الكتابة النسوية في “كوابيس بيروت” لغادة السمان

الكتابة النسوية في “كوابيس بيروت”  لغادة السمان

صراع وجودي لاستعادة المعنى..

د. آمال بوحرب

في فضاء تتشابك فيه خيوط الوجود والعدم تبرز الكتابة النسوية كفعل فلسفي يتجاوز حدود السرد الأدبي ليصبح مقاومة أنطولوجية ضد التشظي والانهيار رواية كوابيس بيروت لغادة السمان التي كتبت بين عامي 1975 و1976 وسط أتون الحرب الأهلية اللبنانية تمثل نموذجا رائدا لهذا الصراع الوجودي ليست الرواية مجرد توثيق لمآسي الحرب بل محاولة عميقة لالتقاط المعنى في عالم تتفكك فيه الكلمات وتصبح الكتابة فعلا وجوديا يقاوم العدم ويثبت حضور الإنسان في زمن الخراب من خلال هيكلية متشظية ولغة شاعرية ورؤية نسوية تقدم السمان نصا يسائل الكينونة الأنثوية ودورها في مواجهة الفوضى مؤكدة أن الكتابة ليست ترفا بل فعل مقاومة يعيد صياغة الهوية والوجود هذا المقال يحلل الخصائص الفلسفية والجمالية للرواية كمشروع أنطولوجي مدعوما بآراء النقاد مع التركيز على تحول الكتابة النسوية إلى فعل تحرري يتحدى التشظي ويؤسس لمعاني جديدة للكينونة.

ملخص الروابة:

وثقت غادة السمان كوابيس بيروت خلال الأشهر الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية نشر أولا كسلسلة مقالات في مجلة لبنانية يتكون من 197 كابوسا وحلم ختامي يرصد فوضى بيروت مسجلا مشاهد العنف والدمار والتفكك الاجتماعي كراوية وشاهدة تسرد السمان حصارها في شقتها مع أخيها مستحضرة ذكريات يوسف حبيبها الذي قتل بسبب الانقسامات الطائفية لتتحول الرواية إلى صرخة ضد الظلم والفساد إهداؤها لعمال المطبعة الذين عملوا تحت القصف يجسد التزامها بالثقافة كمقاومة النص ليس مجرد يوميات بل صراع وجودي يسعى لاستعادة المعنى في عالم يهيمن عليه العدم الرواية تقدم بيروت كجسد أنثوي ممزق يعكس الذات المحاصرة بين الحب والموت الوطن والخراب لتصبح مرآة للألم الإنساني ورؤية فلسفية للكينونة الأنثوية
الخصائص الفلسفية والجمالية
تتجلى الجمالية الفلسفية في كوابيس بيروت في قدرة السمان على تحويل مأساة الحرب إلى فضاء أنطولوجي يسائل الكينونة الأنثوية ودورها في مواجهة التشظي النص يمزج بين الواقعية القاسية والشاعرية العميقة مستخدما أسلوبا يتأرجح بين التوثيق الحي والتخييل الرمزي مما يجعله فعلا تحرريا يتحدى العبث ويؤسس لمعاني جديدة للوجود تتوزع الخصائص على العناصر التالية مدعومة بآراء النقاد.
1. الهيكلية المتشظية كتعبير عن الوجود الممزقة
تنقسم الرواية إلى كوابيس كل منها لوحة سردية مستقلة تعكس تشظي الواقع الحربي والذات الأنثوية هذا الهيكل يعكس الفوضى الوجودية حيث يتداخل الزمن والمكان في إيقاع مضطرب الناقدة ماجدة حمود تصف هذا التنظيم بأنه إيقاع سردي يجسد الفوضى والأمل معا معكسا التمزق الأنطولوجي على سبيل المثال تنتقل السمان بين مشاهد القصف العنيف وذكريات يوسف ثم إلى مشاهد ساخرة من الحياة الاجتماعية مما يجعل القارئ يعيش حالة التمزق النفسي والواقعي هذا التنظيم يعكس رؤية فلسفية ترى الحرب كفضاء يفتت الذات لكنه يفتح أيضا إمكانيات التجدد كما في الحلم الختامي الذي يرمز إلى الأمل.
2. الرمزية أمل في الكينونة
تستخدم السمان رموزا مكثفة لتصوير الواقع المأساوي مثل الموت كعجوز يحصد الأرواح أو الحيوانات المحتجزة كمرآة للإنسان المقموع في مشهد بارز تصف جسدها بأنه خريطة ممزقة تعبيرا عن تمزق الذات والوطن الناقدة شيرين أبو النجا ترى أن رمزية السمان تحول التجربة الأنثوية إلى خطاب فلسفي يكشف المسكوت عنه الناقد سعد البازعي يضيف الرموز تجعل النص وثيقة وجودية تعبر عن جرح جماعي هذه الرموز لا تقتصر على التصوير بل تسائل الكينونة الأنثوية في مواجهة العنف والحصار مما يجعل الرواية فضاء للتأمل الفلسفي في الوجود.
3. اللغة الشاعرية كمقاومة للعدم
لغة السمان تجمع بين البلاغة والتكثيف الشعري حيث تصف القصف بأنه زهور نارية تتفتح في سماء الليل صورة تجمع بين الجمال والدمار الناقد محمد التركي يؤكد أن اللغة الشاعرية تضفي بعدا جماليا يقاوم العبث عبد الرحمن عوف يصفها بأنها لغة تجسد التناقضات الوجودية بين الحياة والموت هذه اللغة لا تقتصر على الوصف بل تصبح فعلا فلسفيا يتحدى العدم عبر خلق صور بصرية تجعل القارئ يعيش تجربة الحرب بحدتها وجمالها.
4. السخرية كتفكيك للسلطة
تستخدم السمان السخرية لفضح التناقضات السياسية والاجتماعية تصف الفصائل المسلحة بأنهم حماة يقتلون أبناء وطنهم باسم الحرية مكشفة زيف الشعارات هيفاء بيطار ترى أن السخرية تعكس منظورا نسويا يتحدى الهيمنة الذكورية هذا الأسلوب لا يقتصر على النقد بل يصبح أداة فلسفية لتفكيك السلطة وإعادة تعريف الهوية الأنثوية كصوت مقاوم.
5. الهوية الأنثوية كصراع وجودي
تسائل الرواية الهوية الأنثوية في سياق الحرب حيث تتنقل البطلة بين الحب والخوف الانتماء والتمرد إيلين شوالتر تشير إلى أن الكتابة النسوية تسعى لاستقلال الذات سيمون دي بوفوار تقول لا تولد المرأة امرأة بل تصبح كذلك وهو ما ينطبق على بطلة السمان التي تعيد صياغة هويتها كصوت مقاوم النص يقدم الذات الأنثوية كفضاء فلسفي يسائل الكينونة في مواجهة العنف مما يجعله مشروعا تحرريا
6. الزمن المتشظي كمرآة للاضطراب الوجودي
يتداخل الزمن في السرد حيث تتداخل الذكريات مع الحاضر في بنية متشظية تعكس اضطراب الحالة النفسية سعد البازعي يرى أن هذه التقنية تعكس الاضطراب الأنطولوجي في الأدب النسوي على سبيل المثال تنتقل السمان بين ذكرى يوسف والحصار في شقتها دون فواصل زمنية مما يجعل القارئ يعيش الاختناق النفسي هذا التشظي الزمني يعكس رؤية فلسفية ترى الحرب كفضاء يفتت الذات ويستدعي إعادة بناء الكينونة
7. الكتابة كفعل تحرري
تصبح الكتابة فعلا وجوديا يقاوم الانهيار إهداء السمان لعمال المطبعة يؤكد إيمانها بالثقافة كطوق نجاة توريل موي تشير إلى أن الكتابة النسوية تتحدى الهيمنة الثقافية ماجدة حمود تلخص السمان تبدد ظلمة الكابوس بنصوص تفتح أفق الأمل الكتابة هنا ليست مجرد توثيق بل فعل فلسفي يثبت الذاكرة ويحمي الإنسان من النسيان مما يجعل الرواية مشروعا أنطولوجيا يتحدى العدم.
ولعليّ احسب أن كوابيس بيروت تجسد الصراع الوجودي الذي يسعى لاستعادة المعنى في عالم يغرق في العبث غادة السمان لا تكتب لتوثق الحرب فحسب بل لتؤسس فضاء أنطولوجيا يقاوم العدم حيث تصبح الكلمة ملاذا للذات الأنثوية الممزقة بين الحب والموت الوطن والحصار النص بهيكليته المتشظية رمزيته المكثفة لغته الشاعرية سخريته الناقدة تأملاته في الهوية وزمنه المتشظي يتحول إلى فعل تحرري يتحدى اللامعنى عبد الله عبد الرزاق يصفها بأنها صوت المرأة الذي يتحدى العنف بسلاح الكلمة تبقى كلماتي حول الرواية إنها صرخة وجودية تعكس تمزق الإنسان والوطن ودعوة لاستعادة الحلم عبر الكتابة كفعل خلاص يتحدى الخراب ويؤسس لكينونة جديدة الرواية ليست مجرد نص بل مشروع فلسفي يعيد تعريف الذات الأنثوية كفاعل تاريخي وثقافي يقاوم العبث ويبني جسورا نحو الأمل
أما كيف يسهم النص النسوي في كوابيس بيروت في بناء فضاء أنطولوجي يقاوم العدم وكيف يعيد صياغة الهوية الأنثوية كفعل تحرري يتحدى التشظي الوجودي في سياق الحرب فهو من اعمق ما مر بي في هذا العمل الادبي المتميز .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com