قراءة نقدية
حين تتحكم الأسطورة في مصائر الضعفاء
*بقلم: الدكتورة نيفين ماجد

ذبابة المقابر:
في التراث الشعبي، تكشف أسطورة الذبابة، وبخاصة «الذبابة الزرقاء» التي تظهر قرب الجثث ويُنظر إليها كروح الميت أو علامة شؤم، عن قدرة الخيال الجماعي والمعتقدات المتناقلة عبر الأجيال على السيطرة على أذهان ضعاف العقول، فتزرع الخوف والوهم في نفوسهم. فقد ذهب الكثيرون إلى الاعتقاد أن هذه الذبابة تحمل رسالة من العالم الآخر، فيتجنّبون لمسها أو طردها، مقتنعين بأن مصيرهم يرتبط بحركة حشرة صغيرة لا وزن لها، لكنها تتخذ في مخيلتهم مكانة رمزية وروحية مرعبة، تنذر بالموت واللعنة. وهكذا تتحول هذه الأسطورة، المبنية على جهل بقوانين التحلل الطبيعي، إلى مصدر قلق دائم يسيطر على سلوك الأفراد، ويقودهم إلى ردود فعل غير عقلانية، قد تدفعهم إلى رؤية إشارات وهمية لا وجود لها إلا في أذهانهم، فتتغذى مخاوفهم وتنمو هواجسهم لتصبح قيوداً نفسية حقيقية.
وقد حاول عدد من الكتّاب والفلاسفة والمثقفين عبر العصور التحذير من خطورة هذه الخرافات التي تنبع من الجهل، وأثرها المدمر حين تُؤخذ الأسطورة على محمل الجدّ. ففي الأدب الفرنسي، على سبيل المثال، جعلت الكاتبة (مارغريت دوراس ) من الذبابة رمزاً مأساوياً للموت والفناء، حيث تتغلغل هذه الصورة في أعمالها؛ لتثير في القارئ إحساساً بالهشاشة والعبثية التي تحيط بالوجود البشري. بينما في مجال العلوم، استخدم العالم (جان-هنري فابر ) أسلوبه العلمي والتحقيقي؛ ليُفكك هذه الخرافة، مؤكداً أن «الذبابة الزرقاء» ليست سوى كائن بسيط يخضع لقوانين الطبيعة لا أكثر، مفنّداً بذلك كل الخرافات والتفسيرات الشعبية المحيطة بها التي تبث الرعب والهلع في نفوس الناس.
أما في السياق العربي المعاصر، فقد برز الكاتب محمد ياسين خليل القطعاني في إعادة إحياء هذه الأسطورة المرتبطة بالموروث الشعبي بأسلوب وصفي مؤثر وحي، يمزج بين الحس الإنساني العميق والدقة الفنية العالية. الكاتب يهتمّ كثيراً بطبقة المهمشين والكادحين، وبسلوكياتهم ومعتقداتهم التي قد تؤثر بشكل سلبي على مصائرهم وحياتهم اليومية. هذه الطبقة التي غالباً ما تغيب عن أنظار العامة، ولا تحظى بالتعاطف الكافي، يسلط عليها القطعاني الضوء بوعي وإنسانية، ملامساً معاناتهم بصدق وجامعا في ذلك بين الرمزية والواقعية في التعبير عنهم.
في إحدى قصصه القصيرة “ذبابة الموت”، نتابع قصة مأساوية لشخص مهمش، هو العائل الوحيد لأسرته، الذي يذهب لدفن صديقه الوحيد، ليجد نفسه تلاحقه «ذبابة المقابر» التي يؤمن بأنها إذا لفّت حوله سبع مرات، ستصيبه حتما بلعنة الموت. برع الكاتب في بناء عالم غني بالمعاني والدلالات الرمزية، ونراه ينقل القارئ بعمق إلى داخل ذهن هذا المهمش المعذب بسبب جهله، فيجعله يتصارع زمنيا مع ذبابة المقابر؛ لتتحول حياته في رمقها الأخير إلى مجرد معركة مع ذبابة من أجل البقاء على حياته ليس خوفا على نفسه من الموت، بل على حالة والدته وهي تعاني من تبعات موته مثلما رآها متمثلة منذ قليل في صورة والدة صديقه المنتحبة على رحيله.
كما ينجح الكاتب في نقلنا إلى قلوب الأمهات المفجوعات بأبنائهنّ؛ ليُشعرنا بمرارة الفقد والحزن عبر وصف حي ومؤثر، يقرب المشهد من القارئ ويجعله يعيش التجربة ذاتها بكل تفاصيلها الإنسانية المؤلمة. وقد نجحت قصته في الإمساك بإيقاع ركض ولهاث هذا المهمش، متماهياً مع حالته النفسية وحالة الخوف المستمرة من الذبابة، فإذا بالقارئ يحبس أنفاسه خوفاً عليه، كلما وقع غارقاً في دمه وفي تراب الطريق، يطوق إلى نجاته رغم قناعته بحتمية موته. وفي النهاية، يترك الكاتب القارئ أمام أسئلة عديدة بعد موت هذا البائس بهذا الشكل العبثي في حضن والدته، حيث تتحقق الأسطورة وينتهي مصير ذلك الشاب المسكين، ومصير عائلته معه بفقدها لعائلها الوحيد، بلا رجعة، لتبدأ كما هو متوقع رحلة مأساوية جديدة لهذه العائلة ليس لشيء الا بسبب ذبابة. وكأنه لا يوجد فرار من هذه الدائرة الجهنمية التي يخضع لها مصير هؤلاء المهمشين.
رغم كل التعاطف الذي يثيره هذا الكائن الضعيف الذي لا اسم له تعبيرا عن عدم أهميته كباقي المهمشين، تحمل الخاتمة لمسة من السخرية المريرة، إذ لم يكن موته بفعل الذبابة ذاتها، بل كان نتيجة جهله وطريقة تفكيره؛ فكأنما هو الذي أوقع نفسه في الهلاك بتصديقه لهذه الأسطورة، لا قوى أخرى.
هذه النهاية تجعلنا نتأمل في مدى تأثير الخرافات على مصائر البشر، وكيف يمكن لعقل الإنسان أن يصبح سجناً لأفكاره ومعتقداته الخاطئة. فالموت هنا ليس لعنة خارقة، بل نتيجة واقعية لمنظومة من المعتقدات الخاطئة التي قادت به إلى الهلاك. والذبابة ما هي إلا رمز لجهل من يعتقد في الأسطورة.
وتأتي الخاتمة محملة بمعاني رمزية تدفع القارئ في التفكير في مغزاها، لنسمع محمد ياسين القطعاني كأنه يقول لنا لم تكن ذبابة هشة لتنتصر إلا على كائن مهمش أشد هشاشة منها بسبب خطورة معتقداته الجاهلة. يريد أن يذكّرنا بهذه القصة بأن الخرافات، مهما كانت جميلة أو غامضة، قد تسحر الإنسان وتضلله، بل وقد تقوده إلى الهلاك في بعض الأحيان، لذا لابد من الحذر وعدم الخلط بين سحر الأسطورة وروعة الخيال وبين الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الجدال، وبأن علينا أن ننتبه دوماً لاستمرار وجود الجهل بيننا، ذلك الظل الذي يؤدي قطعا إلى ضياع كل شيء.
* أستاذة النقد والأدب الفرنسي /جامعة القاهرة
