الفنان والمطرب الطاهر جمي: فن خالد مستمر

الفنان والمطرب الطاهر جمي: فن خالد مستمر

                  كان حريصا على استثمار الموسيقى المغربية         

        ذ عبد المجيد شكير

شكلت القاهرة قبلة للفنانين الباحثين عن الشهرة من مختلف الأقطار العربية، وبالنسبة للمغرب، وعلى مستوى الأغنية العصرية، يعد عبد الوهاب اكومي أول مهاجر وذلك سنة 1940، ثم هاجر من بعده في الخمسينات كل من حسن المفتي، محمد المزكلدي، عبد الرحيم السقاط والطاهر جمي ، وفي الستينات هاجر عبد الوهاب الدكالي ثم بعده عبد الهادي بلخياط مع عبد السلام عامر، وفي السبعينات برزت ظاهرة هجرة المطربات وعلى رأسهن سميرة سعيد وعزيزة جلال، ثم بعد ذلك غيثا بن عبد السلام ورجاء بلمليح وأخريات، وبحكم ظهور شركات قوية للإنتاج الفني بالخليج، أصبح هذا الأخير منافسا قويا لمصر، وباستثناء سميرة سعيد التي اختارت الاستقرار بالقاهرة، وعزيزة جلال التي اعتزلت، فإن أغلب الفنانين المغاربة المهاجرين عادوا بعد فترة معينة إلى بلدهم الأصلي لخدمة الأغنية المغربية، مقتنعين بأن الطريق إلى الشهرة يبدأ من الداخل، وليس من الخارج، وبأن العالمية تنطلق من المحلية.
هاجر الطاهر جمي إلى مصر بعد الاستقلال وبالضبط سنة 1957 وهو لا زال في السادسة عشرة من عمره، وفي القاهرة توزعت حياته ما بين ثلاثة مسارات تتكامل فيما بينها، وقد شكلت الدراسة بمعهد اتحاد الموسيقى العربية مساره الأول،

وفي المسار الثاني كان منفتحا ومتتبعا لكل ما هو فني وموسيقي من أخبار وحفلات وتمارين ولا سيما تمارين المطرب عبد الحليم حافظ والذي شارك معه في كورال أغنية (قولولو الحقيقة) ولتوفير مصاريف العيش والسكن في بيت الطلبة العرب والدراسة، كان عليه أن يشتغل كساعاتي وهي الحرفة التي اكتسبها من مسقط رأسه (وجدة) فأصبح بذلك ماهرا في إصلاح أعطاب الساعات وتركيب أجزائها، وهذا هو مساره الثالث في بلاد الغربة.
في القاهرة تفجرت مواهبه الفنية، فسجل هناك عدة قطع من ألحانه وغنائه، وأغلبها كان من تأليف الزجال حسن المفتي، وأول قطعة له كانت تحت عنوان (أهلي وحبابي وجيراني) سنة 1959، وفي سنة 1963 عاد إلى المغرب لينطلق بذلك مشواره الفني الحافل بالعطاء والذي يناهز اليوم الستين سنة.
1 ـ المغني: يمتلك الطاهر جمي صوتا معبرا يؤهله للتفاعل مع الكلمة والعبارة أثناء غناء القصيدة أو الزجل، ومن أجمل الأشعار التي غنى قصيدة (ألا تذكرين) لحسن المفتي:

(ألا تذكرين غراما رأته عيون السنين/ وكنت حبيبا وكنت محبا / وسرنا سويا بدرب الحنين / ويوم زرعنا غصون الأمل / فكان ربيعا نما واكتمل / وكنا سويا سنحيا / على الحب حتى الأزل)

كما غنى لوجيه فهمي صلاح (كيف تنسين هوانا) وللشاعر محمد حاي (نداء قلبي) وقصئد أخرى عديدة، أما على مستوى الزجل فمن أجمل ما غنى (كنحبك) و (اسمع) و ( الهاوي)…

لقد غنى الطاهر جمي للكثير من الزجالين ولكن اللافت هو تنائياته مع بعضهم، وفي الطليعة حميد البوعجيلي (تراب الأجداد ـ ما بقيناش شفناك ـ تلاقاتنا الأيام ـ إلا حبوك رتاح…) وحسن المفتي (السالف ـ عيون عسلية ـ خليك حنين...) ومصطفى الحراث ومصطفى بغداد والوافي فؤاد والطاهر سباطة بالإضافة إلى الكبيرين فتح الله المغاري وحمادي التونسي الذي غنى له (بيني وبينك) وغيرهم، وكانت له مساهمات بارزة في الوطنيات وكذلك في الدينيات (يارب السماء ـ الله جل جلاله...) وما أثارني في أغاني الطاهر جمي بالدرجة الأولى هو انفلاتها من حصار موضوع الحب في معناه الضيق كعلاقة بين الرجل والمرأة، لقد اخترق جمي هذا الطوق وكسره بذكائه الشديد وبدقة اختياره للكلمات فغنى ( أنا صياد ـ باغي قهيوة ـ فكيك ـ العنبة المسكية ـ العنقود...) بل إن الطاهر جمي غنى العديد من القطع المفعمة بالفرح والتفاؤل والأمل ( جات العروسة ـ اضحك وافرح يا جميل ـ سهرتنا تحلى ـ الدنيا زينة ـ عيش متفائل ـ لحن الهناء ـ فرحة اللقاء ـ القمرة ضوي ـ يا صباح الخير ـ محلاها صورة …) وقريب منها ما غناه عن الدفء الإجتماعي عموما والأسري خصوصا (الميمة ـ يا ولدي ـ ارجع لحبابك يا بابا ـ لمة الأحباب ـ جيراني ـ فرقة الأحباب أيام طويلة…)
2 ـ الملحن: تتميز ألحانه عموما بالجمال ومن هنا قدرتها على جذب المتلقي، وكان حريصا على استثمار الموسيقى المغربية فهو مثلا في قطعة (دنيا فتانة) للزجال مالو روان وظف (الركادة) بشكل جميل فطلعت الأغنية غاية في البهاء (وشوفو العشاق داروا ميعاد / حضروا فيه القراب والبعاد / جاوا يتلقاوا في ملقانا) وقد لحن الطاهر جمي لعدة أصوات كنعيمة سميح وحياة الإدريسي ونزهة الشعباوي ونادية أيوب والتي لحن لها قصيدة (يا عديلي) لأحمد صبري وقد فازت بجائزة على المستوى العربي، كما لحن لنعيمة صبري قطعة (رابحة الخمرية) وفيها بدت براعته في اكتشاف مناطق الجمال والقوة في الأصوات.
لم يكن الطاهر جمي نجما في الأغنية المغربية، ولكنه كان وعلى أكثر من خمسين سنة في أغانيه وفي ألحانه وفي قيادته الجوق الجهوي لمدينة البيضاء خلفا لعبد الله عصامي في الفترة الممتدة ما بين 1997 و 2001، كان في كل هذا فنانا صادقا في رسالته، مخلصا في فنه، ومحترما لجمهوره، وهذا ما جعل أعماله إضافة نوعية وكمية في مشهدنا الموسيقي، وبذلك فهو يستحق منا الاعتراف والاحترام والتقدير.

من أشهر ما غنى الطاهر جمي قطعة ( كنحبك) وهي من كلمات حسن المفتي:

كنحبك وأنت بعيد كنحبك وأنت قريب
بخصامك أو رضاك
وأنت العزيز الحبيب
كنحبك وأنت بعيد
صورتك شاغلة خيالي
ليل ونهار معايا
والدنيا تحلا لي لما تكون حدايا
مهما طال العمر
الحب ديما يكبر
وشوقي ليك كيزيد
كنحبك وأنت بعيد كنحبك وأنت قريب
بخصامك أو رضاك
وأنت العزيز الحبيب
كنحبك وأنت بعيد
لو باغي تنساني
أنا محال ننساك
وأنت ضي عياني
صابر كنتسناك
مهما طال العمر
الحب ديما يكبر
وشوقي ليك كيزيد

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com