ما بين الجبن والجبنة…
ضاعت الحقيقة!

لم يكن في الماضي البعيد ما يثير الخوف والضحك في نفس الوقت مثل قصة ” جنون البقر ” التي اجتاحت كل الأخبار وأذهلت الناس عبر ربوع العالم . فتحولت فجأة السيدات الكريمات “المعبودات ” في عوالم أخرى – الأبقار – الى مصدر رعب لا تفسير له . وأتذكر كيف صارت المدن في ذلك الزمن تتناقل التحذيرات بعد أن خلت الضيعات فجأة من كل الأبقار ، فانتشرت معها القصص والروايات المتراوحة بين الهلع والفكاهة . وهنا نسيقظ من جديد على عودة السيدة البقرة لتضحك – لست أدري ألنا أم علينا – بعد أن خلت رفوف المتاجر منها ، وهو ما أعاد لي صورة ” خلو الضيعات منها ذات يوم مضى ” . فليس الخوف هو المسيطر هذه المرة، بل جنون الشائعات، الافتراضات، القراءات … فتحولت فجأة ابتسامتها الشهيرة على العلبة إلى دليل إدانة، وكأن السيدة البقرة كانت تسخر منا ولازالت، وربما أنها باقية كذلك… ؟ وبعد أن كانت من رموز الرعب، ها هي تتحول اليوم إلى أيقونات سخرية يبتلعها المجتمع طواعية قبل أي تفكير. فتختلط ابتسامتها بالهلع الجمعي والفضول المعرفي في مشهد يأبى إلا أن يجمع بين الماضي والحاضر بطريقة لا تخلو من الغرابة، بعد أن استيقظ الناس ذات صباح على خبر 【 جبنة البقرة الضاحكة – وغيرها – تحتوي على مواد مسرطنة !؟ 】 فصارت ابتسامتها دليل إدانتها وكأني بها تسخر منا منذ الطفولة وتهمس لنا في السر قبل العلن قائلة : “كلو… وسنرى من سيضحك أخيرا ” .
لقد اشتعلت وسائل الإتصال والتواصل، وصار كل مواطن خبيرا متجولا في التغذية، يجود بالنصائح على جيرانه ومعارفه، في حين أقسم آخرون أن لايفتحوا لها أبواب منازلهم، وكأنها خصم سياسي خذلهم في الانتخابات – قبيل وصول موعدها – ولا أن يمنحوها ثقتهم للترشح على رأس قائمة الجبن لولاية جديدة – على غرار ما هو سائد هذه الأيام في اللعبة السياسية ببلادنا –
كل ذلك ولا أحد سأل نفسه ببساطة ، عن مدى صحة ادعاء ” التسرطن ” وكأن التحقق صار رفاهية في زمن طغت فيه فكرة ” انشر ، عمم حتى قبل أن تفكر ” لتحوز شرف السبق إلى المعلومة .
هكذا صرنا نعيش عالما حتى البقر فيه يتهم بالتامر والابتسامة تستقبل بالريبة، أما الضحك فهو يحتاج إلى رخصة مخبرية. وربما لو كانت السيدة البقرة الضاحكة أكثر جدية – في صورتها – أو أنها عبست قليلا، لما شك أحد في نواياها الغذائية.
أما نحن فسنظل نبحث عن مؤامرة في كل وجبة وعن سرطان في كل طبق حتى نكتشف في النهاية أن أخطر مايهدد صحتنا ، ليس جبن البقرة الضاحكة ، بل هو :
* الشائعة التي نبتلعها يوميا بلا تحليل ولا هضم
* الثقة المفقودة في الكثير ممن أوكلناهم بعضا من أمورنا .
* التشبت بالكراسي والمناصب بعيدا عن أي استحضار للمصلحة العامة .
* الإرتماء في أحضان الخرافة والتمسح بها لتحقيق المبتغيات .
وفي انتظار الأجمل دوما، دمتم أحبتي متألقين بالكلمة والابتسامة الحقيقية ، حتى لا تتحول السيدة البقرة الضاحكة مرة أخرى إلى بقرة باكية أو تُعَاوِدُها حمى الجنون .
