المَوتُ … قدرٌ بلا قلب
رؤيا نقدية
حول قصة ( ذُبابةُ الموت) للكاتب : محمد ياسين خليل القطعاني

“ذبابة الموت” قصة قصيرة تطغى عليها الروح السوداوية، و يُغلفها التشاؤم، أحداثها تدور في أثناء مُواراة جثمان صديقٍ القبر في حضور صديقه، كانا يتقاسمان معاً اللقمة الجافة والحياة الشاقة، كحال عمال (التراحيل) في الريف المصري .
تصف القصة ببراعة مشاعر والدة الصديق المتوفى وانفعالاتها، فهي أمّ تُشيّع فلذة كبدها الى مثواه الأخير، فنراها تهيل التراب على رأسها، وتتمسك بكفنه قبل دفنه حتى تمزق جزءٌ منه بين أظافرها، تنهار الأم جزعاً، فتسارع أيادي المُشيعات اللائي يشاركنها مراسم الوداع في جذبها بلطفٍ بعيداً عن جثمان ولدها، ويعملنَ على تخفيف مصابها .
ينتقل بنا الكاتب القدير إلى مشهد الصديق الذي يرعى أمه وثلاث شقيقات صغيرات، ويبرز بجلاء خوفه من الموت، وإيمانه المطلق بأسطورة تتوارثها الأجيال عن الذباب الأزرق الذي يستوطن المقابر، ويؤمن بموروث شعبي أنّ الذباب الأزرق عندما يطارد أحد الأحياء فهذه رسالة بأنه يوشك أن يغادر الحياة، ثم تتحول الأسطورة إلى يقين.
ذاك اليقين يظل يطارده، وتتكثف حالة الخوف عندما تلاحقه ذبابة الموت الزرقاء بإصرار وشراسة، وتكرر الالتفاف حوله؛ ليصبح في حالة بالغة الخوف و السوء.
من ناحية هو يخشى أن يُمسك الموت به، ومن ناحية أخرى يتملكه الرعب مما يُمكن أن يحدث لأمه وأخواته الثلاث بعده، وهذا العبء ألقاه الكاتب على كاهل الصديق؛ ليزيد قسوة لوحة الموت التي ترسمها أنامله وريشته باللون الأسود القاتم، ويضيف طبقة مؤلمة أخرى الى طبقاته؛ لتجعلنا نعيش المشهد ونحن نشفق على الصديق، وعلى أمه وأخواته الثلاث.
الكاتب جعل الصديق يخشى أنْ يُمسك الموت بتلابيبه، ولا يتركه، فالموت لا يُقيم وزناً لأي حيٍّ إذا حانت لحظته، فليس عنده اعتبارات للوضع الاجتماعي أو المعيشي، ولا يأبه بما يتركه وراءه من خراب وحزنٍ، الموت لا يشعر بما يترتب بعد( فعل الموت)، فليس الأمر مجرد ما يصيب النفوس من حزن وهم، لكن هناك أيضاً مرارة اليتم والحرمان، وافتقاد العائل، وما يترتب عليه من تشتت السبل، وتغير مسارات الحياة .
القصة لا يريد لها القاص البارع أن تنتهي قبل لحاق الصديق بصديقه؛ ليضعنا أمام نهاية مأساوية ترتبت على حتمية الموت.
لغة القصة رصينة، بليغة التعابير، وجزلة المفردات، تنم عن مبدع يملك ناصية أدواته اللغوية، ويعرف كيف يختار اللغة التي تناسب الموقف الذى يقصه علينا بحيادية، ولا نتلمس مفردات غيرها تحل محلها، وهى إحدى سمات القاص: محمد ياسين القطعاني، فهو يضعنا أمام الاحداث والشخصيات بلغة آسرة دون أن ندرك أي مباشرة، أو تدخل منه، فحالة الحكي تتدفق بتلقائية وسلاسة من سِنِّ قلمه؛ ليقدم لنا قصصه التي تثير إعجابنا، ونظل في ترقب، ولا نعرف إلامَ ينتهى مصير الصديق حتى نقرأ آخر كلمة، وإن كانت على غير ما نتمنى بعد أن نجح في إثارة تعاطفنا مع الصديق وأسرته.
جمهورية مصر العربية
