“على رسلك يا خُناس” للشاعرة المغربية أسية الرياحي”
سفرٌ في الذات …
مقاربة لديوان “على رسلك يا خُناس” للشاعرة المغربية أسية الرياحي” تحت عنوان: من شعرية الألم إلى شعرية البوح.
“ على رسلك يا خُنَاس“

العنوان؛ كما هو معروف عند النقاد وغيرهم من المهتمين، أول عتبة للولوج إلى عالم النص، كيفما كان جنسه أو الغاية التي من أجلها خُلق ولم يولد من العدم، محملا بوزر/ أوزار تختلف باختلاف المبدعين والكتاب. ” على رسلك يا خُناس” عنوان يدعو للتساؤل، باعتباره مخاتلا يحتمل إيحاءات متعددة. الخُناس أهي الخنساء، الشاعرة المخضرمة رمز للتألق في الشعر، أم هي مجرد إشارة إلى المرأة القوية الصبورة التي ألهمت الشاعرة آسيا رياحي، فألهبت قلبها ودفعتها لكتابة ديوان شعري، احتضنه وقدمه الأديب والشاعر المغربي الدكتور “يحيى الشيخ” رئيس المركز العالمي للدراسات العربية والبحوث التاريخية والفلسفية بباريس.
طلي الديوان بلون السماء الباكية، ليشي بالأحاسيس التي يزخر بها المحمول السطحي والعميق للجمل، التي بُني بها العمل الشعري. تتوسطه لوحة تجريدية بتيمة ترمز إلى التيه. تجسده امرأة بمعالم مبهمة مرسومة بلون أسود يتخلله اللونان الأحمر والوردي، فتبدو كأنها تحترق. تمتطي فرسا عربيا أصيلا، وتنظران في اتجاه واحد، إلى الأمام، إلى الأفق، كأنهما يبحثان عن الطريق، لكن برغم التيه فطريقة تَمَثُّلِهِما تشير إلى الكبرياء، وعزة النفس. عمق الصورة يكرس التيه بألوان مشتعلة ومتداخلة تجلي الصراع النفسي، وتطرح تساؤلات عن الذات باعتبارها دافعا على البوح والكتابة.
تتشكل الأضمومة الشعرية من ستة وثلاثين عنوانا. تلك العناوين المترابطة فيما بينها، مُكونة سلسلة مُتماسكة تسيج النصوص، وتشير إلى المعاني باعتبارها علامات تشوير. ولفهمها يتعين فك تلك الشيفرة أو الشيفرات التي تشكل النصوص وتجعلها مستقلة بذاتها. من أجل ذلك ننطلق من العناوين باعتبارها أولى العتبات التي تفضي إلى الداخل وتساعد على الفهم.
“على رسلك يا خُناس“1 عنوان وُسم به الديوان ليشير إلى الصراع الذي يعتمل بالدواخل، يُؤجج بكلام جاثم يخترق الصدر منفوث بذكاء، فيقول: ” لك سيدتي”2 أن تلومي الريح إذ تُراقص خُصْلات قطوفي، قبل أن تَسقطي في “دهاليز الصمت”3 حيث الفراغ يعتلي لياليك التائهة، فلا الصبح أنفاسه عاشقة ولا النجوم عيونها بارقة، والصمت يهزأ من أنّات المساء. آن ذاك يحق لكِ أن تصرخي: ” على رسلك يا خُناس” 4 ذاك ليل بطيب العشق يفوح، برغم شرخ الندوب وطلاسم النتوءات. “هذه الحياة”5 أنشودة رقصتْ من حيرتها الشجون، وزغرودة تعثرتْ في حلق السؤال.
من حُلكة التيه تهب “همساتٌ بيض”6 تعانق الشاعرة وتغمس طيفها في متاهات مخاض ولا تبدي غير “همهمةٌ باكية”7. في المساءات الحزينة ينتاب الشاعرة أحيانا شعور غريب فتقول: “أنا المسافرة”8 في روضة الأمس البهيم، أسأل النورس الهائم: هل سمعت أنين البتلات الباكيات في دجى الليالي الساهرات وهي تغني أنشودة عذاباتي؟ وحدها ابتسامتها نبهتها لصنيع الهجر، وتركتها لدياجير الأشجان. فلم تجد سوى الفجر تناجيه: “ضُمّني”9 ضمني أيها الفجر العنيد فلسعات الليل لم تزل ترعش شقوة الصحو في هلوسات الأمس البعيد..
الانتظار والصبر لم يكونا إلا “بلهُ دهاء”10. لم يأت التغيير مع “طلائع الأحلام”11 التي كانت تنكسر قبل أن تصل للحلم المنشود. فانجلت الحقيقة عارية أمامها تخبرها أنها “مهملة مهملة”12، وكل تلك الوعود التي بُنيت بنشاز رهانات خاسرة، لم تكن إلا ” نخب ووجع”13، ودخان من مغريات كاذبة.
حين فطنتْ لهدر الأيام، حَدَّت من “جموح الذكريات”14 واعترفت أنها ظلت الطريق. وقفت تصرخ: “لا تعد”15؛ خذ معك كل وعودك، “خُذها عني”16 فقد استفقتُ من “غفوة الصبوات”17، وأدركتُ أن الأماني تمخر عباب الأيام، تقلب الأوجاع في غياب الوفاء، الذي أضحى “خريف نبض”18 يتمسك بالحياة، وصار ال”انكسار” 19 وشما، به أتجمل وأرقص على نغمات “هدير الموج”20 الذي يصرخ بصوت مدوّ : الملاح ترك الموج وركب الجحود.
حين أرهقتها الحروف الباردة، وأوصلها الرشق لحد الإحباط، استمعت لحديث الوسادة. حدثتها قائلة: “لا تكثرتي”21 لحديث الاستغباء، فذلك “عزف على ناي الدهر”22 لا يحمل وردا ولا شهدا، ولن يقودك إلا ل”دروب المتاهات”23، حيث لا يوجد إلا “مطر أشعث”24 يشق أخاديد بسمتك ويداهم صيف أحلامك ويعري لوعتك. فتصبحين عرضة ل”سؤال وسؤال”25، كيف منحته قلبك ونبضك وحنينك وبقيت حافية الصدر إلا من وجع؟ كيف هجرت خلانك وهمست في أذنه، أنت الحل والترحال، أنت اللحن والموال؟ “عبث”26 ذاك لم يعد يطاق. لم يسمع حتى “أنين”27 ليال غاب عنها الفرح، فكيف يسمع ” شهقات النوى”28 تتدحرج على بساط من غباء. فنجانكِ لا يزال شاهدا على “رشفة وفاء”29 طلبتها وغابتْ، وعلى همهماتكِ وما صبغته على حافته بلون شفتيك. “عام ولى”30 وها أنت على باب الانتظار، والحيرة تتدحرج على جبين السؤال. صرتِ تخشين على قلبك من ال”انفطار””31. “عجبي”32 من حدود تدعي الوصل ولم ترسم لتيه متاهاتها مخرجا. حين أدركت أن كل ما قالته له نابع ” من وحي استفاقة”33 أملته كلمات كما السيف لا ترتاح إلا بالطعن، قالت له “أوجاع الضاد”34، ووخزات الكلمات لن تنتهي إلا حين يختفي “طيفك”35 من مخيلتي، فيتوقف رشق المعاني. تمكنت أن تسأليه: أتستطيع أن “ترد لي بعضا مني”36؟ أو على الأقل، أن ترد عني هذا الذي حصل، لأراوغ سحناتي التي عنك تسألني؟ لم تنتظرِ الرد فقد انتهى كل شيء، أيقنت بعد مخاض السؤال وحرقة الجواب، أنه لن يعود فقلت له: من المستحيل “أن تحبك شاعرة”37، لأن ذاك مس من الخيال، وحس من المحال.
لقد اعتمدت مهندسة المنتوج الأدبي على عناوين منتقاة بدقة بوصفها مفاتيح تسهل الولوج إلى معرفة محمول الكلمات والجمل، وما يراد إيصاله للمتلقي، كما اختارت في عملية البناء والترصيص لغة سلسة تجنح إلى البساطة والابتعاد عن الغموض، يتجلى ذلك في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان: ” على رسلك يا خُناس”.
ينطلق الديوان بحروف بنات مخاض، وبدافع ينزع الكلمات بالطلق، وبآلام البحث والتنقيب عن المفردات التي تشير للهدف تعبر عنه تصفه، ثم تهبه أجنحة لينطلق بعيدا عن ظلمات الباطن. يمكن أن نصف تجربة الشاعرة بأنها تجربة ذات معذبة، يبدو ذلك واضحا بنص: “عام ولى “. (معاناة الهجر والانتظار والأمل) لذلك كان لزاما علينا تجاوز ظاهرُ الكلام وسبر أغوار اللغة لمعرفة حقيقة التجربة التي كانت دافعا للكتابة، ولفهم علاقة المعنى بالصور التي رُسمت لحظة البوح، واللواعج التي أفاضت الكاس. والوقوف على المستوى الدلالي باعتباره يحدد التوليفة التي بُنيت بها النصوص. الخنساء عنوان للصبر والفصاحة اللغوية، حولتها الشاعرة إلى رمز بدلالة محددة، تختزل فيه ذاتها، والإشارة إليها تكفي بأن تكشف ما يعتمل ويلتهب بعمق الشاعرة. لدى جاءت لغتها مصطنعة لا تقوم على شخصين يتحاوران فيما بينهما، بل تهدف إلى استحضار المتلقي، كي يكون شاهدا على التغيير الذي حصل لها وعلى حثها على البوح. قصيدة ” رد لي بعضا مني” تُشهد الكل على الضغط النفسي الذي يحدثه الغياب.
يزخر الديوان بشحنات انفعالية تختلف باختلاف النصوص، والثيمات التي شكلت الجدار الذي بني به المنجز الإبداعي. هو جدار اختلف بدوره من نص لآخر، حسب الذاكرة الانفعالية التي حرضت على كتابة النصوص. فعملت الشاعرة على نقل الشعور وما يطبخ في دواخل الذات، إلى خارجها، باعتبار الخارج أكثر اتساعا ويمكن للذات أن تزهر فيه فتبدو أحاسيسها متماهية مع الواقع، لكونها إن ظلت كامنة في عالمها الباطني سيكون واقعها أكثر إيلاما، ويعذبها دون توقف، لأنها لن تتوقف عن اجترار أشجانها لا إراديا. إلا أن هذا الفعل الذي أقدمت عليه فرض عليها أن تحدث تغيرا جذريا في حياتها، حتى تستطيع البوح بما يخنقها، ويشعرها بانفعالات تنطلق كانفجارات بركانية، فكانت اللغة التي تفضح بها واقعها لغة انفعالية تحصي وتعد الأشياء التي أوصلتها لحد البوح وكتابة الديوان. قصيدة “أن تحبك شاعرة” تكرس ذلك الانفعال، وردة الفعل للتحرر من الانتظار والغياب، وردا للاعتبار، يبدو ذلك في الأبيات التالية:
أن تحبك شاعرة
أنت أميرُ المعشوقين
أنت سيدُ المريدين
أنت سرُّ الحضرة
الطاهرة
طبعا…
فأنت حبيب الشاعرة..
لكن لماذا تم اختيار “على رسلك يا خُناس” عنوانا للمجموعة الشعرية؟ هل هو تكريس للتناقض الذي بُني عليه الديوان، أي الخنوع والاستسلام ثم الانفعال والثورة على الغياب؟ أم هو دعوة للتمسك بالحذر في التعامل مع الآخر الذي قد يعود؟ هذه فقط بعض المعاطف التي تجملت بها الذات الشاعرة، وجعلتها تحتمل معنيين:
إيجابي وسلبي. إيجابي في ردة الفعل والثورة على الغياب، وسلبي في التريث وانتظار الذي قد لا يعود.
الزمكان لم تكن له أولوية رغم تواجده باستمرار على امتداد جريان النصوص، لتعاملها معه كفضاء عام شكل الركح الذي تدور عليه الأحداث بتلقائية، كانت الذات محوره الأساسي. كان يضيق عليها لدرجة الإحساس بالاختناق في غياب الآخر، ويتسع لتشمل السماء والبحر، الخيال والحلم، والتاريخ الماضي والحاضر، حين تتذكر وتحكي الذي مضى.
ديوان على رسلك يا خُناس سفرٌ في الذات، وتجربةٌ امتدت لسنوات، تكلَّم بلسان ظل يجتر المُرار في صمت وخنوع، ثم حدث الشرخ فخرجت منه الكلمات، تخفق بنبضات تختلف دبدبتاها، حسب المحمول المعبر عنه، فهي تعلو وتنخفض مؤشرة على مستوى التأثير و التلقي و اندماج الذات، تشعرك بالروح تتوق للتحرر، بحبها وبغيرتها وبمرارتها وبلوعتها وبغضبها. ذلك أن المحكي الشعري لم يأت من فراغ، بل تشكل من أحداث واقعية ومشاهد عاشتها الشاعرة، وصورتها بلغة شعرية متماسكة سلسة.
تأسيسا على ما قيل، اعتمدت الشاعرة في بنائها للمتخيل الشعري على صور تشكلت بلغة بسيطة، لتصل بسهولة، معتمدة على وحدات دلالة متشابهة مصبوغة بأحاسيس ولواعج تنطلق من الذات، التي اختبر العذاب قبل أن تختار اللغة الشعرية للبوح والتحرر من آلام التي كانت محركا أساسيا للكتابة. فجاءت الكلمات والجمل التي أتت العمل الشعري منسابة وفق إيقاع داخلي اعتمد على بعض الصيغ البلاغية التي تماهت مع الصور الشعرية لخلق شاعرية رفعت من قيمة الأضمومة الشعرية
لنصوص الشاعرة أسيا رياحي نكهاتها الخاصة، لهذا تجد فيها حب، لواعج وعواطف جياشة، تعكس الوجه الحقيقي للشاعرة الذي يختفي وراء نصوصها.
عبد العالي أناني

جريدة ألوان الالكترونية: منبر لمن لا منبره له، ترحب بكل المبدعين والفنانين دون شرط أو قيد. تفتح صدرها لكل إبداع ولكل فكرة هادفة. هدفها الأسمى الرفع من الشأن الثقافي بكل فروعه. تؤمن بالاختلاف، بالتميز، وبحرية التعبير. لهذا تستحق كل احترام وتقدير ودعم.
ألف شكر على دعمكم المعنوي القيم. كتاباتك أستاذ أناني ومتابعتك للجريدة ألوان فخر واعتزاز لنا ضمن الموقع. فتحية لك شخصيا ولكل المساهمين من الأدباء والكتاب نساء ورجالا في ثقتهم بنا وبالرسالة الثقافية العالمية التي نسعى لخدمتها ولو على حساب حياتنا الخاصة.