معرض الكتاب : الرباط وابن بطوطة
عاصمة الكتاب رحلة إلى المستقبل

في زمن تتسارع فيه الصور وتخفت فيه الأصوات العميقة، يأتي إختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب سنة 2026 ليعلن أن القراءة ما تزال قادرة على حماية الإنسان من التشتت، وأن الكتاب ليس أثرا قديما، بل قوة حية تصنع الوعي وتوقظ الأسئلة. فالرباط لا تستقبل لقبا إحتفاليا فحسب، بل تدخل إمتحانا ثقافيا كبيرا: كيف تجعل الكتاب قريبا من الناس، حاضرا في المدرسة والشارع والبيت، لا محصورا في الرفوف والقاعات؟ إن هذا التتويج يضع المدينة أمام فرصة نادرة لتأكيد أن المعرفة ليست زينة، بل أساس للنهضة والكرامة والإنفتاح.
مدينة بين الذاكرة والحلم
تملك الرباط سحرا خاصا لأنها تجمع بين هدوء التاريخ ونبض الحاضر. أسوارها القديمة، ومآثرها، ومكتباتها، وجامعاتها، ومؤسساتها الثقافية، كلها تجعلها مدينة لا تعيش خارج زمنها، ولا تقطع صلتها بجذورها. إنها عاصمة إدارية، لكنها أيضا فضاء للذاكرة والحوار والجمال. ولذلك يبدو إختيارها عاصمة عالمية للكتاب منسجما مع مسارها؛ فقد إحتضنت عبر السنوات لقاءات فكرية وفنية، وفتحت أبوابها للكتاب والقراء والناشرين، وجعلت الثقافة جزءا من صورتها وهويتها.
من 23 أبريل إلى 10 ماي: ربيع للقراءة
تبدأ رمزية الحدث من تاريخه. فقد إنطلقت سنة الرباط عاصمة عالمية للكتاب يوم 23 أبريل 2026، الموافق لليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، لتدخل المدينة هذا الموعد من أوسع أبوابه. وبعد أيام، إستقبلت الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، الممتدة من 30 أبريل إلى 10 ماي. هذا التقارب يمنح الرباط ربيعا ثقافيا متوهجا، حيث لا يبقى الإحتفاء خطابا رسميا، بل يتحول إلى لقاء حي بين القارئ والكاتب، وبين الناشر والمترجم، وبين الطفل والصفحة الأولى التي قد تغير حياته.
إبن بطوطة: الرحلة حين تصير كتابا
يكتسب المعرض هذه السنة روحا أكثر عمقا بإحتفائه بأدب الرحلة من خلال إرث الرحالة المغربي إبن بطوطة. وهذا الإختيار موفق، لأن إبن بطوطة لم يكن مسافرا عاديا، بل كان عينا مغربية قرأت العالم، وحولت الطرق إلى حكايات، والمدن إلى ذاكرة، والإختلاف إلى معرفة. لقد أدرك، قبل قرون، أن السفر لا يقاس بالمسافات وحدها، بل بما يفتحه في النفس من دهشة وفهم وإتساع. وهكذا يلتقي إسم إبن بطوطة بالرباط عاصمة الكتاب، ليؤكد أن كل قراءة سفر، وأن كل كتاب ميناء جديد يخرج منه الإنسان أوسع نظرا وأعمق وعيا.
الكتاب خارج الجدران
نجاح هذا الموعد لا يتحقق بعدد الندوات وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى الناس. فالكتاب يجب أن يغادر القاعات المغلقة إلى الساحات، والمدارس، والأحياء، والمكتبات القريبة، والفضاءات العامة. حين يجد الطفل كتابا يدهشه، وحين يكتشف الشاب أن القراءة تساعده على فهم خوفه وأسئلته وأحلامه، تتحول المناسبة إلى طاقة إجتماعية حقيقية. فالقراءة ليست ترفا نخبويا، بل تمرين يومي على الخيال، والإنصات، والنقد، وإحترام الإختلاف.
فرصة للمغرب الثقافي
يمثل هذا التتويج فرصة للمغرب كي يعزز حضوره الثقافي دوليا، ويبرز غنى أدبه وفكره وترجماته وإبداعه. كما يمكن أن يمنح صناعة الكتاب دفعة جديدة في النشر والتوزيع ودعم المؤلفين وتشجيع القراءة لدى الأجيال الصاعدة. فالمدينة التي تراهن على الكتاب تراهن على الإنسان، وعلى قدرته على بناء مستقبل لا تقوده المادة وحدها، بل تقوده الفكرة واللغة والوعي.
مدينة تمشي نحو الغد
الرباط عاصمة عالمية للكتاب سنة 2026 ليست نهاية مسار، بل بداية مسؤولية جميلة. عليها أن تحول اللقب إلى مشروع، والإحتفال إلى عادة، والقراءة إلى رفيق يومي. ومن 23 أبريل إلى أيام المعرض الممتدة حتى 10 ماي، تبدو المدينة كأنها تسافر على خطى إبن بطوطة، لا لتكتشف العالم فقط، بل لتكتشف قوتها الداخلية: أن تصبح مدينة تقرأ، وتحاور، وتحلم، وتكتب مستقبلها صفحة بعد صفحة.
05/05/26 ألمانيا
