حكاية مجموعة غنائية أضاعت بوصلتها

حكاية مجموعة غنائية أضاعت بوصلتها

يوم أضاعت ألبوم صورها…

عبد الحق السلموتي.

مجموعة الوفاق: 1979 – 1985: 

– إلى إخوتي الذين يصغرونني عمرا، والذين تشربوا مني عشق مجموعة لمشاهب، فهاموا بها وأحبوها أكثر مني.

– إلى كل من عشق وأحب وساند، تجربة مجموعة الوفاق الغنائية، زمن ظهورها وتألقها.

– وإلى كل من يسكنه هوى درب السلطان، مهما تغرب وابتعد عنه.

أهدي هذه الورقة الفنية.

**************

كانوا في سن المراهقة. وقتهم الفائض عن الدراسة، أي ما يطلق عليه بالوقت الثالث، كانوا يقضونه بين إجراء مباريات في كرة القدم، بفضاءات وأماكن، يخلقون منها ملاعب، أو شبه ملاعب، غير بعيدة عن منازلهم بالزنقتين، 65 و66 بدرب الشرفاء، أو الذهاب من حين لآخر عبر جماعات ، إلى إحدى قاعات السينما بدرب السلطان: الملكية أو الزهراء أو الكواكب…قصد مشاهدة فيلم كاراتيه، أو فيلما هوليوديا من أفلام الحركة، أو الحرب أو الجريمة، أو ما شابه ذلك.

عندما خرجت إلى الوجود، مجموعة لمشاهب، لتليها السهام فيما بعد، انضاف لأفراد هذه الشلة ولع جديد، إذ وجدوا ذواتهم تتجاوب، مع موسيقى وكلمات هاتين المجموعتين الغنائيتين، ومع الأولى منهما بشكل أكبر، فشرعوا يتبادلون فيما بينهم أشرطتها المسجلة، عبر “الكاسيت”، تماما كما كانوا يتبادلون أشرطة أشهر المجموعات الغنائية الغربية وقتها: “البونيم”، آبا أو البيتلز…وخلال أحد أيام شهر فبراير من عام 1979، ستتاح لأفراد شلة درب الشرفاء فرصة مشاهدة الحفل الأول

لمجموعة السهام، بالمسرح البلدي بالدار البيضاء لفائدة الطلبة، بمقابل رمزي لم يتجاوز ثلاثة دراهم ستصبح خمسة ثم عشرة، في حفلات موالية. مواكبة هذا الحدث الفني الكبير، لرفاق عبد المجيد مشفيق. بإعجاب وانبهار، بالغناء الجماعي الجميل، وتفاعل الجمهور الأجمل. كل هذا سيعجل بإخراج تلك الرغبة الدفينة في نفس كل فرد من شلة درب الشرفاء، بتأسيس مجموعة غنائية مماثلة، ولو تكتفي بالتقليد في بدايتها.

انطلقت التداريب والتمارين، بمنازل الفتية المهووسين بأغاني المجموعات، التي اكتسحت الساحة الفنية، مباشرة بعد سطوع نجم ناس الغيوان، مستهل السبعينيات. أحد أبناء الدرب، وكان يمارس المسرح، على سبيل التسلية والهواية، بأحد الأندية الذي كان يطلق عليه “نادي الوفاق المسرحي”، بفرع ساحة السراغنة، لأحد الأحزاب الوطنية العريقة، اقترح على أصدقائه الانضمام للنادي، ثم التمرن تحت لوائه بإحدى القاعتين الصغيرتين بفرع الحزب. الانضمام لهذا النادي وإن لم يعمر طويلا جعل هؤلاء المغامرين الشباب، يستمدون اسم مجموعتهم منه، وهكذا خرجت إلى الوجود مجموعة الوفاق الغنائية. صديق آخر، كان نشيطا بالعمل الجمعوي، وكانت تجمعهم به، مباريات كرة القدم بملعب ليرميطاج، دعاهم بعد أسابيع قليلة، على تأسيسهم المجموعة، إلى حضور حفل فني بنادي عبدالسلام بناني، المحاذي لكراج علال . هناك سيتم التلاقي الأول، مع رئيس جمعية المسرح الشعبي، الذي سيدعوهم لزيارته بمقر تدريب فرقته بنادي العروبة، الذي تلجه عبر الباب الكبير، لملعب “لاجونيس” بسيدي معروف، أو من باب صغير خلفي، مجاور للساحة الشهيرة بنهاية الحافلة رقم 6. في هذا المقر، وفي تلك العطلة الصيفية، لآخر عام من سبعينيات، القرن الماضي، لم يعد أفراد المجموعة كسابق عهدهم، يشتكون من الفراغ، والتعب والملل من فعل الشيء ذاته كل يوم خلال تلك العطلة المدرسية الطويلة. غدا الفتية يتوفرون على مكان للقاء والتشاور والتدريب.

بعيدا عن أجواء الأعراس والحفلات العائلية، قدمت مجموعة الوفاق بعض الأمسيات الفنية، بفضاءات عمومية، على فترات متباعدة، من الأعوام الخمسة الأولى، من ثمانينيات القرن الماضي. تحتفظ ذاكرتي بثلاث منها، بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة. كانت أمسيات عبقة وجميلة، وتبقى أبهاها ربما هي أولاها، التي قدمت فوق خشبة دار الشباب بوشنتوف. تفاعل الجمهور الحاضر ليلتها، مع المجموعة الفتية الشابة، وهي تعيد أداء أغاني شهيرة، لكل من لمشاهب والسهام بحنكة كبيرة، واثقان ملحوظ، إن على مستوى العزف أو الغناء، في المقاطع الجماعية كما الفردية. تميزت هذه السهرة بلمسة فكاهية، باقتراح من الفاعل الجمعوي الفذ “محمد زكاري “رئيس جمعية الصداقة، الجهة المنظمة للسهرة، الذي دعا الفنان عبدالاله عاجل . لتقديم بعض إبداعاته الساخرة، خلال الفترة الفاصلة، بين الجزء الأول والثاني من السهرة. كان عاجل وقتها في بداية مشواره الفني، يقدم مونولجات تجمع بين الفكاهة والغناء، بالموازاة مع ذلك كان يشارك في المسرحية المتميزة، التي شغلت الساحة الفنية، والدنيا والناس، في مرحلة تقديمها، حيث حطمت رقما قياسيا في عدد عروضها المقدمة. “زهرة بنت البرنوصي “هو عنوان المسرحية المعنية بحديثنا، وهي للفنان سعد الله عبد المجيد، تأليفا وإخراجا، وكانت تلعب الدور الرئيسي الثاني فيها، الفنانة نجوم الزوهرة، التي ستغدو لاحقا ، رفيقة درب عاجل، في الحياة كما فوق الخشبة. السهرتان المتميزتان الأخيريتان، لمجموعة الوفاق، قدمت احداها فوق خشبة قاعة العروض بدار الشباب امحمد بن سودة، بابن مسيك، بدعوة كريمة من الفاعلين الجمعويين: عبد الحق أزهر ومحمد بلحرشي، المنضويين بجمعية الغصن الأخضر الجهة المنظمة للأمسية. السهرة الأخرى، جرت أطوارها بحي الأحباس، بقلب درب السلطان، فوق خشبة، بقاعة فسيحة، تابعة لشبيبة حزب الاستقلال.

خلال هذه الحفلات الثلاث، امتلأت قاعات العرض عن آخرها، بجمهور من أعمار مختلفة من الجنسين معا، كما أن نصف الجمهور يتكون عادة من أفراد من محيط قاعة العرض، والنصف الآخر مكون من أبناء وبنات درب الشرفاء ودرب الطلبة ودرب الفقراء، وأحياء أخرى مجاورة. كان هذا الجمهور يتبع مجموعته الغنائية المحبوبة، إلى تلك الفضاءات، لمؤازرتها وتشجيعها، والغناء معها، والرقص على نغمات بعض المقاطع، من الأغاني الرائعة المرددة. جمهور الوفاق، كان يشبه إلى حد ما محبي فرق كرة القدم الشهيرة الذين يلاحقون فرقهم، أينما حلت وارتحلت.

هذه المشاركات الثلاث المميزة، يضاف إليها، ذلك المرور العذب والجميل، بالتلفزة المغربية، عبر برنامج الوقت الثالث، الذي كان يقدمه محمد شيبان. شاركت الوفاق وهي في بدايات تأسيسها للفرقة. رفقة طاقم من تلاميذ إعدادية الجاحظ، حيث كان أفراد المجموعة يتابعون دراستهم. مشاركة المجموعة أذيعت عبر حلقتين، الأولى هي الحلقة الخاصة بإعدادية الجاحظ، والثانية في حلقة أخرى، بمعدل أغنيتين في كل مشاركة. والأغاني هي تقليد بطبيعة الحال، لأغاني من ريبرطوار المجموعات المحترفة.

الفترة الزمنية، التي نتحدث عنها، كان يجاور فتية الوفاق في السكن، بدرب الشرفاء، الفنانة المتألقة، صاحبة الصوت الدافئ، والابتسامة والضحكة الطفولية العذبة، الراحلة رجاء بلمليح، التي اشتهرت بأداء “يا جار وادينا “وروائع أخرى من الصعب نسيانها. النجمان الآخران المجاوران لسكن فتية الوفاق، هما “ مصطفى الحداوي “ و “ حسن موحو “ . نجمان كبيران وساطعان، ترعرعا بدرب الشرفاء، وتألقا معا بفريق الرجاء البيضاوي، ثم المنتخب الوطني، أولهما بخط الوسط والثاني بخط الدفاع.

مجموعة الوفاق، موضوع ورقتنا المتواضعة، كانت تتوفر على ألبوم تجمع فيه كل الصور، التي توثق لمشاركاتها المتعددة، في الحفلات والأعراس والسهرات، التي تحييها وتشارك فيها. كان هذا الألبوم، يرافق المجموعة أينما حلت وارتحلت، تمنحه لكل راغب في المزيد من التعرف عليها. كان وسيلتها الإشهارية والدعائية، إن صح القول. وفي صيف 1985، عادت المجموعة من حفلة لها بمدينة الجديدة. فور الوصول إلى الدار البيضاء، أو ربما قبل الوصول إليها، تفقد أعضاء الفرقة أمتعتهم بحثا عن الألبوم، فلم يعثر له على أثر. كلما ذكر اسم فرد، بصفته آخر من كان يحمله بين يديه، إلا وأنكر. وبعد أيام، تم تكليف الشخص الذي اقترحهم ورافقهم للغناء، بذلك الحفل للبحث عن الألبوم المفقود وكان دائم التنقل بين عاصمة دكالة وكازا، لكنه أخبرهم بأنه، لم يتم نسيانه هناك.

ضياع الألبوم، أدخل عناصر المجموعة في حالات كآبة. لم يعد الواحد منهم يرغب في الحديث عن الموضوع. ويفضل الابتعاد والهروب من الدرب. استمرت الأمور على هذا الوضع أسابيع قليلة، قبل أن يعود الحال بالتدريج لما كان عليه سلفا، وإن ظل كل فرد من فتية المجموعة، يكثم بداخله الحسرة والألم، على ما ضاع. فقد كان كل من يحمل الألبوم الضائع بين يديه، يشعرأنه في ملكه الشخصي، وأنه يوثق لمساره الغنائي المتواضع. والواقع أنه كان في ملكية الكل، وكان يوثق لتلك الرحلة الفنية، لكل أفراد المجموعة، رغم قصر مدتها التي لم تتجاوز ستة أعوام.

اكتفاء الوفاق، بإعادة أغاني المجموعات الشهيرة، ثم بعض العيوط والأغاني الشعبية، لم يمنعها من الانتشار الواسع، واكتساب شهرة ملفتة، بدروب وأحياء درب السلطان، ثم بدروب وأحياء أخرى، خارج درب السلطان، دون الحديث عن بعض المدن المغربية، التي زارتها وأحيت فيها حفلات، تركت بها أثرا طيبا وحميميا، خلال تلك الأعوام الخمسة الأولى من الثمانينيات. صحيح أن المجموعة حديث درسنا، رغم ما راكمت من تألق ونجاح، لم تخرج من جبة المجموعات الغنائية الكبيرة، السالفة الذكر، لعوامل عدة، لعل أبرزها، يفاعة أعمار أفراد الوفاق، الذين كانوا يتابعون دراستهم الثانوية، بالموازاة مع الغناء، أضف إلى ذلك، الضغط بغير قصد الإساءة، ولكن المشفوع بفائض من الألفة والحب من قبل أبناء الدرب، الذين احتكروا المجموعة لإحياء الحفلات العائلية، من زواج وعقيقة، وأعياد الميلاد وغيرها. وفرة فرص الغناء في هذا الصنف من الحفلات، بشكل تطوعي في جزء هام منها، لم يكن يترك لفريق المجموعة، متسعا من الوقت، لبناء ورسم مسار خاص بها ، كـنجوم الليل، ونجوم بوركون. أو أهل النشاط أو لرصاد، وغيرها من المجموعات الشابة، خلال تلك المرحلة.

عودة للألبوم، فقد كان ضياعه إنذارا، بقرب نهاية مسيرة مجموعة غنائية شغلت الناس. وأقامت الدنيا ولم تقعدها، بدرب السلطان بالدار البيضاء وخارجه. ضاع الألبوم بمدينة الجديدة، أو خلال رحلة العودة منها إلى درب الشرفاء. احتمالان من الصعب اتباث صحة أحدهما، وبطلان الآخر. تبقى الحقيقة الوحيدة التابثة، هي توقف أفراد الحي المواجه لإعدادية الجاحظ، عن الاجتماع من أجل الغناء، مباشرة بعد فقدان وضياع ألبوم صورهم الجماعي، ليباعد الزمن بينهم تدريجيا، لكن الصداقة التي جمعت بينهم، منذ أعوام الطفولة الأولى ظلت ولا تزال قائمة إلى اليوم، رغم بعد المسافات بين بعضهم البعض، إلا أن الحنين لاسترجاع ذكريات تلك الأيام، لم يفتر يوما.

مجموعة الوفاق الغنائية، تكونت زمن تأسيسها من: محمد السيموتي، أستاذ اللغة الإنجليزية المقيم حاليا بمدينة المحمدية، محمد عثماني، الإطار بإحدى الشركات الخاصة، المقيم حاليا بضواحي الدار البيضاء، عبد الاله الزبيدي المقيم بالديار الإيطالية، محمد مختاري، الذي عزز المجموعة أشهرا بعد تأسيسها، يقيم بإسبانيا. والمهاجران معا غادرا أرض الوطن، نهاية الثمانينيات. كان ضمن الفرقة كذلك، عبد الحق العلوي، الذي هاجر إلى إيطاليا مستهل التسعينيات، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين. كما غنى رفقة الوفاق كذلك في فترة البدايات الأولى، المسرحي مصطفى ظريف، الذي هاجر أيضا أواخر الثمانينيات إلى فرنسا وانخرط في احدى الفرق المسرحية هناك. وقدم برفقتها بعض الأعمال ، وقد وافته المنية في السنوات الأخيرة بالدار البيضاء.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com