الحرية الرقمية بين الانكشاف والحماية

الحرية الرقمية بين الانكشاف والحماية

مقاربة قانونية في سياق تحوّل المنصات

منير لكماني

يشهد الفضاء الرقمي توسعًا غير مسبوق، أصبحت فيه المعطيات الشخصية والأنشطة التواصلية جزءًا من المجال العام المفتوح، مما جعل الأفراد أكثر عرضة للاختراق وأقل استفادة من آليات الحماية القانونية التقليدية. وبينما تتطور المنصات الرقمية بوتيرة تتجاوز قدرة التشريعات على المواكبة، يبرز سؤال مركزي: كيف يمكن إرساء توازن بين صون الحرية الرقمية وضمان الحماية من الأذى المعلوماتي دون المساس بجوهر الحق في التعبير؟

أولًا: الإطار الدستوري والجنائي لحماية الحياة الخاصة

ينطلق التأطير القانوني للحرية الرقمية من مبدأ أساسي مفاده أنّ حماية الحياة الخاصة لا ينبغي أن تتقلص بمجرد انتقالها من المجال المادي إلى الفضاء الافتراضي. الدستور يؤكد ذلك من خلال ضمان سرية الاتصالات وحماية المعطيات الشخصية باعتبارها حقًا ملازمًا لكرامة الفرد. وقد عزز القانون الجنائي هذه الحماية عبر إدراج الفصول 447-1 إلى 447-3 بموجب القانون 103-13، والتي تجرّم تسجيل أو نشر الصور أو المعطيات ذات الطابع الحميمي دون موافقة أصحابها، مع تشديد العقوبات في حالات استغلال الروابط الأسرية أو المهنية، أو عندما تكون الضحية امرأة أو قاصرًا.

ورغم أهمية هذه المستجدات، فإن نطاقها يظل محدودًا بالمساس المباشر بالخصوصية، بينما تبقى ممارسات أخرى—مثل التشهير والاتهام دون دليل والإضرار بالسمعة المهنية—ضمن مناطق رمادية يصعب ضبطها بالقواعد الحالية.

ثانيًا: الحاجة إلى تحديث المفاهيم القانونية في ضوء التحول الرقمي

يقرّ الدستور بحرية التعبير، غير أنّ ممارستها تتم داخل إطار يحترم حقوقًا أخرى موازية، مثل الحق في الكرامة والحق في الصورة. إلا أن الإشكال يرتبط بطبيعة النصوص المنظمة للمجال الرقمي، إذ لا تزال العديد منها صيغت في سياق مختلف عن واقع منصات تنتشر فيها تدوينة واحدة كالنار في الهشيم، وتمارس تأثيرًا يفوق وسائل الإعلام التقليدية.

من هنا، تبرز ضرورة إعادة النظر في مفاهيم مثل “النشر العمومي” و“التشهير” و“المسؤولية المهنية”، إلى جانب مراجعة وضعية الوسيط الرقمي الذي لم يعد مجرد قناة نقل للمحتوى، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا يمتلك سلطة تحريرية ضمنية عبر خوارزمياته وآليات الترويج.

ثالثًا: حدود قانون الصحافة وضعف تغطيته للفاعلين الجدد

قانون الصحافة 88-13 أعاد تنظيم الإعلام المهني، لكنه ربط الحماية القانونية بصفة “المنبر المصرّح به”. ونتيجة لذلك بقي معظم الفاعلين الرقميين خارج هذا الإطار: من المؤثرين وصناع المحتوى الربحي إلى الصفحات الإخبارية غير المعتمدة والبث المباشر. هؤلاء يمارسون أدوارًا شبه إعلامية دون التزامات مهنية أو مساءلة مؤسساتية، ما يجعل تأثيرهم بعيدًا عن الرقابة القانونية الفعّالة، رغم قدرتهم على خلق “وقائع رقمية” ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر.

رابعًا: اقتصاد التأثير وفوضى المحتوى الرقمي

أسهمت المنصات في نشوء اقتصاد جديد يقوم على المحتوى السريع والربحي، حيث يمتزج الترفيه بالإعلان، والرأي بالمعلومة، دون الإفصاح غالبًا عن الطابع الإشهاري. وقد ظهرت ممارسات خطيرة من قبيل الترويج لمنتجات طبية أو عقارية بلا ترخيص، إطلاق حملات تشويه منظمة، أو استخدام الحسابات الوهمية لتوجيه الرأي العام. هذه الظواهر لا تستوعبها النصوص الجنائية الحالية التي تتعامل مع الأفعال الرقمية باعتبارها ممارسات تقليدية.

خامسًا: مشروع القانون 22-20… بين الرفض المجتمعي والفراغ التشريعي

جاء مشروع القانون 22-20 في محاولة لتأطير الممارسات الرقمية، إلا أنه أثار جدلًا واسعًا بسبب مواد بدت مقيدة لحرية التعبير—خصوصًا تجريم الدعوة إلى بعض أشكال المقاطعة أو نشر محتويات “كاذبة” بصياغات فضفاضة. ومع ذلك، تضمن المشروع عناصر إصلاحية مهمة، من بينها تنظيم الإشهار الرقمي للمؤثرين، تجريم الحسابات الوهمية المستعملة للإضرار بالغير، حماية القاصرين، وتعزيز التزامات المنصات تجاه الأوامر القضائية.

الإشكال لم يكن في وجود قانون رقمي بحد ذاته، بل في الصياغة التي يجب أن تكون دقيقة وقابلة للضبط، تضمن حماية الأفراد دون المساس بالنقد المشروع.

سادسًا: مرتكزات قانون رقمي متوازن

يستوجب بناء إطار قانوني حديث مراعاة أربعة محاور أساسية:
1. تجريم الأذى الرقمي الحقيقي مثل الابتزاز، التشهير المتعمّد، انتحال الهوية، واستعمال الحسابات الوهمية، مع اشتراط العلم بالزيف ووجود ضرر قابل للإثبات.
2. تنظيم مهنة التأثير الرقمي عبر وضع تعريف قانوني للمؤثر، وإرساء نظام للتصريح والشفافية الإشهارية، ومساءلة مدنية ومهنية واضحة.
3. إلزام المنصات الرقمية بدور مسؤول من خلال التجاوب السريع مع الأوامر القضائية وحفظ البيانات لفائدة التحقيقات.
4. تعزيز حماية القاصرين من الاستغلال في المحتوى الربحي أو الإعلانات المقنعة.

إن الحرية الرقمية ليست مفهومًا نظريًا مجردًا، بل ممارسة تحتاج إلى إطار قانوني متجدد يراعي طبيعة التحولات التقنية والاجتماعية. والتحدي يكمن في بناء توازن يحمي الفرد من الأذى الرقمي دون تحويل المنصات إلى فضاء خاضع للرقابة المفرطة. ولتحقيق ذلك، يتعين صياغة “ميثاق رقمي” يضمن حرية التعبير ويصون الكرامة، ويؤسس لعدالة رقمية قادرة على مواكبة عصر تتجاوز فيه المعلومة حدود الزمن والمكان.

03/12/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com