الشاعر محمد بن الحسين :رائد الشعر الغنائي

أغنيات خالدة في الأغنية المغربية للشاعر بن الحسين
لم يكن للأغنية المغربية العصرية في بداياتها كتاب متخصصون في كتابة الأغاني، كان الملحنون يضعون أيديهم على الكلام المنشور في الجرائد والمجلات المحلية والعربية، أو يؤلفون بأنفسهم القطع ثم يصوغون لها اللحن المناسب، وأول من برز اسمه وترددت أغانيه كان هو الشاعر محمد بن الحسين. ولد سنة 1927، وعرف منذ شبابه بحيويته ونشاطه المتعدد الوجوه، ويهمنا هنا التركيز على شعره الغنائي ، ومن خلال نظرة فاحصة نخلص إلى الملاحظات الآتية:
1 ـ التألق في القصيدة والزجل: على مستوى القصيدة يتضح تمكن الشاعر من اللغة العربية واستثماره لرحابة طاقتها التعبيرية ، وإلمامه الواسع بأدوات الشعر الفنية، وقد استمد الشاعر كل هذا من ثقافته الواسعة أولا ومن مهنة التدريس التي زاولها كثيرا ، ونلمس اقتداره هذا في انتقاء الكلمات المعبرة وتوظيف الصور الأخاذة ، وفي الاهتمام بالجرس الموسيقي، ولنا في بديعة الأستاذ أحمد البيضاوي وواحدة من خالداته (قل لمن صد وخان) خير مثال على ما نقول:
قل لمن صد وخانا/ ورمى عنه هوانا
ومضى عنا وولى/ وغدا يبغي سوانا
ما الذي أغضب عنا/ ذلك البدر المصانا
نلاحظ أن فعل (رمى) في الشطر الثاني من البيت الأول عبر بدقة عن إعراض المحبوب، وجسدت جملة (ورمى عنه هوانا) صورة بيانية قائمة على الاستعارة حيث شبه الشاعر ما هو معنوي (الهوى) بشيء مادي قابل للرمي مثل الأزبال، ولننتبه إلى تردد صوت النون في البيت الأول برمته مما أضفى رنة إيقاعية لا تخطئها أذن السامع.
ولمحمد بن الحسين تحفة ثانية لم تحظ بالشهرة مثل سابقتها وهي (هجران) والتي لحنها الموسيقار أحمد البيضاوي وغنتها بهيجة إدريس، وأعادتها فيما بعد المطربة سمية قيصر، هناك تسجيلان لهذه القطعة بصوت بهيجة، الأول بالاستوديو، وأما الثاني ففي سهرة مطولة تفيض بالطرب، وقد حلق الشاعر محمد بن الحسين في هذه القصيدة عاليا وهو يصور معاني الحب والهجر، والوفاء والخيانة، وكساها الملحن أنغاما زادتها جمالا على جمال، وأما بهيجة فنفخت فيها من روحها وأحاسيسها:
رضيت بحالي إن تكن عنه راضيــا / فا زلت بعد الهجر بالحمد شاديا
إذا كنت ترضى أن أعذب في الهوى / فـــإن عذابي فيــــه أغلى مراديا
شربت الضنى من كأســـه إذ مــلأته / فأعذب بــها كأسا إذا كنت ساقيا
وأعــــجب أمــري أن تـــكون معذبي / وأهواك حــتى لا أطــــيق التنائيا
وعلى مستوى زجله الغنائي كان أسلوبه رقيقا وهو يصور حلاوة الغرام، وعذاب الهجر، ونار الشوق، يقول في قطعة (هجرك قاسي):
هجرك قاسي وحبك نار
طول غيابك زاد في آلامي
طيف خيالك فيه محتار
يزورني ويهيج حبي وغرامو
والملاحظ أن زجله العاطفي تهيمن عليه معاني الشكوى والعذاب والألم (ياناسيني ـ الغيرة ـ يا لايمني….)
كما هو الشأن في الأغنية العربية عموما، ولا غرابة في ذلك فالشاعر سار على منوال الأغاني الشرقية الشائعة آنذاك، بل ومن شدة تأثره بهذه الأخيرة تسربت إلى قطعه بعض المفردات من العامية المصرية (كلمة ليه في أغنية ليه يازينة ـ ياما في أغنية حبيبي لما عاد ـ حبايب في أغنية في لحظة وحدة …)
2 ـ تعدد مواضيع كتاباته: كتب محمد بن الحسين أنواعا متعددة من الأغاني، منها ما هو عاطفي كما تعرفنا على ذلك سابقا ، وله في الوطنيات نماذج عديدة، ذلك أن الشاعر سخر قلمه للدفاع عن قضايا بلده وعلى رأسها حريته وسيادته، لقد وثق لفترة خضوع المغرب للاحتلال الأجنبي وتوقه لفك ربقة الإستعمار كما هو الشأن في قصيدة (يا موطني): يا موطني نلت المراد فاسلم / فأنت مني في الحشا وفي الدم / أنت نشيد المجد في كل فم / أنت شعار العز منذ القدم / أرواحنا دماؤنا فداك / فلن يدوس غادر حماك / وفي قطعة (حب الوطن من الإيمان) يدعو الشاعر الشباب إلى النضال والفداء:
احموا الوطن ياشباب / بالأرواح والأبدان /حب الوطن من الإيمان .
هذا دون أن ننسى شهيرته بمناسبة عودة الملك الراحل محمد الخامس من منفاه (نشيد العودة) : عدت يا خير إمام / بالأمان العظام / عدت للعرش المفدى / تعتلي أسمى مقام / عدت بالمجد عزيزا / رغم أحداث جسام .
وفي الدينيات كتب عن شهر رمضان الفضيل قطعتين: (تحية رمضان) وقد غناها أحمد البيضاوي، و (شهر التقى شهر النور) وقد غنتها بهيجة إدريس ، يقول في هذه الأخيرة :
ندعوك يا رحمان / من القلب كل أوان / ونردد القرآن / بالروح في رمضان
وله قطع من نوع آخر مثل (نحن عمال البلاد ـ يا مراكش يا وريدة …)
3 ـ مع الملحنين والمغنين: توزع رصيد محمد بن الحسين من الشعر الغنائي في الغالب ما بين ملحنين كبيرين هما :
أحمد البيضاوي وعبد القادر الراشدي،
فالأول اتجه ـ كما هو دأبه ـ إلى قصائده العاطفية والوطنية والدينية، وغنى بنفسه أكثرها (قل لمن صد وخان ـ يا موطني ـ نشيد الجيش ـ نداء الوطن ـ تحية رمضان …) وأسند بعضها لغيره مثل (هجران ـ شهر التقى) لبهيجة إدريس، و (نحن عمال البلاد) لعبد الوهاب الدكالي..
أما الراشدي فلحن وغنى له بعضا من وطنياته (نشيد العودة ـ بطل التحرير ـ حب الوطن من الإيمان....) كما لحن له العديد من قطعه الزجلية العاطفية أسند غناءها إلى مطربين آخرين وعلى رأسهم إسماعيل أحمد الذي فاز بالنصيب الأكبر (حبيبي لما عاد ـ هجرك قاسي ـ يا لايمني ـ يا ناسيني ـ الغيرة ـ ليه يا زينة ـ في لحظة واحدة …) وتشكل هذه القطع النواة الأولى لتنائي عبد القادر الراشدي وإسماعيل أحمد وهو الأغزر إنتاجا في الأغنية المغربية ما بين ملحن ومطرب، وكانت قطعة (بلا عداوة ما تكون محبة) من نصيب عبد الوهاب الدكالي، وأما محمد المزكلدي فقد غنى (طال هجرك يا حبيبي) ونشير إلى أن المطربة بهيجة إدريس أعادت لحنين للراشدي (الغيرة ـ يا ناسيني) كما أعاد له الدكالي قطعة (هجرك قاسي).
يتضح إذن أن المطربين الذين غنوا للشاعر محمد بن الحسين هم إسماعيل أحمد بالدرجة الأولى، وتليه بهيجة إدريس فعبد الوهاب الدكالي.
توفي الشاعر محمد بن الحسين سنة 1989 مخلدا اسمه بما تركه لنا من تحف غنائية تزركش ريبيرطوار الأغنية المغربية.
