باريس مربض خيل العرب
معالم عربية في مدينة الأنوار
باريس: عدنان رمال
في باريس، كل يوم ظاهرة ثقافية وفنية تبهر وتعجب السواح والزائرين. باريس هي صورة الزمن إن لم تكن الزمن ذاته.
تضم فرنسا جالية عربية وإسلامية يقدر عدد أفرادها بسبعة ملايين نسمة، رقم لا يستهان به من حيث الإستبيان الديمغرافي، ويعتبر الإسلام الدين الثاني بعد الكاثوليكي …
اللغة العربية هي المسموعة بكثرة إضافة الى اللغة القبائلية والامازيغية البربرية بالنسبة للمهاجرين الجزائريين والمغاربة في فرنسا.
« باريس » علم مذكر. إسم ملك « طروادة » الذي كان الاكثر جمالا وإثارة للإناث حسب ملحمة « هوميروس » اليونانية. من هنا استنسب الفرنسيون تاريخيا اسم عاصمتهم تيمناً بإسم ذلك الشاب الوسيم.
عدد سكان العاصمة ” باريس” نحو عشرة ملايين نسمة، وأبناء الجالية العربية متواجدون في العديد من الدوائر وأحياء العاصمة والضواحي القريبة منها.
باريس تتوفر وتضم على العديد من المعالم الأثرية الدالة عن العرب، سلبها وجلبها الفرنسيون إبان فترة استعمارهم للعديد من الاقطار العربية ، ومن تلك المعالم نذكر :
-أول مَعلم أثري ” المسلة” الفرعونية التي جُلبت من مصر بعد حملة نابليون عام ١٨٣١ ميلادي ويبلغ وزنها ٢٣٠٠ طن و طولها ٢٢ متراً ، ووضعت في ساحة «الكونكورد» الشهيرة ، والأكبر مساحة في باريس. وهناك العديد من المجسمات الفرعونية موزعة في انحاء عدة من العاصمة مثل ساحة «شاتليه » وساحة « شارع القاهرة » إضافة « للمومياء بمتحف الانسان » عند ساحة « التروكاديرو » .
– متحف « اللوڤر » يحتوي على الآلاف من التحف النادرة جدا من ناحية ثقلها ووزنها وثمنها، واكثر أقسامه ملأت بالعديد من التحف المصرية القديمة.
– من العراق مجسم « شريعة حمورابي » الشهيرة وغيرها من التحف السومرية والآشورية، ومن لبنان النواويس الفنيقية ، إضافة الى ما جُلب من فلسطين و سورية ومن شمال افريقيا، المغرب، الجزائر وتونس. التحف التي جُلبت من المنطقة العربية والتى تدل على الاكتشافات والعلوم العربية الاسلامية والموجودة في متحف « معهد الفنون والمهن ».
إضافة الى ما جلبه الفرنسيون من التحف الثمينة خلال رحلاتهم الاستجمامية إلى العالم العربي والتحف التي تم نهبها من الأماكن الاثرية، او المتاحف عبر عصابات ورجال المافيا الدولية المتخصصة في سرقة ونهب الآثار، كما حصل لدى احتلال العراق ، وليبيا او الحرب التي دارت في لبنان وسورية واليمن وزينوا بها قصورهم الفخمة.
ـ يوجد في ساحة « بنتيون » مكتبة « سانت جنفياف » الشهيرة نُقش على جدارها الخارجي القديم والطويل لائحة بأسماء كبار الفلاسفة والعلماء الكبار الذين كانوا النواة للحضارة العلمية الانسانية، والثورة الصناعية الكبرى في أوروبا. من جملة اولئك الفلاسفة والاطباء والعلماء كوكبة من العلماء العرب والمسلمين أمثال « ابن سينا » إبن الهيثم ،ابن رشد، البيروني، ابو الفداء، الجبرتي، ابن الحوقل، ابو تمام، النابغة الذبياني، ابن خلدون، ابن طيفل، الحريري، الرآزي، ابن البيطار، الخيام، الغزالي، الفرابي، ابن بطوطة، الكِندي…وغيرهم.

في هذا السياق يوجد على احدى جدران « قوس النصر » الشهير في ساحة « الاتوال » لوائح بأسماء الجنود الفرنسيين ومن أبناء المستعمرات سابقا الذين إستشهدوا من اجل حرية وإستقلال فرنسا ومن بين هؤلاء الجنود عرب ومماليك المصريين جلبهم نابليون بونابرت إبان حملته العسكرية على مصر وفلسطين. وخلال تفقدنا صرح « الانفاليد » ساعدتنا لوحة تذكارية بأسماء بعض الجنود من بينهم جنود عرب من الجزائر، المغرب، تونس، سورية ولبنان بل وان راية علم الإمبراطورية الاسلامية العثمانية منكسة من جملة رايات البلدان التي خضعت للإستعمار الفرنسي.
ـ معهد العالم العربي شيد عام ١٩٨٠ بمحاذاته ساحة السلطان محمد الخامس المشرفة على إحدى ضفاف نهر السين. والمعهد محاط بالعديد من الجامعات والمعاهد العلمية الفرنسية والمكتبات العامة والخاصة لبيع الكتب الاكاديمية وغيرها. بني المعهد عبر تقنية الهندسة والعمارة الحديثة مع مراعاة الخيال، الجبر والفلك العربي للضوء و حركة الشمس حسب ما احتسبه العلماء العرب المسلمين في العصر العباسي في بغداد. يضم المعهد عدة قاعات فسيحة : قاعة للسينما، مكتبة لبيع الكتب العربية والاسلامية، مكتبة ضخمة للمطالعة والأبحاث، متحف جيد. ويستضيف المعهد سنويا معرضا للكتاب العربي، ومعرضا للتحف وكذلك مهرجانا سينمائيا ومعارض لرسامين عرب وغيرهم، وكذلك يتم عرض الازياء الشرقية والمغاربية.
ـ هنالك عدد لا بأس به من المكتبات الخاصة العربية في باريس تعرض الكتب والجرائد والمجلات والدوريات والوسائل التقنية الحديثة لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية من النشئ الجديد.
في باريس بعض الكنائس والأديرة الشرقية التي تقام بها التراتيل باللغة العربية والسريانية، ويوجد كاتدرائية « نوتردام » الشهيرة.
تستضيف باريس سنويا معرضاً للحضارة الاسلامية في منطقة « بورجيه » و يعد هذا المعرض الأضخم في أوروبا حيث يتدفق اليه غفر كبير من الزوار من فرنسا والدول الاوروبية القريبة ويعرض فيه الكتب والتراث العربي الإسلامي مثل الازياء والعطور وتُلقى الخطابات وتُعقد الندوات والمناقشات بين الحاضرين كما كان الحال في سوق عكاظ في مكة المكرمة.
و الامر سيان بالنسبة لمعرض الكتاب الفرنسي الكبير حيث يُخصص للقيام بما يعرض وينشر سنويا للاُدباء والرواة والشعراء العرب الذين تُرجمت اعمالهم الفكرية الى اللغة الفرنسية.
و للتأكيد فإن العديد من المكتبات الفرنسية العامة والخاصة تعرض الكتب والأبحاث العربية لاسيما المكتبة الوطنية « فرنسوا ميتران »، مركز « جورج بومبيدو »، المكتبة الشرقية، مكتبة « السوربون » وهنالك العديد من المراكز الاسلامية لديها مكتبات لاسيما المركز الاسلامي الكبير.
ـ مسجد باريس الكبير شيد عام ١٩٢٢ – ١٩٢٦ ويعتبر تحفة معمارية شرقية – اندلُسية رائعة في قلب اوروبا يضم قاعة للصلاة،
ومكتبة قيمة جدا ، مليئة بالكتب والمراجع العربية والاسلامية، وجناحا مخصصا للمصاحف. إضافة لمعهد التعليم والإرث الديني واللغة العربية لأبناء الجالية. وبازارا لبيع التحف، المواد الغذائية، الألبسة الشرقية، مطعما، مقهى وحديقة غناء. ويستضيف المسجد سنويا معرضا للكتب العربية والإسلامية بشتى اللغات الاجنبية للتعرف اكثر على الدين الاسلامي الحنيف.
في باريس معهد ومركز إسلامي كبير في الدائرة الثامنة عشر، يحتوي على مكتبة قيمة بالكتب والمراجع الخاصة بالحضارة العربية والاسلامية، باللغة العربية والفرنسية، ويحتوي على قاعات عدة للمحاضرات، والمؤتمرات وقاعة للصلاة، ومتحف عن الحضارة الاسلامية، وقاعة لتعليم القرآن الكريم وأصول الدين الإسلامي الحنيف، واقامة ليالي الذِكر في شهر رمضان الكريم، والاعياد الإسلامية. وتضم باريس مساجد ومراكز إسلامية وعربية عدة.
ـ في باريس « المدينة الجامعية » الدولية التي تضم مباني الطلاب الاجانب الوافدين لتكملة دراستهم وأبحاثهم في الجامعات ومراكز الأبحاث في باريس.
في المدينة الجامعية مباني للعديد من الطلبة العرب مثل « البيت المغربي، البيت التونسي، البيت اللبناني .. ». وكل بيت قائم حسب التراث الخاص للطلاب الوافدين منه، وتشمل تلك البيوت غرف للسكن ومكتبة وقاعات المحاضرات ولإقامة المناسبات الوطنية والسهرات او مناسبات للتعارف بينهم.
ـ في معظم عواصم دول العالم يعبر فيها نهر كبير يضخ فيها الحياة و يزيدها رونقا و جمالا مثل نهر النيل في القاهرة، نهر التايمز في لندن، نهر « السين » في العاصمة باريس.
نهر « السين » هذا تسلسله جسور عدة ، تربط ضفتيه واجزاءهما ، ومعالمها الاثرية منها والحديثة مثل عروس مرصعة بالجواهر.
كل جسر من جسور نهر « السين » يحمل إسماً مثل « جسر نابليون » « جسر إسكندر الكبير » « جسر ميرابو » بينما توجد جسور غدت معلمة يؤرخ لحدث مفرح أو محزن في تاريخ باريس.
لذلك سنتحدث عما حصل من احداث مؤلمة جداً، بحق أبناء الجالية العربية على إحدى الجسور في باريس نذكر هنا الحادثة البائسة المنظمة جدا. ففي تاريخ ١٩٦١/١٠/١٧ حينذاك تجمع آلاف العمال والمهاجرين الجزائريين على « جسر السان ميشال » للمطالبة بإستقلال وحرية وطنهم الجزائر من الإستعمار الفرنسي المغتصب والغاشم متحديين حظر التجوال من قبل السلطات الفرنسية. فأقدمت الشرطة بقيادة « موريس بابون » بمهاجمة المتظاهرين بقوة وعنف بل ورمت بمئات من القتلى والجرحى في مياه النهر لذلك ففي قعر هذا النهر تقبع عظام ورفاة الجزائريين وتحوم أرواحهم في فضاء المدينة بعدما دفعوا حياتهم ثمن ثورتهم المجيدة وحرية شعبهم المجاهد. في تلك الحادثة الدموية إختلطت دماء اولئك الشهداء بماء النهر.
في نفس السياق، لا بد من ذكر الحادثة الشنيعة التي قام بفعلها اليمين الفرنسي الفاشي المتطرف. ففي يوم ١٩٩٥/٠٥/٠١ الذي يصادف عيد العمال العالمي، أقام المتظاهرون التابعون للحزب اليميني المذكور بمظاهرة لهم ولدى وصولهم الى « جسر السان ميشال » صادف فريق منهم شابا يافعا مُهاجرا من التابعية المغربية يدعى « ابراهيم بو عرام » فحملوه و رموه في مياه النهر الهادر والمتدفق، مما أدى إلى وفاته.
ـ على بعد مئة متر تقريبا بإتجاه متحف اللوڤر يقع جسر « بون نوف » المعروف بجسر « الفنون والحب » الذي يُعتبر تحفة من معالم باريس الشهيرة. هذا الجسر غدى بمثابة محج وملتقى المحبين « العشاق والعاشقات » من الشباب والشابات من جهة وللعرسان الجدد القاطنين في فرنسا والسواح الزائرين.
اما قصة الجسر وما فيها… ان المحبين « العاشق والمعشوق » يأتيان الى منتصف الجسر، وبحوزتهما قفل نحاسي مع مفتاحه ويرسم احدهما قلبا، او يخط الحبيب اسم حبيبته وبدورها تفعل بالمثل، ومن ثم يقفلا القفل بالمفتاح معاً تليها تبادل القبل الحارة في اللحظة التي يتم فيها رمي المفتاح في مياه النهر مع وردة جورية اللون …سرعان ما يركن المفتاح في القعر إسوة بالمفاتيح والاقفال المكدسة من قبل العشاق المتيمين. تلك الأقفال النحاسية المزركشة بالاسماء والرسومات التي ترمز الى الحب والمشبوكة على إمتداد اباريز الجسر تشكل لوحة سريالية جميلة.
والُمراقب للأسماء المخطوطة على الاقفال المعلقة على الجسر يجد شتى احرف الأبجديات العربية، اللاتينية، السنسكريتية وغيرها، ومن الجُمل المرموقة التي كُتبت مثل « احبك يا فؤادي » « روحي لم تبقى بلاك »، « انت عمري »، « هي فقط »، و هلم جرا من الجمل الدالة عن المشعار الجياشة من الحب والوله. للإشارة … يكثر الزوار المحبين الى محج الجسر في ليالي الصيف الجميل وفي عيد العشاق خاصة.
ان أشجار الحور والصفصاف الشاهقة الضخمة المغروسة على ضفاف النهر وتحت جسر الفنون والحب، بجدوعها الضخمة لم تسلم من أنامل الُمتيمين والعشاق الشباب والشابات الذين يحضرون ليحفروا وليرسموا او ليخطوا أسماء عشيقاتهن، حيث بدت تلك الجذوع لوحات ورسومات رائعة. ظاهرة جسر الفنون والحب ومظاهر جذوع الاشجار المزركشة على ضفتي النهر الذي تمخر المراكب الشراعية المناظر الجميلة، تعبير آخر عن وجه العاصمة باريس المميزة عن العواصم والمدن العالمية.
باريس من بين اُولى العواصم الأوروبية التي قدم إليها سفراء ومسؤولون عرب رفيعي المستوى، بحيث تشير المعلومات الأولية ان اول حاكم عربي قد زار فرنسا كان التونسي « أحمد باشا باي » عام « ١٨٠٦ـ ١٨٥٥» وقد استقبله أنذاك الملك « لويس فيليب » وكان برفقة الباي التونسي كاتبه الشهير الشيخ « احمد بن الضياف » وقد كتب كتاب تحت عنوان « أتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وأهل الزمان » وكان من جملة الوفد الزائر السيد « خير الدين التونسي » الشهير الذي تردد على مدينة باريس عدة مرات ما بين فترة عامي « ١٨٥٣ـ ١٨٥٧ » حيث امكن له تدوين مُشاهداته وإقتراحاته الإصلاحية في كتاب « اقوام المماليك »، وبالنسبة للمغاربة حلت بعثة دبلوماسية بباريس بقيادة « إدريس العمراوي » الذي خلف كتابا قيماً عن وجوده بها.
باريس عاصمة عربية بإمتياز لأنها مثلت منارة للثقافة بالنسبة لأجيال متلاحقة من الكتاب والفلاسفة والمفكرين. فإبان الجمهورية الثالثة إزدهرت أقلام عربية في مجال الفكر …والشعراء الذين شكلوا الرعيل الأول أتوا الى باريس أمثال الشيخ محمد عبده، رفاعة الطهطاوي، أديب إسحاق، أحمد فارس الشدياق، مصالي الحاج، طه حسين، جورج شحادة، ميشال عفلق، علي عبد الرزاق، وليد جنبلاط، نزار قباني، محمد اركون، ادونيس، هشام جعيط، الطيب صالح، الباهي محمد، عبد اللطيف اللعبي، أمين معلوف، ياسمينة كادره، الطاهر بن جلون، آسيا جبار، غادة السمان، خالدة السعيد، اندريه شديد. ومن عالم الفن والغناء اُم كلثوم، فيروز، وردة الجزائرية.
في السنوات الماضية قدمت كوكبة من الكتاب والرواة والشعراء العرب عطاءات فكرية وثقافية حول الحضارة والثقافة العربية. حيث لاقوا تشجيعاً من دُور النشر والمكتبات الفرنسية. وتكريما لما قدمه البعض من أولئك الرواة ذكوراً وإناثاً تم تسمية بعض المكتبات العامة بأسمائهم على سبيل المثال مكتبة بإسم الروائي الجزائري « كاتب ياسين » الذي كتب احدى روايته الشهيرة « نجمة » التي نالت اعجاباً كثيراً، وهناك مكتبة « اندريه شديد » اللبنانية المصرية ومكتبة المهندسة « زُهى حديد» العراقية.
لن ننسى الإشارة إلى وجود العديد من صالات العرض للفن والرسم، وعرض الازياء لمصممي الأزياء أمثال المصمم « إيلي صعب » وغيره.
بباريس يجد الزائر الكثير من المطاعم الشرقية والمغربية، تحمل أسماء عربية وكذلك المقاهي- مقاهي الشيشة (النرجيلة) مثل مقهى ام كلثوم ، بغداد، رمسيس، بيروت، دمشق، اوازيس، وكازابلانكا.
لن يفاجأ الزائر لباريس حينما يجد الحمامات الشرقية/ التركية مثل حمام « الراحة » « الهناء » وغيرها.
ينتشر في باريس البازار العربي لبيع المواد الغذائية، العطور، القماش، وملابس للأعراس وغيرها. إضافة لمحالات البقالة وبيع اللحم الحلال وبائعي الفاكهة والخضار في الأسواق الإسبوعية في الأحياء الباريسية.
في باريس نجد العديد من الساحات التي تحمل أسماء الشخصيات العرب الذين قاوموا المستعمرين، وحرروا اوطانهم، وسعوا لتقدمها …من تلك الساحات، ساحة سلطان المغرب «محمد الخامس»، ساحة الرئيس « الحبيب بورقيبة »، ساحة الشاعر« محمود درويش» و غيرها.
كما يلاحظ الزائر وجود العديد من الشوارع الباريسية تحمل أسماء البلدان والعواصم والمدن العربية مثل «لبنان»، «تونس»، «الجزائر »، « فلسطين » « المغرب». ومن الشوارع … نذكر شارع «طنجة»، «صيدا»، «قسطنطينة» ساحة «القاهرة»، « بيروت »، « والقدس».
ـ باريس أدمجت عربها في المجتمع الفرنسي فوسموها بأجسادهم وطبعوها بطباعهم فأعطوها مجداً وأدخلوها تاريخاً للأبد وهناك شباب وابطال عدة في شتى أنواع الرياضة والفنون والأغاني على سبيل المثال اللاعب العربي بنمبارك الذي إستحق لقب الجوهرة الذهبية بداية الخمسينات، وزين الدين زيدان و كريم بنزيمة الذي إستحق لقب كأس الجوهرة الذهبية لعام ٢٠٢٢ وغيرهم في الملاكمة وألعاب القوى.
في عالم الغناء الشاب خالد، والموسيقي « ابراهيم المعلوف » وفي عالم السينما « ايزابيل ادجاني »« وجمال دبوز » وفي العزف « عبد الرحمن الباشا »، « مارك يارد » وغيرهم. وهناك العديد من الفنانين في عالم المسرح والأوبرا والرقص …وفي هذا المجال اقدمت الفنانة « لمياء صفي الدين » بتأسيس معهد لتعليم الرقص الشرقي الراقي. ويوجد أيضا معهد لتعليم الموسيقى والغناء الشرقي.
هنالك أيضا المراكز الثقافية التابعة للبعثات الدبلوماسية العربية، وجامعة الدول العربية التي تتحكم بها البيروقراطية وسياسة الأنظمة القائمة في العالم العربي.
يوجد في باريس جمعية الصحافة العربية، راديو الشرق والشمس، قناة التلفزة « ٢٤ » العربية التابعة لوزارة الإعلام الفرنسية، إذاعة مونتي كارلو باللغة العربية. وفي باريس إحدى دور السينما تعرض الافلام العربية وتسمى « رمسيس ».
المعلومات والاخبار التي عرضناها ما هي الا ومضات مضيئة عن وجود ابناء الجالية العربية في العاصمة باريس عبر الحقبات التاريخية الى يومنا الحاضر. نستطيع القول إن ما يجمع العرب من جهة وفرنسا الكثير من الإيجابيات مثل حسن الجوار « الجيوغرافي » ضمن ضفتي البحر الابيض المتوسط. العرب يستوطون على الضفة الجنوبية – الشرقية من البحر من جهة وفرنسا موجودة على الضفة الشمالية للمتوسط.
العرب قاموا بعمل المثاقفة الحضارية بين الشرق والغرب. فمنطقة الشرق العربي كانت مهبط الرسالات والديانات السماوية التوحيدية المعهودة والعلوم العقلية. تشير المعلومات الأولية عن ان بداية العلاقات بين الشرق والغرب كانت إجتماعية سياسية.
فقد ارسل الخليفة العباسي « هارون الرشيد » وفداً الى الامبراطور « شرلمان » حاملاً له رسالة وهدايا ثمنية عربوناً عن بداية للصداقة والاخلاص والكرم العربي. و هناك معلومات تاريخية تشير ان القائد « صلاح الدين الأيوبي » سعى الى العلاقات السياسية العدالة والحسنة بين المسلمين والملوك والأمراء الفرنسيين لكن الملوك الفرنسيين نقضوا العهود ولجاؤوا للحرب مراراً.
وحدث التبادل في العلاقات بين الملك « لويس الرابع عشر » من جهة والمسيحيين اللبنانيين وكذلك بين نابليون بونابرت والمصريين خلال الحملة العسكرية التى قام بها نابليون ضد مصر وتبعها إرسال محمد علي باشا وآلي مصر حينذاك البعثات الطلابية والعلمية لطلاب العلم والمعرفة في الجامعات في باريس.
ومن الغرب وخاصة « باريس» ظهرت الثورة العلمية والمعرفة الثقافية « عصر الأنوار » تلك الثورة أثرت نتائجها الإيجابية على النمو والتقدم الفكري والصناعي في العالم ولدى العرب.
نلاحظ تحولا جديدا مهما.. وهو ان أجيالا من ابناء المهاجرين العرب، سنحت لهم الظروف ان يتعلموا وينالوا التعليم العالي وينخرطوا في الميادين العملية والمؤسسات الاقتصادية. كما انضم اليهم أصحاب الأدمغة من المهاجرين العرب الجدد والذين اُجبروا على الهجرة نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية للحرب “ الربيع العربي” في أوطانهم الأصلية.
هناك نقطة مهمة جدا … خلال الحقبات الاستعمارية الفرنسية ، العديد من الاقطار العربية جلبت الشباب العرب من اوطانهم الأصلية قسراً للخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي للدفاع عن حرية واستقلال فرنسا. وقد استشهد من اولئك الجنود ألآلاف… فإندمجت دماؤهم بالتاريخ الفرنسي والمقابر والمدافن تشير اليهم رمزياً. إضافة الى الفئة من العمال المهاجرين الذين قضوا نحبهم وهم يعملون في مناجم الفحم، او شق الجسور والطرقات ، أو استشهدوا دفاعاً عن آرائهم السياسية الوطنية ، والقومية ووروا الثرى في المقابر الفرنسية، لاسيما في مقبرة «بير لاشيز» « Père Lachaise» الباريسية الشهيرة أمثال الشهيد محمود الهمشري وغيره.
بما إننا تحدثنا عن الأمور الإيجابية بين العرب من جهة وفرنسا لابد هنا من تقديم بعض الأمور السلبية التي حصلت بين الطرفين وبعد تقصي الحقائق التاريخية، وجدنا انه جرى غزو وحروب وإستعمار بينهم ، أما المبادر أكثر هو فرنسا والبرهان على تلك الحقائق نوردها كالتالي:
- بدء الحملات العسكرية الإفرنجية « المعروفة بالصليبية » والتي دامت نحو ثلاثة قرون متتالية الى الشرق العربي بحجة تحرير « بيت المقدس » من المسلمين في فلسطين،
- الإستعمار الفرنسي عِبر الحملة العسكرية بقيادة نابليون ضد مصر، الإستعمار الفرنسي للجزائر سنة ١٨٣٠م، كما إستعمار تونس، المغرب، سورية، ولبنان.
- شاركت فرنسا بقوات الحلف الاطلنتي بقيادة واشنطن بغزو العراق وليبيا ثم الحرب على سوريا، والدعم اللوجستي والدبلوماسي إلى إسرائيل في الحرب الشنيعة على غزة ولبنان تحت ما يسمي عملية « طوفان الأقصى »
وبالختام سننقل ما قاله « محمد عبد السلام السايح » لدى حضوره الى باريس عام ١٩٢٢ ضمن الوفد المغربي لتشييد مسجد باريس الكبير حينذاك مع حشد من العلماء والفقهاء ومهندسين عرب و فرنسيين فقال: باريس بهجة الدنيا ومنبث الحضارة ومهد الرقي ومنبثق العلوم، وميدان سوابق الافكار وسوائح الانظار.
نعم باريس هي صورة الزمن …ان لم تكن الزمن ذاته، بحلتها الهيفاء كعروس مجدلية، سلام الى صبايا باريس التي سلبت مني شبابي.
عدنان رمال/باريس
