فيا) وذقنا عذاب الحب يوم أن شدوت (ياك كنا متافقين/الحب نهجرو صحابو/والحب نحرقو كتابو)
(من أغنية ماكنتش ظنك هكدا انت يا قلبي) غنيت لأفراحنا وآلامنا، لانكساراتنا وأحلامنا، لقد صدقت يوم غنيت : ما أعذب لحني وغنائي (أغنية واحة العمر) .
2-صوت يحمل بصمة المغرب: (بلاد المغرب أرضي) من أغنية بلادي
يا صوتك ياشادي المغرب ! معجون من تربة مغربنا ، نابت من جذور أرضنا، فيه إشراقة شمسنا ، وضياء قمرنا ، وسخونة صحرائنا، وشموخ قممنا الأطلسية، فيه صخب بحرنا ،وهمس ليالينا، صوتك ضفيرة ربانية من حلياتشتى ، فيه الجمال ، فيه القوة والرقة ، فيه الدفء والهمس ، وفيه إحساسك الطالع من حناياك، فكيف لا يسقط الجميع في هواك ،العامة والخاصة، الكبار والصغار، الرجال والنساء، هنا وهناك في العالم العربي ؟ !فأنت فعلا “كتدوخ لعباد” على أوتار حنجرتك تشمخ الألحان رفعة فيتجاذبك سلاطين النغم عندنا وعند المشارقة ، وكبريات المسارح تناديك (الأولمبيا بفرنسا سنة 1973 ودار الأوبرا بالقاهرة سنة 1996) وهذه شاشة الفن السابع تبحث عنك هائمة بحلاوة حبالك الصوتية (الصمت اتجاه ممنوع/الدنيا نغم/أين تخبؤون الشمس) وعجبا لصوت يهزم الحاضرين فتدفعهم
النشوة إلى التفاعل معك ، ملوحين، هاتفين ،مصفقين ومرددين في مشهد عجيب يسترعي العين والأذن معا، (فين الشباب ها هو / فين الجمال ها هو) من أغنية (قطار الحياة)، بينما غيرك يحرص على تحريكه بشتى الطرق ولكن بدون جدوى بل وأحيانا كانت الآلة تصمت فتؤدي أنت بصوتك أنغاما موكولة إليها في الأصل (حدث هذا في الأمس القريب/سهد/ماتاقشي بيا …) لا أحد اليوم يجادل في كونك (“حنجرة رائقة زقزقت في مسامعنا“).
سيقول البعض: بلخياط ليس إلا صوتا، ظلموك بهذا الاختزال متناسين أن نجاح الفنان وانتشاره واستمراره لا يتحقق إلا بالذكاء الفني، وإلا فكيف نفسر خروجك عن موضوع الحب التقليدي لتعانق قضايا اجتماعية (اعباد الله / يابنت الناس / صبري تعدى القياس…) ولتغني للقضايا القومية
(فلسطين / الجهاد المقدس / وامعتصاه…) ولتتناول قضايا إنسانية (بين العمارات / فينمشيت / بيسموها الحياة…) وكيف نفسر أيضا تعاونك مع ملحنين كانوا في بداية الطريق ورغم ذلك غنيت لهم مقتنعا بعلو موهبتهم والحديث هنا ينصب على (عبد القادر وهبي / احمد العلوي وعزيز حسني) وأشهد أنك لم تقدف مرة فنانا في حواراتك ، أو ترد على سهم رشقك
من هنا أو هناك أو تدافع عن نفسك أمام اتهام يدعيه الحاقدون والحاسدون، كنت تنأ ى بنفسك وبفنك عن الصراعات التافهة وصغائر الخلافات ، هذه المطربة فاطمة امين تدعي في أحد خرجاتها أنها صاحبة أغنية (الغايب) وأنها غنتها قبلك ولكنك لا تأبه لهذا الخبر ،وأذكر مرة أنك
أخبرتني أنك سجلت أغنية راحلة في القاهرة قبل الحياني، فطلبت منك العمل على إدخال هذا التسجيل إلى المغرب فكان جوابك حكيما يشي بثقتك العالية بنفسك: “الأغنية اشتهرت بصوت الحياني ولا أحب مضايقته” ولعلم القراء فلقد سبق للشاعر عبد الرفيع الجواهري أن أكد أن بلخياط يغني (راحلة) بشكل أجمل من الحياني، وعندما فاز عبد الوهاب الدكالي بالجائزة الأولى في مهرجان مراكش للأغنية المغربية سنة 1993 عن قطعة (أغار عليك) أقام حفلا بالمناسبة فحضرته مع سبق الإصرار لأنك كنت تخشى من القيل والقال ومن التأويلات المغرضة ، كل هذه الأحداث هي عبارة عن مؤشرات تبرهن على ذكائك الفني.
3-فارس القصيدة (اخضوضر الشعر والإلهام في وتري) من أغنية رموش
حلا الشعر على أوتار صوتك الأصيل الجميل، فغنيت ما سكن بالوجدان، وما خلد في الذاكرة، وما نقش في الدفتر الذهبي للأغنية المغربية، غنيت تحفا تطاول الزمن، فكيف لنا أن ننسى : (الشاطئ / القمر الأحمر / ميعاد /تعالي / سمعت عينيك / واحة العمر/ رموش/كم ذا أريد/ الهاتف / وداعا / خبر/ أتظن/حسبتك / الله امولاي / الامس القريب / من متى / طوق الياسمين / شارد في الليل /ارحميني/غني لي الليلة / اذكريني وغيرها كثير)، لقد كشفت لنا وللمشارقة عن المعدن النفيس للشعر المغربي وأظهرت روعة لغته وصوره ومعانيه مع كل من (عبد الرفيع الجواهري / محمد الحلوي / ادريس الجاي / علي الصقلي / احمد عبد السلام البقالي / ابن زيدون / وجيه فهي صلاح / محمد بن إبراهيم …) وأكدت البصمة المغربية الصرفة وأنت تغني لشعراء المشرق (مصطفى عبد الرحمان / فاروق شوشة / نزار قباني / حسين السيد …) ، مضى بك العمر وظللت رغم ذلك وفيا للقصيدة ترعاها في زمن سادت فيه الأغاني الهابطة لغة والجوفاء مضمونا فغنيت (حبيبتي / رقصة الريم / نبع الجمال / من متى / رسائل وغيرها)، كنت بقعة ضوء وسط قتامة المشهد الغنائي فشكلت مع كل من كاظم الساهر وماجدة الرومي ثالوثا لأصدقاء الشعر، ويحسب لك يا شادي المغرب أنك أعدت غناء رائعة الموسيقار احمد البيضاوي (بسمة الأمل) فأضفيت عليها حلاوة صوتك المعطر حتى أنستنا في درجة بهائها كيف كان يغنيها صاحبها الأول ، وأشهد أنني همت بقصيدة (ثورة الشك) لكوكب الشرق أم كلثوم بفضل صوتك الطروب يوم غنيتها في استجواب تاريخي مع الإعلامي مجد عبد الرحمان لفائدة محطة إذاعة عين الشق، وكان ذلك في السبعينات على ما أذكر، كما سنحت لي الفرصة للاستمتاع بتسجيلات نادرة لك في سهرات خاصة كنت تشدو فيها بالأطلال ، سلو قلبي، عندما يأتي المساء، الجندول، كيلوباترا، رسالة من تحت الماء وغيرها، وللأسف لا ادري ما هو مصير تسجيل إذاعي لك وأنت تشدو على العود بروعة لا حدود لها (الهوى والشباب)، ولا مصير تسجيل تلفزي تحاورك فيه الإعلامية فاطمة التواتي وفيه بلغ صوتك ذروة الجمال وأنت تغني (ياجارة الوادي) وأما تحفة رياض السنباطي (أشواق) فنتحسر كثيرا لأنك لم تسجلها بصوتك في القاهرة بسبب ضجيج هذه المدينة وصخبها كم أخبرتني، فكأني بك لم تخلق إلا للقصيدة.
4-عبد الهادي بلخياط الإنسان :
(روحو وجمالو الصافي / وطبعو الوافي / وفي قلبو حب كل إنسان / سموح وكيحب الإحسان) من أغنية: (هدى لي صورتو لبارح).
كأني بأحمد الطيب العلج هنا يصف قلبك الكبير الذي يتسع لحب كل الناس، قلبك المفعم بالصفاء والسلام ، قلبك الخالي من الضغينة والغل ، ومن الحقد والحسد، عشت بسيطا ، متواضعا شعبيا، تخالط الناس على اختلافهم، تصافح الرفيع والوضيع: وتعانق الكبير والصغير، أنى رحت أرسلت ابتسامتك ، لا أنانية ولا تكبر ولا عجرفة كما نجد عند البعض ، لا تحب أن تتحدث عن نفسك ولا عن فنك، ولا أن تفخم إنجازاتك ، حتى إدا سئلت ذات مرة عن رأيك في صوتك ، اجبت بكل تلقائية :صوت من غير أية كلمة زائدة ، كانت النية شعارك في الحياة (نية وحدة عملتها / واللي كان يكون) عاملا بذلك بالنصيحة التي قدمها لك “البوهالي“ (دير النية) لهذا أحببناك كفنان واحببناك كإنسان، وما أحلاه هذا التناغم بين وجهك الفني ووجهك الإنساني، بلخياط الفنان هو بلخياط الإنسان، عشت طوال حياتك على أمنية واحدة (تمنيت نعيش في سلام / في جو صافي ما فيه غيام) من أغنية (صبري تعدى القياس).
5- خلاصة: (وداعا حبيبي وأنت معي) من أغنية وداعا.
ونحن لن نقول لك وداعا لأنك معلمة فنية متجذرة في بلادنا، مثلها مثل جبال الأطلس المعلمة الطبيعية وصومعة حسان المعلمة التاريخية، إرثك الفني والإنساني تربت عليه أجيال وأجيال، وانطلقت منه أصوات وأصوات (محمد الحياني / محمود الادريسي / البشير عبده / محمد الغاوي …) سنصون هذا الإرث لأنه من دواعي فخرنا، كل الحب لك، وكل التقدير لك لأنك (ما منك زوج / انت واحد) ..
وكل الدعاء لك بالرحمة والمغفرة يا غائبا عن عيوننا وحاضرا دوما في أذهاننا.
