ذكرياتي مع صوت المغرب

ذكرياتي مع صوت المغرب
صورة من أرشيف الكاتب

عبد الهادي بلخياط: حنجرة من ذهب

بقلم ذ/عبد المجيد شكير

فقدنا هذه الأيام المطرب الكبير عبد الهادي بلخياط ، فقدنا صوتا شكل وجداننا جميعا، صوت بصم الأغنية المغربية برصيد هائل من الغناء الطربي الأصيل، صوته الساحر ملك قلوب المغاربة وعانق كبار الملحنين محليا وعربيا، والقلب ينفطر حزنا على رحيله.

تداعت في خاطري قصتي معه، وانسابت في بالي ذكرياتي مع صوت المغرب كما لقبته.

لعب جهاز الراديو الذي دخل إلى منزنا سنة 1968 دورا فعالا في نسج الخيوط الأولى التي ربطتني بأغنيتنا المغربية، وكانت اختي تردد ما يذاع على أمواج الإذاعة، ومن ذلك قطعة (يا حبيب القلب) التي شدتني إليها شدا فكانت بداية تعرفي على صوت يقطر بالعذوبة هو صوت عبد الهادي بلخياط وفي سنة 1969 كنت أتردد من حين إلى آخر على بيت صديقي السدراوي محمد ، فاكتشفت عندهم أسطوانة لأغنية الشاطئ لنفس الصوت، وأذكر جيدا أن صديقي هذا كان يتغنى ببعض مقاطعها ونحن متجهون إلى مدرستنا الابتدائية، ولاسيما مقطع (لا رمال الشط يناديها تجيب…) كان هناك إحساس جميل يخالجني وأنا أستمع إليه، ولما انتقلت إلى مرحلة الإعدادي والثانوي ازداد شغفي باكتشاف الأغنية المغربية، فكنت تراني ملتصقا بالراديو الذي كان يفسح مساحة مهمة من زمن البث لأغانينا، هكذا بدأت أميز صوت بلخياط وأتعرف على أغانيه وارددها (حسبتك – رموش – كم ذا أريد – السنارة – نية وحدة عملتها…) ولا تتخيلون أنتم مدى فرحتي يوم سنحت لي الفرصة بالاستماع إلى (القمر الأحمر) والتي كنت قرأت وسمعت عنها الكثير، ومنذ ذلك الحين أصبح عبد الهادي بلخياط هو مطربي الأثير، لاصوت يعلو عليه في الجمال، وساقني حبي الشديد هذا إلى تتبع أخباره، وجمع أغانيه ونوادره، وتوثيق أعماله، والبحث عن جديده، ومتابعة حفلاته وسهراته على التليفزيون بل وتسجيلها… كما اشتريت كتابا ضم بعض أغانيه مكتوبة، وفي الرباط وأنا أتابع دراستي الجامعية حرصت أشد الحرص على ملاقاة الفنانين.  لا لشيء إلا لكي أسألهم عن رأيهم في هذا الصوت، أذكر أنني وجهت هذا السؤال لكل من أحمد البيضاوي، احمد الطيب العلج، محمود الادريسي، محمد بن عبد السلام، عبد العاطي آمنا، حسن المفتي وغيرهم، وفي منتصف الثمانينات حضرت أول سهرة له لا أذكر بالضبط في أي مسرح كانت  ولكنني أتذكر جيدا أنها كانت من تقديم الفنان محمد حسن الجندي، فكانت فرصة لالتقاط أول صورة معه، كان لقائي به خاطفا لم يشف غليل ما كان يدور بذهني من أسئلة، وذلك بحكم تزاحم المعجبين، وفي سنة 1989 حضرت له سهرة أخرى بمركب محمد الخامس، وخلالها تسللت ما بين فقرات الحفل إلى الكواليس وهناك قدمت له نفسي كمعجب يذوب عشقا في صوته وأغانيه ، ولما استشف أنني لست معجبا عاديا بحكم أنني أعرف تفاصيل مشواره الفني، سلمني رقم هاتفه وطلب مني أن أزوره ولا سيما عندما أخبرته بأنني أنوي تأليف كتاب حول سيرته الفنية والإنسانية، وتبعا لهذا أخذت أتردد على بيته الكائن بالوازيس في الفترة الممتدة ما بين 1990 و 1993 حتى أصبحت مرافقا له، هذه الفترة أفادتني كثيرا لأنني تلقيت فيها أجوبة شافية وكافية حول أسئلتي المتعددة، حظيت في هذه الفترة أيضا بمعاينة ميلاد بعض أعماله الفنية، ومما أذكره جيدا أني حضرت استجوابا له مع الإعلامي مجد عبد الرحمان لحساب محطة إذاعة عين الشق بل وشاركت في هذا البرنامج مدليا بآرائي، ولما اقترب مهرجان الأغنية المغربية بمراكش سنة 1993 عشت معه استعداده للمشاركة فأسمعني تسجيلا لأغنية (بين العمارات) التي قرر أن يشارك بها في هذا المهرجان المذكور طالبا رأيي، كما استحثني على مرافقته إلى ذلك المهرجان ولكنني اعتذرت لأسباب خاصة، لقد اقتربت منه في هذه المرحلة كثيرا فاكتشفت حسه الإنساني، لمست تواضعه ، كرمه ، بساطته ، وعاينت بأم عيني مبادراته لفعل الخير ومساعدة الآخرين، عشت معه بعد ذلك ذكريات عديدة ، زرته يوم عودته من إنجلترا منتشيا بحفله المدهش هناك ، حيث راعه تميز الحضور وتفاعله الرفيع مع أغانيه، ودعاني إلى حضور حفل خاص بتكريم الأسطورة عبد المجيد الضلمي وفيه غنى (صدقت كلامهم) وغيرها.

في سنة 2002 دعوته إلى ثانوية المصلى التأهيلية من أجل لقاء مفتوح مع التلاميذ ، أجاب فيه على أسئلة الحاضرين، وأنشد قصيدة عن بغداد كان ينوي أن يغنيها، وغنى مقطعا من رائعته (الله الله ياداك الانسان) وأذكر أنني سلمته في نهاية اللقاء ورقة وضعت فيها تصميم مشروع كتابي عنه، ولكن للأسف انشغلت عن هذا المشروع بالكتابة في الجرائد والمجلات، وبطبيعة الحال كان عبد الهادي بلخياط حاضرا وبقوة في جل المقالات التي نشرتها، وأول ما كتبت عنه كان تحت عنوان (حنجرة من ذهب) وصدر بتاريخ 24/5/2019 ضمن سلسلة رواد وأعلام الاغنية المغربية في  جزئها الأول ، ونشرت بعدها ضمن سلسلة (بين بين) مقالا تحت عنوان (بين التعبير والتطريب) قارنت فيه بين أسلوبه الغنائي وأسلوب عبد الوهاب الدكالي وأما في سلسلة (سهرات وتسجيلات لا تنسى) فكتبت عنه خمسة مواضيع هي (ليلة تعانق الشعر والنغم / عرس جوهرة منسية / صوت المغرب في الأولمبيا / فرنسا تجمع بين قطبي الأغنية المغربية / الذهب لا يبلى /) وفي سلسلة (أصوات تسكنني) كان بلخياط على رأس هذه الأصوات فكتبت (عبد الهادي بلخياط صوت المغرب) ونشر بتاريخ 10/04/2023 وكان الثنائي الذي شكله هذا الفنان العملاق مع الزجال المقتدر علي الحداني موضوعا لمقالة نشرتها ضمن سلسلة (ثنائيات في دنيا النغم) تحت عنوان (ذهب على ذهب) ونشرت بتاريخ 16/07/2024.

وسعيا مني لإحياء مشروع الكتاب حاولت الاتصال به مرات عديدة بعد ذلك عساه يفتح لي ربيرطواره بما يضم من وثائق ومعلومات وصور وجوائز من أجل إغناء الكتاب، ولكن انغماسه في الاتجاه الديني جعل كل محاولاتي تذهب سدى، وأود أن أوضح هنا أن توجهه الديني حدث تدريجيا وأشهد أنني لاحظت مؤشراته الأولى في بداية التسعينات، كما أن عددا من أغانيه العاطفية الأخيرة كانت تعبر تارة وتوحي تارة أخرى برغبته في الهروب من الدنيا ومتاعها ونقرأ هذه الملاحظة في قطعه (فين مشيت – ليك الله الغريب – صبري تعدى لقياس….)، وقد تأكد حسمه واختياره لهذا الطريق الجديد لما صرح سنة 2012 باعتزاله لميدان الغناء، فانقطع الاتصال بيني وبينه بصورة نهائية، وكانت آخر مرة شاهدته هي الحفل الديني الذي أحياه سنة 2014 بمسرح محمد الخامس وكان حفلا مبهرا بكل المقاييس .

من ذا لم يرتم في هواك وأنت الشادي ذو الصوت الساحر؟ أتذكر يوم غلبتك دموعك على خشبة مسرح محمد الخامس وقد أطال كل الحضور الوقوف والتصفيق تحية لك على ذلك الحفل التاريخي والذي خصصته لإنشاد خمس من قصائدك المذهلة ؟ كانت بالفعل حفلة فارقة في زمن استشرت فيه الميوعة والرداءة ، وهاهم المغاربة اليوم يبكونك حبا، ما أفظع الفراغ الذي خلفته ! ملاذنا في روائعك التي تعيش في وجداننا، سنستعيدها ونحيا على جمالها، فكلنا اليوم مدينون لك بما أهديتنا من متعة ونشوة على مدى خمسة عقود، وبما منحتنا من فرح وسعادة على مر الأجيال، وكلنا اليوم أيضا – مسؤولين وجمعيات ومهتمين وعشاق – مطالبون بتخليد اسمك أيها العملاق .

  • أول الأمر أن نجمع كل أعمالك الغنائية والسينمائية…  نوثقها آخذين بعين الاعتبار ما يوجد خارج الوطن ( إذاعة صوت العرب – إذاعة القاهرة- إذاعة هنا لندن وغيرها)
  • ثانيها هو أن نقيم لك متحفا يضم كل تفاصيل منجزك الفني،
  • وثالثها أن نصدر كتابا أو أكثر لتوثيق مسيرتك الفنية والإنسانية علها تكون نبراسا لجيل اليوم والغد.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com