غربة فوزي نجاجرة

غربة فوزي نجاجرة

…بين واقعية الألم ورمزية الوطن

          وفاء داري

من يقرأ روايات الروائي الفلسطيني “فوزي نجاجرة “، يلمس انتصاره لقضايا المرأة والمجتمع وتسليط الضوء على المسكوت عنه. كما تتجلى الوطنية في سطوره وبين كلماته من خلال كشف معاناة الشعب الفلسطيني، وفضح الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال. ومن هنا تأتي القراءة التحليلية لرواية “غُربة” الصادرة عن دار دجلة للنشر والتوزيع في 285 صفحة.

بطل الرواية محمود، يتيم الأب، وأخته صفية منذ الطفولة. بعد عامين يفقدان الأم أيضًا، لتبدأ رحلة المعاناة. لم يترك الكاتب فسحة استراحة بين طيات فصول روايته للقارئ، في وتيرة تصاعدية مستمرة من حل عقدة لتبدأ حبكة العقدة الأخرى ليكون التشويق سيد المواقف. رغم شحنات الواقع المرير التي تتخلل سردية الرواية؛ فهل تُعد الرواية تراجيدية بجدارة تعبّر عن حتمية الوجع الإنساني، أم أنها تنزلق نحو السوداوية حيث يغدو الألم خيارًا وجوديًا ووعيًا باللاجدوى؟

العنوان: ترمز ” غُرية” الى عزلة البطل محمود بعد فقد والديه، إذ يعيش غربةً مزدوجة داخل مجتمعه وذاته، باحثًا عن معنى للانتماء والنجاة.

صورة الغلاف: تظهر السفينة في عرض البحر، في مشهدٍ يوحي برحلة تيه في محيطٍ كوني، توحي بغربة الإنسان في المجهول. ولربما لا تنسجم تمامًا مع سردية الرواية الاجتماعية الواقعية ذات الطابع القروي المأساوي.

الشخصيات (البطل محمود والشخصيات المحورية): عمَّه عيسى وزوجته، جدّه محمد، صفية أخته، الصديق جميل، صديق والد البطل ناجي صبري، المديرة شهيرة، زوجة البطل حليمة. الى جانب شخصيات أخرى مساعدة.

تبدأ رحلة البطل محمود وأخته صفية مع المعاناة من العم عيسى وزوجته لتصل يد الجبروت صفية في عمر الثالثة عشرة، في عملية صفقة زواج مقابل دونم أرض لابن البلدة الذي يكبرها بخمسة عشرة عامًا، للتنقل المعاناة الى يد الزوج.. ليبقى البطل يعاني هو الآخر من الضرب والشتم وإهانة يومية تسبق وجبات الطعام، بل وتحلّ محلّها. حتى تأتي فكرة شيطانية لمحمود وهو في الرابعة عشر للخلاص من عمه وزوجته. في لحظة تتقاطع فيها البراءة مع المكر الطفولي، يخبر محمود زوجة عمّه كذبًا بوفاة زوجها، فتخرج إلى الشارع مذعورة لتُدهس بسيارة وتموت في الحال. ثم يعود ليخبر عمَّه عيسى بوفاة زوجته، فيُصدم ويسقط ميتًا هو الآخر، لتتحقق فكرة الخلاص كما تخيّلها الفتى في سويعاتٍ تحاكي سخرية القدر. بفعل محمود وطريقته في الخلاص منهما يضعنا البطل – بل الكاتب أمام مساحة للتفكير والتأمل في دوافعنا الإنسانية، وفي مواجهة مع ذواتنا وحقيقتنا ودوافعنا. فهل الغاية تبرّر الوسيلة؟ أم هو تفكير وجودي وفعل مستحق؟ أم الفعل غير محسوب المآل؟!

لم تنتهِ معاناة البطل محمود بعد الخلاص من ظلم عمَّه وزوجته، بل بدأت في أوجه أخرى كثيرة بداية يذهب للعيش مع جده لأبيه يعمل حلاق ليكمل دراسة في التربية، يعاني في محاولة إصلاح حياة أخته صفية ومعاناتها مع زوجها.  يُكوِّن صداقة مع زملائه في المرحلة الجامعية (صالح، خالد، جميل، عبد الهادي، ليث)، لم يصمد منها في وجه المواقف سوى صداقته مع جميل. من خلال هذه الصداقة استطاع أن يتصالح مع الحياة. يعاني البطل محمود من قلة الشواغر بعد تخرجه. وما أن يحصل على وظيفة معلّم حتى يفقدها بسبب الفساد في مطبخ وأروقة وزارة التربية والتعليم على يد زميلٍ في العمل “ماجد”، ليتم فصله.. وما أن يحصل على وظيفة اخيرًا وتهدأ سريرته ويجد حب عمره مع مديرة المدرسة، وهي أكبر من أمة في محاولة لتعويض نقص عانى منه منذ طفولته عن حنان الأم، لكنه يخسر هذا الحب بموت حبيبته في يوم زفافهما، نهاية الفصل السابع. رغم أنها صادمة فهي أيضًا مختلفة، يتقوقع على نفسه يستقيل من عمله. ليبدأ رحلة استقلال جديدة، متنقلًا من وظيفة إلى مشروع تجاريّ (مزرعة دواجن). وطبعًا لا يدع الروائي نجاجرة مجال للاستراحة فيأخذنا معه في أحداث تصاعدية جديدة ما ليبث أن تنتهي لتبدأ أخرى. الا أنه يجد حبًا آخر ليستقر في حياةٍ زوجية ويرزق الأبناء ليعيش حياة أسرية ليفرح القارئ كما البطل في هذا الاستقرار. لكن هذا الفرح لا يلبث أن يتبدد، كهدوءٍ يسبق عاصفةٍ. لتأتي النهاية بالطامة الكبرى على البطل محمود في نهاية شبة مفتوحة بحرق المزرعة والمصنع على يد شرطة الاحتلال.

 الأسلوب الأدبي واللغوي

كتب فوزي نجاجرة رواية غُربة بضمير المتكلم، جاعلًا من البطل محمود مرآةً تعكس تيارًا متدفقًا من الوعي الداخلي. جاء السرد خطيًا في الظاهر، وفي الجوهر تكمن سردية الاسترجاع.  يتشظّى نفسيًا عبر تداعيات الذاكرة وتأملات الذات. سمح الكاتب لأصوات أخرى أن تتحدث بضمير المتكلم، مانحًا الرواية بعدًا حواريًا غنيًا. لغته سهلةٌ في ظاهرها، لكنها مكثفةٌ، عميقة الإيحاء، كما في قوله (ص75): “فتح عمي عيسى عينيه فتحة تتسع لمثلي ولعشرة من أمثالي، ولم يتفوه بكلمة.”

القصائد النثرية الحداثية: اعتمد نجاجرة توظيف القصائد النثرية داخل النسيج السردي، لتكون صدى للعاطفة الداخلية للشخصيات. هذه المقاطع الشعرية القصيرة، مثل ما جاء على لسان صفية (ص67): “تعبت من روحي وسئمت، من حكمة الفؤاد الحزين، ومن صمت النفس، ومن الظلم والظالمين “الخ، تمثل ذروة الوجع الأنثوي في الرواية، وتكشف عن توتر اللغة بين السرد والشعر.

رمزية الاقتباسات ودلالاتها: يوظف الكاتب اقتباسات ومقولات مأثورة تشي بثقافة واسعة، كما في قوله (ص71): “عندما يتخلى عنك الجميع… كن كالذئب كلما أصبح وحيدًا ازداد قوة.” لنزار قباني، أو في استحضاره لجبران خليل جبران (ص13): «يتحدثون في ظهري ويبتسمون في وجهي…». هذه الاقتباسات تشكّل طبقة رمزية تضيف بعدًا فلسفيًا وتأمليًا للنص، فيما يعكس ذكر (جحا جابر ورامبو الحبشة – ص76) هو لقب يُطلق أحيانًا على الكاتب الإريتري “حجي جابر”، في إشارة مجازية تعكس جرأته في الكتابة عن القضايا المسكوت عنها. أما “رامبو” المعروف بالتمرد والمقاومة، للدلالة على قوة طرحه الأدبي وجرأته السياسية والفكرية، جرأة وجاجرة جاءت في مقاربة المسكوت عنه، واتساع أفق التناصّ الثقافي بين المحلي والإنساني.

الثيمات والرسائل ونقاط القوة:

تتعدد الثيمات في رواية غُربة لتغطي أبعادًا اجتماعية ووطنية وفكرية عميقة. يسلّط فوزي نجاجرة الضوء على المسكوت عنه من الظواهر الاجتماعية، كمعاناة الأيتام وظلم الأقارب كما داء في سردية الرواية: “لقد استغلنا عمنا بصورة بشعة بعد فقدنا لأمنا ولم يرحمنا، فكثيرٍا كان يضربنا ضربًا مبرحًا دون سبب”(ص44)، كذلك تطرق الكاتب لظاهرة وزواج القاصرات، وحرمان المرأة من حقّها في الاختيار كما في قصة شهيرة. كما يتناول نظرة المجتمع الظالمة للأرملة من خلال مشهد تحرش سعدون بحليمة (ص240)، كاشفًا هشاشة القيم الأخلاقية في مجتمعٍ مأزوم.

وطنيًا، يضيء الكاتب على معاناة الأسرى في سجون الاحتلال (ص110)، مقدّمًا خطابًا إنسانيًا متعاليًا على الشعارات، يعبّر عن الألم الفلسطيني من الداخل. كما يوظف عامل السخرية والمفارقات (ص133) ليحوّل المأساة إلى تراجيديا سوداء تكشف زيف الخطاب الديني والاجتماعي.

وفي محور الفساد الوظيفي، يعرّي نجاجرة البيروقراطية المقيتة والوساطة والرشاوى (172ص)، مبرزًا رمزية “منفضة السائر” كاستعارة فلسفية عن انقياد الإنسان للسلطة.

على الصعيد الوجودي، يضع الكاتب أبطاله أمام أسئلة فلسفية عن المعنى والغاية والكرامة (ص144)، بين المطرقة والسندان، بين الممكن والمأمول. كما يرسم صورة نقدية لجيلٍ تائهٍ فارغ المضمون، غارق في التكنولوجيا، فاقدٍ لهدفه الإنساني. وفي المقابل، يكرّس حضور الهوية والتراث عبر الأمثال الشعبية (ص242–243) والأزياء الفلسطينية التقليدية (ص36، ص262)، لتبقى الذاكرة الجمعية حاضرة في مواجهة الاندثار. وأخيرًا، يشير الكاتب إلى رمزية الوفاء الوطني باستحضار شخصية القائد ياسر عرفات (ص96)، في لفتةٍ تحمل عرفانًا وتذكيرًا بجذور النضال الفلسطيني

على الرغم من القيمة الإبداعية العالية لرواية غُربة واتساع رؤيتها الإنسانية والاجتماعية، فإن القراءة النقدية الدقيقة تكشف عن بعض الملاحظات الشكلية والفنية التي لا تمسّ جوهر العمل، لكنها تستحق الإشارة إليها بوصفها فرصًا للتحسين.

أول هذه الملاحظات تتعلق بالواقعية السردية في تصوير الجد، الذي بلغ من العمر ما يقارب المئة عام، وظل قادرًا على رعاية أحفاده والسفر إلى رام الله (ص94)؛ وهو تفصيل قد يضعف منطق السرد الواقعي. كذلك جاء الجانب العاطفي متأخرًا في النسيج الروائي (ص182)، إذ لم يخض البطل تجربة حب حقيقية إلا في سن الرابعة والثلاثين، ولو توزعت هذه التجربة على مراحل الرواية لخلقت توازنًا عاطفيًا يكسرحدة التراجيديا. أما الاقتباسات الأدبية من كتاب آخرين، مثل (أحلام مستغانمي – عابر سبيل، ص109)، فقد بدت غير ضرورية في بعض المواضع، لأن خيال نجاجرة السردي كان قادرًا على إنتاج رموزه الذاتية دون الحاجة إلى إسناد خارجي. كما يُلاحظ إدراج عناصر غير لازمة في عملٍ روائي كصفحة الفهرست أو المراجع، وهو ما يتنافى مع الطابع الإبداعي الأدبي. وفي بعض المقاطع، تراجع الوصف المكاني والتفصيل البيئي مقارنة ببداية الرواية الغنية بالحياة الريفية، ما أحدث تفاوتًا في الإيقاع السردي.

ومع ذلك، تبقى هذه الملاحظات تفاصيل شكلية طفيفة لا تقلّل من جودة العمل ولا من قوته الإنسانية، بل تؤكد وعي الكاتب بطبيعة الرواية الواقعية التي تسعى إلى التقاط تفاصيل الحياة الفلسطينية في صراعها بين القهر والأمل وتظل النهاية، رغم واقعيتها الرمزية وصدمتها، شبه مفتوحة على احتمالات أقل مأساوية كان يمكن أن تمنح البطل فسحة إنصافٍ بعد معاناة طويلة وشحنات الوجع التي تراكمت في سردية الرواية.

في الختام: يمكن القول إن رواية غُربة للروائي فوزي نجاجرة قدّمت نصًا إنسانيًا متين البنية، متعدّد الطبقات، جمع بين الواقعية الاجتماعية والرمزية الوطنية. ورغم اكتمالها من حيث البناء والحبكة، ربما كانت بحاجة إلى نهاية تُنصف البطل بعد مسار طويل من المعاناة، وتمنحه فسحةً من العدالة أو التعويض الرمزي. غير أنّ اختيار الكاتب لنهاية مأساوية باحتراق المزرعة والمصنع على يد الاحتلال يظلّ منسجمًا مع رؤيته الواقعية الصادقة، ويمنح النص بعدًا رمزيًا عميقًا يربط بين المأساة الفردية والمأساة الجمعية للشعب الفلسطيني. إنها نهاية مفتوحة على الألم، لكنها أيضًا مفتوحة على الذاكرة والمقاومة والأمل في بقاء الإنسان رغم الغُربة.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com