بين فرحة المدرجات… وامتحان الأوطان

بين فرحة المدرجات… وامتحان الأوطان

كرة القدم أجمل استراحةٍ من تعب الواقع…

ما أجمل أن يفرح الناس.
وما أروع أن يجتمع شعبٌ بأكمله حول راية واحدة، وقلبٍ واحد، ودعاءٍ واحد، وأن تتحول الشوارع إلى لوحات من البهجة، تتعانق فيها الوجوه قبل الأعلام، وتذوب فيها الفوارق أمام نشوة الانتصار.
فالرياضة، في أبهى صورها، تتجاوز حدود المنافسة لتغدو لغةً إنسانية تجمع ولا تفرق، وتزرع في النفوس الأمل، وتمنح الشعوب لحظاتٍ نادرة من الفخر والاعتزاز.
غير أن الحياة، كعادتها، لا تتوقف عند صافرة النهاية.
وأقول ذلك، وأنا واحدٌ من هؤلاء المغاربة. سهرتُ الليل أتابع المباراة لحظةً بلحظة، يخفق قلبي مع كل هجمة، وأحبس أنفاسي مع كل فرصة. تألمتُ عندما استقبل مرمانا هدفًا، وشعرتُ بشيءٍ من الانكسار، ثم صرختُ فرحًا في جوف الليل حين عاد منتخبنا بهدف التعادل، وعشتُ دقائق ضربات الترجيح بقلقٍ لا يهدأ، حتى انفجرتُ فرحاً مع صافرة التأهل إلى ثمن النهاية. وكانت تلك لحظاتٍ صادقةً من الفرح الوطني، ذكّرتني بأن حب الوطن قد يخرج أحياناً في صيحة فرح، كما يخرج في كلمة صدق، أو فكرة مسؤولة، أو عملٍ مخلص.
وما إن تنطفئ أضواء الملاعب، وتُطوى الأعلام، ويعود كل واحد إلى بيته، حتى يبدأ سؤالٌ آخر، أكثر هدوءاً… وأكثر عمقاً: ماذا بعد؟
ماذا يتغير في حياة الأوطان بعد انتصارٍ كروي؟ وهل تستطيع نتيجة مباراة، مهما كانت عظيمة، أن تغيّر واقع الاقتصاد، أو تنهض بالتعليم، أو تشفي أوجاع المستشفيات، أو تقلّص الفوارق الاجتماعية؟
لننظر إلى المباراة التي جمعت المنتخب المغربي ونظيره الهولندي.
رياضياً، انتصر المغرب، وفرحاة المغاربة، وكان ذلك حقنا، كما هو حقنا أن نعيش تلك اللحظة بكل ما فيها من فخرٍ وفرح.
أما هولندا، فقد خسرت مباراة… لا أكثر.
في صباح اليوم التالي، ستظل جامعاتها بين الأفضل عالميًا، ومستشفياتها من بين الأكثر كفاءة، ومدارسها تواصل صناعة المعرفة، ومؤسساتها تؤدي وظائفها، واقتصادها يمضي في مساره، ومستوى العيش فيها كما كان.
قد تتراجع في تصنيف كرة القدم، لكنها لن تتراجع في تصنيف الصحة، ولا التعليم، ولا البحث العلمي، ولا التنمية البشرية.
أما نحن، فإن فرحتنا الصادقة لن تمحو ديناً عاماً، ولن تخفف الاكتظاظ في الفصول الدراسية، ولن تختصر مواعيد العلاج، ولن تجعل مؤشرات التنمية تقفز بين ليلة وضحاها.
ويظل الاعتزاز بالإنجاز مستحقاً، مع بقاء الحقيقة واضحة: لكل ميدانٍ قوانينه، ولكل نجاحٍ أدواته.
ولعل من أعمق ما ينبغي أن نتأمله، أن عدداً كبيراً من نجوم منتخبنا هم أبناء الجالية المغربية، نفخر بهم ونعتز بانتمائهم لوطنهم. لكنهم، في الوقت نفسه، ثمرة سنواتٍ طويلة من التعليم، والتكوين، والرعاية الرياضية، داخل منظومات أوروبية آمنت بالاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في النتائج.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة والمؤلمة معاً.
فنحن نحتفل بثمار الإنسان المغربي، لكن هذه الثمار نضج كثيرٌ منها في تربةٍ أخرى، وتحت سماءٍ أخرى، وفي مؤسساتٍ أخرى.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو: كيف نهيئ في وطننا الشروط التي تجعل أبناءه يبدعون في كل المجالات، وتصبح كرة القدم صفحةً من كتاب نجاحٍ أوسع؟
إن الأمم لا تُقاس بعدد الأهداف التي تسجلها، وإنما بعدد العقول التي تُبدع، وعدد المدارس التي تُخرّج، وعدد المستشفيات التي تُداوي، وعدد المؤسسات التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه.
فالمنتخب يستطيع أن يمنحنا ليلةً من الفرح…
أما المدرسة الجيدة، فتهب الوطن أجيالًا.
والمستشفى الجيد يمنح الناس حياة.
والجامعة القوية تمنح الأمة مستقبلاً.
والاقتصاد المتين يمنح المواطن كرامةً واستقراراً.
وحين تجتمع هذه الإنجازات كلها، يصبح الفوز في الملعب انعكاسًا طبيعيًا لنجاحٍ أكبر خارج الملعب.
ليست المشكلة أن نفرح لكرة القدم.
المشكلة أن نكتفي بها.
وليست القضية أن نرفع الأعلام بعد الانتصار.
المهم أن نرفع، في كل يوم، مستوى التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والإدارة، والعدالة، والإنتاج.
فالأمم العظيمة لا تختار بين النجاح الرياضي والنجاح الحضاري؛ إنها تعتبر الأول ثمرةً من ثمار الثاني.
وسيأتي اليوم الذي يكون فيه تصنيفنا في كرة القدم جميلاً، لأن تصنيفنا في التعليم ممتاز، وفي الصحة رائع، وفي الاقتصاد متقدم، وفي التنمية البشرية مرموق.
عندها فقط، يغدو انتصار المنتخب ثمرةً طبيعية لوطنٍ جعل النجاح ثقافةً، والانتصار عادةً.
أما قبل ذلك، فستظل كرة القدم أجمل استراحةٍ من تعب الواقع… لكنها لن تكون، مهما بلغت من السحر، بديلاً عن مشروع وطن.
فالانتصارات التي تصنعها الأقدام قد تُفرح الشعوب أياماً، أما الانتصارات التي تصنعها العقول فتُسعدها أجيالاً.
                                                   م.إسماعيلي

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *