23 أبريل: اليوم العالمي للكتاب
في تمجيد العقل حين يكتب نفسه
ليس الاحتفاء بالكتاب احتفاء بورق وحبر، ولا مجرد وسيلة من وسائل نقل المعرفة، بل هو احتفاء بالعقل في أسمى تجلياته، حين يخرج من صمته ليصوغ خبرته في لغة، ومن عزلته ليهب الآخرين ثمرة تأمله. فالكتاب ليس أثرا ثقافيا عابرا، وإنما هو شاهد على قدرة الإنسان على مقاومة الفناء بالمعنى، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى ميراث إنساني قابل للدوام والتجدد.
الكتاب: حين يترك العقل أثره في الزمن
ليس الكتاب شيئا يضاف إلى العالم بقدر ما هو إعادة تشكيل له في صورة أقدر على البقاء. فمن خلاله، لا يكتفي الإنسان بتسجيل ما أدركه، بل يعيد ترتيب خبرته، ويهذب فوضى التجربة، ويستخلص من تشعب الحياة بناء لغويا قابلا لأن يعاش من جديد في أزمنة لاحقة. ولهذا، فإن الكتاب الحق ليس مجرد وعاء للمعرفة، بل هو الأثر الذي يتركه العقل حين يأبى أن يكون مروره في الزمن مرورا عابرا. إنه محاولة نبيلة لإنتزاع المعنى من زحام الأيام، وتثبيته في صيغة تقاوم النسيان، وتظل قابلة للإستعادة والتأمل وإعادة القراءة عبر الأجيال.
القراءة: عبور راق إلى وعي آخر
وليس فعل القراءة أقل شأنا من فعل الكتابة؛ إذ لا تنحصر القراءة في إنتقال العين بين السطور، ولا في تلقي الأفكار على نحو سلبي، بل هي عبور هادئ وعميق إلى عالم داخلي آخر. حين نقرأ، فإننا نضع وعينا في تماس مباشر مع وعي مغاير، مشحون بخبرات لم نعشها، وأسئلة لم نصغها، ورؤى ربما لم تكن لتخطر لنا لولا هذا اللقاء. غير أن هذا التماس لا يتم على سطح النفس، بل يفرض على القارئ أن يعيد ترتيب أدوات فهمه، وأن يوسع أفقه كي يتسع لما يقرأ. ومن هنا تغدو القراءة تربية للعقل على التواضع المعرفي، وعلى اختبار الذات في مرآة الاختلاف، لا بإلغائها، بل بتهذيبها وتعميقها.
الكتاب الجيد: خلخلة المألوف وإيقاظ السؤال
وأخطر ما يفعله الكتاب الجيد أنه لا يترك قارئه كما كان. فهو لا يضيف إلى ذهنه معارف جديدة فحسب، بل ينفذ إلى طبقاته الأعمق، حيث تستقر البداهات التي لم تخضع للمساءلة، والمسلمات التي إستقرت من فرط الألفة لا من فرط البرهان. هناك يبدأ أثره الحقيقي: في خلخلة المألوف، وإرباك الساكن، وزعزعة ما توهمناه طبيعيا ونهائيا. وليس هذا الإرباك هدما عبثيا، بل هو الشرط الأول لكل بناء راسخ؛ لأن الفهم لا ينضج إلا حين يمر من إمتحان السؤال، ولا تستقيم المعرفة إلا حين تتحرر من كسل التلقي وصمت الوراثة الفكرية.
القارئ: من متلق إلى شريك في المعنى
ولا تبلغ القراءة ذروتها إلا عندما يغادر القارئ موقع التلقي الصامت إلى موقع المشاركة الواعية. فالنص، مهما بلغ من الإحكام، لا يستنفد دلالاته دفعة واحدة، ولا يكتمل إلا بذلك الفعل التأويلي الذي يمنحه القارئ من أفقه وتجربته ووعيه. ومن هنا، تصبح القراءة حوارا خفيا بين ذاتين: ذات كتبت، وذات تقرأ؛ وبين أفقين: أفق النص وأفق المتلقي. وفي هذا التداخل الخلاق يتولد معنى جديد، لا يملكه الكاتب وحده، ولا يستقل به القارئ وحده، بل ينشأ بينهما. وهنا تتشكل استقلالية الفكر الحق: لا بوصفها رفضا أجوف لكل ما هو معطى، بل بوصفها قدرة على مساءلته، وإعادة تركيبه، والتعامل معه بوعي نقدي حي.
الكتاب وبناء المجال المشترك
وحين ينتشر الكتاب في مجتمع ما، لا تتغير عادات الأفراد فحسب، بل يعاد تشكيل المجال الذي يجمعهم. إذ تنشأ، شيئا فشيئا، لغة مشتركة قوامها الحجة بدل الإنفعال، والتفكير بدل التكرار، والسؤال بدل التسليم. والكتاب، بهذا المعنى، لا يؤدي وظيفة تعليمية ضيقة، بل ينهض بدور حضاري أوسع: إذ يعد الإنسان ليكون طرفا في حوار يتجاوز مصالحه المباشرة، ويؤهله لأن يرى في الإختلاف إمكانا للفهم، لا ذريعة للإقصاء. وهكذا يسهم الكتاب في بناء المجال المشترك الذي لا تقوم فيه العلاقة بين الناس على الضجيج وردود الأفعال، بل على المعنى والحوار والتراكم.
في زمن الضجيج: لماذا نعود إلى الكتاب؟
كلما إزداد العالم صخبا، ازدادت الحاجة إلى فضاء يمنح العقل فرصة للإنصات إلى نفسه. ولا يكاد شيء يؤدي هذا الدور كما يؤديه الكتاب؛ فهو لا يفرض إيقاعه على قارئه، ولا يستبد بإنتباهه، بل يمنحه زمنا للتوقف والتأمل وإعادة النظر. ومن ثم، فإن العودة إلى الكتاب ليست انسحابا من الواقع، بل عودة أكثر نضجا إليه؛ لأنها تمكن الإنسان من فهمه على نحو أقل سطحية، وأكثر عمقا واتزانا. وفي اليوم العالمي للكتاب، الموافق 23 أبريل، لا يكون الوفاء الحقيقي للكتاب في تكرار المديح، بل في إعادته إلى صميم الحياة اليومية: فعلا حيا، ومجالا للتفكير، وملاذا للعقل، وواحدا من آخر المعاقل التي لا يزال الإنسان قادرا فيها على أن يمارس حريته في هدوء وكرامة وعمق.
منير لكماني/ ألمانيا
