أسماء من الذاكرة
رجال أشداء من الإعلام المغربي
سعيد الحبشي الأستاذ والزميل في مهنة المتاعب، ينبش في الذاكرة…تجربة من ومع إعلاميين من نوع مميز ونادر، لهم بصمات ستبقى في تاريخ الإعلام المغربي خالدة.
نترك قراء “ألوان” مع الحلقات الثلاث التي أنجزها وهو يستحضر تجربته الإعلامية مع أسماء من المجال الإعلامي من الزمن الجميل.
الحلقة 1: محمد صوف
من بين أسماء الصحافيين الذين عشت بداياتي معهم في المجال، ولن يبرحوا ذاكرتي…
الأديب محمد صوف، فبغض النظر عن عموده الصغير والممتع، شبه اليومي، الذي كان يصدر على الصفحة الأولى للجريدة، تحت عنوان “ملء الصدى“، كان الرجل أنيقا وصاحب أخلاق عالية وسلوك راقي، جدير بمنحك صورة مثالية عن المثقف العارف، الأجمل من ذلك أنه كان رجلا حكيما متزنا وهادئا في أغلب الأحيان، لا يعادي أحدا وليس له أعداء مطلقا، ولم يكن متصنعا أبدا، كان رجلا أديبا وجد نفسه في وسط الصحافيين وهؤلاء لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وهذا جعله محترما بشكل أساسي ومحبوبا من الجميع، انطلاقا من المرحوم علي يعته، رأس الهرم في الجريدة، وحتى أبسط أجير في المؤسسة، أنا بدوري كنت معجبا بشخصيته المتميزة ودماثة خلقه كثيرا، وحاولت جاهدا أن أسير على حدوه ولكن لأنني إنسان مزاجي وذو طبيعة فوضوية متغيرة، لم أتوفق غالبا، وكان لدي دائما الإيجابيات والزلات، الأصدقاء والأعداء.
الحلقة 2: عبد الكريم بن الصغير
من بين أسماء الصحافيين الذين عشت بداياتي معهم في المجال، ولن يبرحوا ذاكرتي…
عبد الكريم بن الصغير، كان انطباعي الأول عنه بالغ السوء، وبدا لي شخصا عصبي المزاج، يصرخ يسب ويلعن ولا يقيم وزنا لأحد، قبل أن أصل بعد أيام قليلة، إلى كبد الحقيقة، وهي أن هذا الإنسان كان من فئة الطيبين الذين تأكل الطيور في أيديهم، كانت أول كتابات نشرتها في الصفحة التي يشرف عليها، بمجرد انخراطي في الصحافة كمراجع لغوي، كان بن الصغير أهم من يملك مذكرة عناوين كبيرة، وفي كل المجالات، وله علاقات متشعبة مع أشخاص في مختلف الميادين، الجميع كانوا يقصدونه حينما يحتاجون لأدنى مساعدة على قضاء بعض الأغراض والمآرب، وكان لا يبخل على أحد، بل كان يساعد أحيانا حتى أولئك الذين لم يكن يخفي عنهم أنه لا يحبهم أو يستلطفهم، كان صاحب يد ممدودة، ولم يكن يرتدي أي قناع، يتحدث بتلقائية ويواجه أيا كان بجرأة كبيرة، وحين كنت تجلس إليه في مقهى لاريول (قهوة زيدان) كان يستضيفك على قهوة، وتجد لديه الكثير من اللطف، وبعض النصائح الوازنة.
وكان سي بن الصغير أطال الله عمره، مشرفا على الصفحة الأخيرة، وكانت دائما ذات طبيعة ثقافية وفنية وباعتبارها صفحة خارجية فإنها لم تكن تقل في شيء عن الصفحة الأولى، لم أستطع أن أكون مثل هذا الرجل الاستثنائي، لكنني ورثت عنه هذه الصفحة التي بقيت مشرفا عليها سنوات طويلة بعد ذلك حتى أحلت على التقاعد.
الحلقة 3: نور اليقين بنسليمان
من بين أسماء الصحافيين الذين عشت بداياتي معهم في المجال، ولن يبرحوا ذاكرتي …
نور اليقين بنسليمان: الكاتب الصحافي، المكلف بالصفحة رقم 3 التي تهتم بالأخبار الوطنية في الجريدة، كان يضع أفضل تنسيق للمواد والصور على صفحته، من خلال النموذج الأولي الذي يخطه على ورقة مستقلة نسميها الماكيت، كنا آنذاك نمتلك إمكانيات جد بسيطة، ولم تكن التكنولوجيا المتطورة قد غزت بعد، مجال الطباعة، صورة الصفحة لم تكن سوى انعكاسا لشخصية صاحبها الذي كان جد حريص على أناقته الخارجية، وعلى مستوى أخلاق يحيلك على انضباط وصرامة مناضلي اليسار التقدميين، القدامى، يتعامل تقريبا مع الجميع دون تكبر أو مركب نقص، لكنه، وعلى ما فهمت ساعتها، أنه كان صاحب رأي رافض لكل ما كان يجري ساعتها، يتحدث مع التقني الذي يركب صفحته وهو في أشد حالة الانتباه، موجها ومعدلا، ولا يغادر قبل أن يضبط كل الأمور بدقة شديدة، (Perfectionniste)، وقد كان يضحك مع الزملاء أيضا ويتبادل النوادر ولكن ذلك كان يحصل ناذرا، كانت الجدية هي الطابع الغالب، وفي مكتبه الكبير والمنفرد في مقر لاجيروند، كنت حين تطل عليه تجده منكبا على عمله بحرص كبيرة، بين تصحيح وتنسيق ما يتوصل به من مراسلين – كان بعضهم يكتب باللهجة الدارجة – وكنت في بداياتي، أتعجب كيف يستطيع هذا الرجل أن يحول كومة الأوراق هذه، إلى صفحة ممتعة في المشاهدة قبل القراءة، كان نور اليقين أطال الله في عمره، صحافيا جادا و فنانأ من الطراز الرفيع.(Maquettiste)
في سنواتي الأخيرة صرت بدوري منسقا جيدا، أحرص بشدة على جمالية صفحاتي اليومية بموازاة مضمونها، ولكن ساعدني الحاسوب على ذلك، وهو ما لم يكن متوفرا في الفترة التي نتحدث عنها.
معذرة لأنني استعملت مصطلحين بالفرنسية وذلك لأنني لم أجد لهما مقابلا دقيقا باللغة العربية.
سعيد الحبشي
