رؤى عائشة بنور للمدينة في “ما تريوشكا” تتعامل مع المدن ككائنات حية…

رؤى عائشة بنور للمدينة في “ما تريوشكا” تتعامل مع المدن ككائنات حية…

“ماتريوشكا” للروائية الجزائرية: عائشة بنور

قراءة نقدية

عرف الأدب العالمي والعربي الروايات والقصص التي تهتم بالأماكن، كالمدينة أو القرية أو الصحراء، وأصبحت هذه الأماكن ركناً من أركان السرد، وعَمَدَ الأدباء إلى نقل حالة التشابك والتفاعل بين شخوص رواياتهم وتلك الأماكن وهذه الروايات  ـ أحياناً ـ تجعل من المكان بطلاً، أو مسرحاً لأحداثٍ ما، ومن خلال تلك الأماكن يتفاعل المؤلف مع القارئ من أجل تمرير رسالة مُعينة أو فكرة أو قضية تشغل باله، فيغلفها في إطارٍ سردي جذاب؛ ليصلَ إلى وجدان المتلقي وعقله .

  والأدب العربي عرف روايات الأماكن، ومن أشهر هذه الروايات ،رواية ( القاهرة الجديدة) لنجيب محفوظ التي تنقل لنا بعض صور الفساد والانحلال الخلقي وصراع الأفكار، و تصور حال المرأة كأداة للمتعة في ذلك الزمن، ورواية ( لا أحد ينام في الإسكندرية) لإبراهيم عبد المجيد التي تتناول العلاقات الاجتماعية اليومية بين السكان المحليين والوافدين عليها في أثناء الحرب العالمية الثانية، و( ثلاثية غِرناطة) لرضوى عاشور التي تناولت من خلالها أحداث سقوط الأندلس ومواجهة الاضطهاد والتعذيب والحفاظ على الهويّة و العادات والتقاليد ، و(مدن الملح) لعبد الرحمن منيف التي تصف التحولات الجذرية في بعض مدن الخليج بعد اكتشاف النفط .

كما تناولت بعض الروايات العالمية المدن كذلك، كرواية ( ثلاثية نيويورك)  للكاتب : (بول أوستر) التي تكشف بعض ما يدور في المدينة من أحداث بوليسية مثيرة، و رواية ( قصة مدينتين) للكاتب ( تشارلز ديكنز)، وتدور أحداثها بين مدينتي لندن وباريس قبيل الثورة الفرنسية وفي أثناءها.

 وكما ظهرت الروايات التي تتخذ من المدن مسرحاً لأحداثها، ظهرتْ كذلك بعض الروايات التي جعلت الصحراء مسرحاً لأحداثها، وهناك من أوقف جُلَّ أعماله الروائية على عالم الصحراء ومن عليها من إنسانٍ وحيوان ونبات ورمال وسهول ونِجاد، واعتبرها رمزاً للحرية والانطلاق والأصالة، ونقصد الكاتب الليبي الكبير : إبراهيم الكوني ومن أبرز أعماله روايات : (التبر) و( رباعيات الخسوف) و( نزيف الحجر).

 وكما كان للمدينة والصحراء نصيبٌ ، فللقرية والريف  نصيبٌ مماثل ، ومن أشهر تلك الروايات رواية (  الأرض) لعبد الرحمن الشرقاوي، و رواية ( يوميات نائب في الأرياف) لتوفيق الحكيم، ورواية ( الحرام) ليوسف إدريس ، ورواية ( عرس الزين) للطيب صالح، ورواية ( الأجنحة المتكسرة) لجبرا خليل جبران، وما ذكرته على سبيل التمثيل لا الحصر.

وإذا التفتنا حولنا الآن نحو المشرق العربي  فسوف نجد من تناول الصحراء برؤى سردية معاصرة كما فعل الكاتب السعودي خالد اليوسف في روايته ( سيرة حُمى)، وإذا أعدنا الالتفات نحو المغرب العربي فسوف نرى الروائية الجزائرية : عائشة بنور في روايتها 🙁 ماتريوشكا) .

 ورؤى عائشة بنور للمدينة  في روايتها ( ما تريوشكا) تختلف عن رؤى الكثيرين من الكتاب، فهي تتعامل مع المدن ككائنات حية تأكل وتشرب وتفرح وتحزن، ولها ذاكرة عكس من تناولوا المدينة في رواياتهم وصوروها كوحش يأكل الغرباء، أو( مدينة بلا قلب ) كما نعتها بذلك الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه الشعري الأول الصادر في السنة التاسعة والخمسين بعد تسعمئةٍ وألف .

لنعد الآن إلى الروائية :عائشة بنور التي تؤكد حنينها إلى المدن المندثرة، و المدن القائمة من خلال رحلات البحث والتنقيب والاستكشاف التي جعلت ( كلثوم) وهي بطلة روايتها ( ماتريوشكا) عضوة في البعثة الوطنية للترميم وحفظ الذاكرة.

ها هيَ ( كلثوم) تقف أمام صخر وأحجار إحدى المدن القديمة ، وتخاطب نفسها في حوار داخلي ، فنقرأ ما جاء في الصفحة التاسعة ، اقتباس:

قلت وأنا أتأمل الصخر:

-الأمكنة أرواح يا كلثوم…تغيَّرتْ كثيراَ.

قالتْ من تسكنني بدهشة:

-وكيف تتغير؟ أليست سوى حجارةٍ وجدرانٍ صامتة!

سألتها بأسى:

“من أخبركِ أن الأشياء من حولنا لا تتحرك، ولا تتكلم، ولا تتعرى، ولا تبتسم جروحها؟

إنها ترتعش، في صمت كضياء شمعة في مهب الريح، ترتعد في كل الأماكن المغلقة، وفي كل غرفة مظلمة، فتيلها يضيء عتمة الليل في دهليز الدار. نسمع هسيس الأشياء، ونشعر بكلامها الخفي الذي لا يُفهم، من حفيف الأشجار التي تعبث الريح بأوراقها، وصَفْق جناحَي طائرٍ إلى حفيف النبات اليابس ، ولهيب النار”.

 في هذا البوح الداخلي رسمت الكاتبة صورةً لما ستكون عليه الرواية في الصفحات التالية، إنها لا تتعايش مع أحجار وجدران ونقوش  صماء، بل تتعايش مع  مدن وأماكن وأشياء تشعر وتتألم، ولها ذاكرة حُبلى بالأحداث والمواقف والشخصيات .

 وتؤكد الكاتبة هذه الصورة في ذهن المتلقي بعدما انتقت الكلمات والعبارات والأساليب والأخيلة بوعيٍ أوْ بدون وعيٍ  مازجةً ذلك بإشاعةِ حالة نفسية شفيفة تجعل القارئ يشاركها شعورها نحو هذه المدن، وما تحويه من أشياء.

فكيف تمكنتْ الكاتبة عائشة بنور من ذلك؟

 بدأت بجملة اسمية قصيرة مكونة من المبتدأ والخبر( الأمكنة

أرواحٌ)، ومن المعلوم أن الجملة الاسمية تدل على الثبات والاستقرار، عكس الجملة الفعلية التي تدل على التجدد والتغير ، فكأنها بتلك الجملة أصدرتْ حكمها البات الذي لا نقاش بعده بأنّ الأمكنة أرواحٌ، وأردفت الجملة دون توقف ـوحقها هنا أي الجملة في هذا السياق علامة الترقيم ( الفاصلة) ـ بنداء نفسها بأداة النداء ( يا)، وكأنها متعجلة لما ستحدّثها به، و تنبهها إليه منْ أمرٍ ذي أهمية ستقوله لها،وعليها الإصغاء.

  لذلكَ استخدمت أداة النداء( يا ) مع أنها لنداء البعيد على الأغلب، ولم تستخدم أداة من أدوات نداء القريب، مثل:( الهمزة أو أي )، نقول عادة : ( أي بُنيّ ، أي بُنيتي، أو أبُنيِّ أو أبُنيتي)  رغم أنها تحادث نفسها ـ ونفسُها جزءٌ منها ـ ،وليست نفسُها ببعيدة عنها مَكانياً أو روحياً .

هذا الاختيار يتمّ عادة دون وعي عندما يريد المُنادي أو المُتحدثُ أنْ يَلفت انتباه المنادى عليه إلى أمرٍ هام ،قد يكون غافلاً عنه أو لا يدركه .

كما أنّ الحالة الصوتية لأداة النداء ( يا) ممتدة وخاصة إذا نطقناها هكذا( يا ااا)، وأعقبتْ الكاتبة النداء بعلامة الترقيم التي تدل على الصمت، وأقصد النقاط الثلاث(…) ، ودلالاتها في سياق الحوار: أنْ انظري إليّ، وانتبهي لما سأقوله لك، ـ (وما أذكره في هذه الجزئية من القراءة النقدية أسمّيه بلاغة القراءة) ـ ، فكما هناك بلاغة الإلقاء ، فهنا بلاغة القراءة، أي تمثل الحالة التي يكون عليها المُبدع حين كتب، فعلى القارئ أيضاً أن يعيش الأجواء نفسَها التي عاشها الكاتب حين كتب، وبذلك يتم التفاعل بين الطرفينالكاتب والمتلقي .

   ولمّا تأكدت المُتحدثة من أنها شدّتْ انتباه التي تحادثها،وهي هنا ( تُحادثُ نفسها) أخبرتها ما أرادتْ إخبارها به،وهو مضمون الجملة الخبرية التالية: ( الأمكنة تغيرت كثيراً) .

  إذن هي حالة من حالات إشراك القارئ في الجو النفسي للرواية، وإعداده وجدانياً وذهنياً للتعاطف معها، والتعايشمع الأحجار والصخور والأماكن رغم جمودها الظاهر، لِكونها من الزمن الغابر.

لذلك نلحظ أن الكاتبة لجأت إلى انتقاء الكلمات التي تجعل القارئ يصدق أنّ الأشياء الجامدة تتحرك وتتكلم وتشعر، فها هي تستخدم الكلمات ذات الدلالات الحركية و الصوتية: (ترتعش ، ترتعد، هسيس، حفيف، صَفْق)، وتستخدم الكلمات ذات الدلالات اللونية ( ضياء شمعة ، غرفة مظلمة ، عتمة الليل ، لهيب النار) كما استخدمت الانزياح الدلالي كالتشبيه في قولها( ترتعش في صمت كضياء شمعة في مهب الريح) ، ولا تقصد الكاتبة هنا استخدام الصورةالبيانيّة لمجرد التزيين الأسلوبي ، بل لجعل القارئ يعيش اللحظة معها من خلال التخيل .

  وكما استطاعت الكاتبة أن تُقنع القارئ بأن مصاحبته لها في التجوال بين المدن العتيقة سيكون حافلاً بالتشويق والإثارة المعرفية والتاريخية ، فإنها أيضاً لامستْ غرائزه بأوصافٍ أنعشتْ مشاعره، واستطاعت أن تجعله يعيش الحدث من خلال السرد الوصفي الذي برعت فيه، وكي ندلل على ما نقول علينا الذهاب إلى الصفحةِ الحادية والخمسين بعد المئة وما بعدها .

    كذلك برعت الكاتبة في اشتقاق بعض الكلمات التي لا بديل لها في سياق الحدث الذي تسرده، وندلل على ذلك بالذهاب إلى الصفحة الخامسة والخمسين بعد المئة، ونقرأ، اقتباس:

:” … لو أنني تصرفتُ تصرفاً يُعيد الفتاة إلى رشدها ، ويبعدها عن مخالب ذلك الفتى الذي بدا لي شابًا   ( مُتَثَعْلِبًا)

اشتقت عائشة بنور الاسم الذي يحمل الصفة  (مُتثعلباً) من الفعل ( تثعلبَ )، نقول : تثعلب الفتى، أي لجأ إلى التحايل والمراوغة كي يصل إلى مبتغاه، ولا شك أنّ كلمة متثعلب تحمل دلالات الدهاء والمخادعة والملاطفة التي تخفي الخبث والمكر.

وترافقت هذه الكلمة مع سابقتها في الفقرة نفسها، وأقصد كلمة ( مَخالب )؛ لتوحي للقارئ أن هذا الفتى لا يُؤْتَمن،ويُخْشى منه، فهو ذو مخالب متعددة، وليس مخلباً واحداً،ولا يخفى ما في كلمة( مخالب) من دلالات الافتراس و النهش والدماء والسيطرة، ولا نغفل هنا ما تثيره الفقرة منالخوف والتوجس، وبذلك أثّرت الكاتبة بدقة استخدام المفردات المناسبة على حالةِ القارئ النفسية.

لنذهب أيضاً إلى الصفحة الثانية والسبعين بعد المئة،ونقتبس:

كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الزوال، ورذَّتْ السماء مطراً خفيفاً، فشعرتُ بدفء الفراش يجذبني إليه على الرغم من لسعةِ برودته “

 هنا أتت الكاتبة بالفعل( رذّت) الذي يحمل دلالات النعومة  والهدوء ؛لأنه المطر الخفيف الرقيق المتتابع ، ونحن نقول : السماء ترذُّنا مطراً، أي ( رذاذاً خفيفاً)، ويتشابك الفعل(رذّت) مع الانزياح الدلالي في الفقرة نفسِها حيث الصورة الجزئية 🙁 دفء الفراش يجذبني إليه)، حيث جسّدتْ دفء( الفِراش) بكسر الفاء بصورة إنسان يجذبها إليه شوقاً ولهفةً، ولا نغفل ما في كلمة (الفراش) عادةً من المتعالجسدية والنفسية .

  هذا بعضُ ما كان من الروائية : عائشة بنور، فماذا عليها كذلك من بعض الهَنات الخفيفات التي وردت في روايتها، وأي هنات لا تقدح فيما أبدعته الروائية من جزالة الكلمة، وبلاغة العبارة، وفرادة الأخيلة، وتنوع الأساليب، ولولا مخافةَ الإطالة لجئتكم بما يشهد لها من صفحات روايتها .

1- من حيث سياق الأحداث لم تبرر لنا الكاتبة من خلال السياق السردي سبب تجافي كلثوم عن زوجها المريض بفقد الذاكرة( خالد بن يحيي)، وعدم سعيها لعلاجه، والوقف بجانبه حتى يتعافى، بل صدمتنا ببوحها القاسي في الصفحة الخامسة والسبعين بعد المئة لمّا قالتْ ، اقتباس:

” وفجأة أرمي بكل شيء خلف ظهري، عسى أنْ أنسى، وربما كان خالد بن يحيي واحداً من تلك الأشياء التي وددتُ أن أتركها هناك، بعد عمر كبّلني في أسرِ ذكراه” ولا يخفى على القارئ ما تحمله دلالات الكلمات ( خلف ـ الأشياء ـ أتركها ـ كبلني ـ أسر ـ ذكراه ) من ازدراء و استهجانواحتقار وعدم مبالاة .

2- جاءت في الصفحة الثامنة والأربعين الفقرة الآتية، اقتباس:

بالأمس ، استقلتُ القطار المتجه نحو مدينة الجسور” ، وكُتبتْ كلمة( اسقلتُ) بلامٍ واحدة ، وهي من الفعل ( استقلَّ) أي ركبَ وعلا، والصواب كتابتُها بلامين؛ لأنه عند التصاقها بضمير المتكلم يُفك التشديد( اسقللتُ)، مثل قولنا: استعددت من الفعل:( استعدَّ) ، وأحسستُ من الفعل : (أحسّ) ، وشددتُ من الفعل :( شدَّ ) وهكذا .

 وعلى كل حال هناك قراءات أخرى عديدة( لغوية ونفسية) لِما ورد في الرواية، وبما أحاطَ برسم الشخوص ووصف الأماكن والأحداث، وأتعشم أن تطاوعني الأيام لإنجازها.

* الروائي القاص الناقد : محمد ياسين خليل القطعاني/ مصر  

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com