معرض الكتاب المستعمل

معرض الكتاب المستعمل

                                     وفاء لا ينسى أبدا …!

كلمة تأبينية في وداع الراحل”ذ. مصطفى عربة”

في إطار فعاليات الدورة 13 لمعرض الكتاب المستعمل، المنظم من طرف ” نادي القلم المغربي” بتنسيق مع مقاطعة الفداء ،احتضنت الخيمة الثقافية يوم الأربعاء 2 يوليوز 2025 لقاء مفتوحا تحت عنوان: ” لقاء الوفاء تكريما لروح الراحل المسمى قيد حياته ” مصطفى عربة
واستحضارا لمسيرته الذاتية ومساره السياسي والتطوعي الحافل بالعطاء ونكران الذات في خدمة الساكنة ، شاركت فيها فعاليات سياسية وإدارية ومؤسسات المجتمع المدني وأفراد من أسرتة ومحبييه.

الكتاب المستعمل ، ذاكرة تتحدى النسيان

حين يرحل صديق العمر، رفيق العمل والدرب الطويل، لانكتب فقط كلمات تأبينية في حقه بل نسترجع عمرنا الطويل ، مع التفاصيل التاوية في القلب والمخيال والذاكرة ونستحضرها …وهي التي ضمتنا أو بالأحرى نسجنا خيوطها وصنعناها رفقة العديد من الأحبة – فهم من يصدق عليهم قوله عز وجل في سورة الأحزاب الآية 23【 من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه منهم من قضى نَحْبَه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا 】 –
من خلال نقاشاتنا، تقاسماتنا، جلساتنا العائلية، اختلافاتنا، رحلاتنا، القفشات المتبادلة بيننا، أو حتى من المسافات التي مشيناها معا، والطرق التي سرنا فيها جميعا ونحن نحمل هَمَّ التربية والتعليم، هَمٌَ الكلمة الصادقة والفعل الرصين ، هَمَّ الغد الذي طالما حلمنا بأن يكون عليه وطننا.

إنه من الصعب علي أن أخط هذه الأسطر، أن أخاطبك بصيغة الغائب أيها ال (مصطفى) ، يا من كان الحضور والالتزام عنوانه الدائم، والوفاء والإخلاص سِمَته، إذ منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي  ونحن نتشاطر مسؤولية تربية وتعليم أجيال وأجيال، الكثير منهن الآن في مواقع المسؤولية. منطلقين من اعتبار اعدادية”سيدي
معروف ” ليست فصولا دراسية وكتبا تعليمية وأنشطة تكميلية وفضاء تعليميا تعلميا فحسب، بل كنا نعتبرها بيتا ثانيا لنا جميعا ،باعتبرنا من المناضلين التربويين في منظومة المعرفة ، سفراء لقيم المواطنة الحقة، ورسلا لمهنة التعليم التي تكاد تغتال في زمن التسارعات التي نعيشها الآن .
لقد ظلت علاقاتنا قائمة على المحبة، الإحترام، الصفاء، التضامن، بعد أن جمعتنا المهنة وألفت بين قلوبنا اللقاءات والمناسبات العائلية في السراء والضراء ، وشحذتنا التطلعات رفقة الكثير من أصدقاء المهنة والهم المشترك ، فكان ما بيننا أكبر بكثير من الزمالة، كان خيطا ناظما من خيوط لا تُرَى ولكنها تُعَاش ولا تنقطع، وبقي الإخاء والمحبة جامعين لنا، حتى بعد أن فرقت بيننا ظروف العمل، وبقيتَ كما عرفتك في البدء شابا طموحا، رجلا حيويا نشيطا، صديقا مخلصا، دائم التواجد، صامتا في حضورك، عميقا في مسلكياتك، متعففا على الدوام، مِعْطَاءً وبصمت دائم. فَكُنْتَ على حد تعبير رئيس مقاطعة الفداء في كلمته – ليلة التأبين – التي تفيض اعترافا وتأكيدا على أن الوفاء لا يشترى، بل يكتسب بالعطاء والعيش النبيل،  ومصرا على القول بأنك كنت【 مثالا للالتزام الأخلاقي والثقافي الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى 】.

ويضيف قائلا 【 لقد علمنا الراحل … أن المواقف تُبْنَى بالفعل، وأن الكرامة هي أعظم ما يمكن  أن يُورِثَه الإنسان لأسرته ولزملائه 】 .

الكتاب المستعمل … ظلك الذي لا ولن يغيب أبدا

لم يكن غريبا أن تُكَرم روحك في حضرة تلك الأمسية من أيام المعرض الذي – للأسف الشديد – لم يسعفني تواجدي خارج  الدار البيضاء على حضورها . وأنا متأكد جدا أن هذا المعرض يحمل هو الآخر نفس الطابع الذي ميزك في كل مساراتك، كيف لا ؟ وأنت من أدمنت الإسهام في تنظيمه والمشاركة فيه وحضور جميع دوراته، بما هو معهود فيك من هدوء، عمق، تضحية، صبر، وقدرة على البقاء، رغم كل عوامل التاكل والنسيان. لقد كنت أخي “مصطفى” كالكتب القديمة التي نحملها معنا، من زمن إلى آخر دون أن نفقد الإحساس بأهمتيها وضرورتها.
كنت – رحمة الله عليك – ترى في الكتاب المستعمل ذاكرة صلبة وارثا روحيا وتؤمن أن إعادة الحياة لصفحات تقادمت هو فعل مقاومة ضد ثقافة الاستهلاك والنسيان ، وها هم رفقتك وأحبتك في الدورة 13 لهذا المعرض يختارون شعار 【 الكتاب المستعمل : ذاكرة تتحدى النسيان 】ولا شك أن متابعي هذا المعرض سيجدونك حاضرا في قلبه، وكأني به يعترف بأنك من الذين يستحقون الخلود في الذاكرة الجماعية .

وداع يليق بكرامة الراحل

ها أنا اليوم أحاول أن استرجع كل ما جمعنا أو كان بيننا ، فلا أشعر بالحزن فقط – وأنت المُحَلقة روحه في العلياء بأمن وأمان وسلام وطمأنينة تامة – بل أشعر بامتنان عميق ، أنك كنت عنصرا فاعلا ضمن المجموعة الكبرى للأطر المدرسية التي شكلناها 【 باقية ، زروال ، لمتيبو، افلاح ، مطهر ، بوزيت ، أبو مالك ، رشدي ،بلعباز ، الجاي ، مبرك ، كَنوني ، الهاشمي، الخدير، جمال، حمدونة، ناضر، زكريا ، الجامعي ، غاطس ، مبسوط ، الحاتمي، الباكير …. وغيرهم كثير ممن لم تسعفني الذاكرة في استحضارهم 】. فكنت مثالا في الصبر، التحمل، التواضع، التآلف، العطاء، البذل دون بهرجة أو ضوضاء … إلى أن رحلت في صمت مطبق،

رحلت تاركا للجميع من الأسرة، الرفقة والأحبة وسكان الجماعة كل الصفاء والتضحية والنبل، وهو ما يضيء عتمة الأيام الحاضرة والمقبلة على حد سواء،
تركت ابتسامتك الهادئة، صوتك الخَفِيِض ، سيرتك البيضاء التي لا ولن تحتاج إلى أي رتوش أو تزيين.

في الختام لا يسعني إلا أن أقول لك، نيابة عن كل محبييك ، ممن ذَكَرْت أو نسيت :
نم قرير العين أخي ورفيقي الأعز.
نم مطمئنا لأن من يزرع الصدق لا يمكن أن يُنْسى أبدا، ومن يَهَب حياته للمعنى لا يغيب.
نم متأكدا من أني أحملك معي في القلب والذاكرة ، كما كنت دوما أستاذا في اللطف وسمو الأخلاق، مثقفا في الصمت والعطاء، إنسانا في كل المحطات والمواقف.
نم إلى أن نلتقي ذات زمان في مكان ما من هذا الأديم السرمدي.

انا لله وانا اليه راجعون

المختار عنقا الادريسي
3 يوليوز 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com