الاعتذار لا خلق الأعذار

الاعتذار لا خلق الأعذار

 

     م.إسماعيلي

كتب أخ إلى أخيه يعتذر منه فقال:”مِثلي هَفا وَمِثلُكَ عَفا
فأجابه أخوه:
مِثلُكَ اعتَذر ومِثْلِي غَفَر”
ما ألطف الإشارة، وأوجز العبارة بين الإخوة..
الإعتذار لا خلق الأعذار..!!
هذه ليست مجرد عبارة لطيفة بين أخوين؛ هذه فلسفة علاقة كاملة في سطرين.. فيها اعتراف بلا مراوغة.. وغفران بلا تردد.. كأنهما يتبادلان النبل لا العتب.
الإعتذار من شيم الكبار.. كبار النفوس.. وخُلُق من أخلاق الأقوياء.. وعلامة من علامات الثقة بالنفس التي لا يتصف بها إلا الكبار.. الذين لديهم القدرة على مواجهة الآخرين بكل قوة وشجاعة وأدب.. ف”الضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالمسامحة من صفات الأقوياء.” كما قال الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا. فالاعتذار والمسامحة توأمان؛ كلاهما يحتاج قلبًا شجاعًا. والإنسان حين يقول “أنا أخطأت” إنما ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر للحق.
جاء في الحديث الشريف فيما رواه الإمام مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ”. فالخطأ قدرٌ إنساني، أما الإصرار عليه فاختيار.. والحياة بدون اعتذار ستحمل معاني النِّدِّيَة.. وستخلق جواً من التوتر والقلق بين الناس.. يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: “كل البشر خطّاءون، وأفضلهم من يعترف بخطئه”.
الاعتذار ليس ضعفًا، بل وعيٌ بالنفس. ولهذا قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “ليس الاعتراف بالخطأ ضعفًا، بل هو شجاعة التفكير ضد نفسك.” فالإنسان حين يعترف بخطئه إنما ينتصر على غروره، ويُخضع أناه لحقيقة أسمى. ف”من يعترف بخطئه قد أصلح نصفه.” كما قال الفيلسوف الرواقي والكاتب المسرحي ورجل الدولة الروماني لوكيوس سينيكا. والاعتذار بداية الإصلاح لا نهايته.. وأولى خطوات التصحيح ف” الخطأ الحقيقي ألا نصححه.” كما قال الفيلسوف الصيني صاحب المذهب الذي تضمن مجمل التقاليد الصينية عن السلوك الإجتماعي والأخلاقي الحكيم كونفشيوس.
الإعتذار خُلُق اجتماعي جميل يدعو للتعايش.. ويمحو ما قد يشوب المعاملات الإنسانية من توتر أو تشاحن نتيجة الاحتكاك المتبادل بين الناس..
الإعتذار ينفي عن صاحبه صفة التعالي والكبر.. ويمنحه المصداقية والثقة في قلوب الآخرين..
الإعتذار يُزيل الأحقاد.. ويقضي على الحسد.. ويدفع عن صاحبه سوء الظن به.. والارتياب في تصرفاته..
الإعتذار يعني الإعتراف بالخطأ.. وقلما تجد إنساناً يستطيع أن يواجه الآخرين بخطئه أو يعترف به..
الإعتذار يعني تحمل المسئولية عن الخطأ الذي ارتكبه صاحبه.. وهو صعب التحقيق إلا بين الكبار الذين يواجهون أخطاءهم بكل قوة وحزم..
الإعتذار يحتاج من صاحبه إلى قوة نفسية هائلة تدفعه للمبادرة به.. وهو ما لا يتوفر إلا للكبار الذين كبحوا جماح أنفسهم فسَلِسَ لهم قيادتها.. ولأن الكبار هم الذين يُراعون مشاعر الآخرين.. ولا يجرحونها.. فلا يعتدون على حقوقهم أو يدوسون على كرامتهم.. لذا فإنهم متى بدر منهم خطأ يسارعون للإعتذار وتصحيح الوضع.. وهذا أيضاً لا يكون إلا من أخلاق الكبار..
الاعتذار الصادق لا يحتاج تبريرًا، بل يحتاج صدقًا.
أما الأعذار، فهي محاولة للنجاة بالصورة، لا بالعلاقة..
الاعتذار شاق على كثير من الناس.. وقليل من يستسيغه ويتحمله وخاصة بين صغار النفوس ممن يعتَدّون بأنفسهم.. ممن نشؤوا منذ نعومة أظفارهم على الأثرة والترفع.. فيصعب عليهم جدا أن تخرج كلمة الاعتذار من أفواههم أو أن يقبلوا اعتذارا ممن يعتذر.. ويحتاج الأمر لكثير من المجاهدة لكي تسلس وتسهل وتلين للمرء قيادة نفسه حتى يقبل بالأمرين .
صغار النفوس يتجاهلون أحاسيس غيرهم.. يجرحون مشاعرهم.. يدوسون على كرامتهم..
صغار النفوس يعتقدون أنهم فوق الجميع.. وعلى الآخرين أن يتحملوا ما يصدر عنهم من تصرفات يجدون لها دائما أسبابا واهية..
صغار النفوس يبرعون في خلق الأعذار لا الإعتذار.. لأنهم يعتبرون الإعتذار هزيمة وضعفا وانتقاصا من الشخصية..
صغار النفوس يصعب عليهم الإعتراف بأخطائهم وبالمسؤولية تجاه تصرفاتهم.. لأن الآخرين هم المخطئون دائما أو هي الظروف التي يقع عليها اللوم..
صغار النفوس دائما ما يستعملون “لكن” حرف استدراك لمحو كلمة آسف التي يضطرون لقولها..
“آسف. ولكن لم يكن قصدي..”
“آسف. ولكن الظروف هي التي أرغمتني..”
“آسف. ولكن أنت لم تسمعني جيدا..”
“آسف. ولكن أنت فهمتني غلط..”
“آسف. ولكن..؟!”
يقول الكاتب الأمريكي الساخر الراحل مارك توين: “الاعتذار الحقيقي لا يتضمن كلمة لكن.” فكلمة “لكن” تهدم ما تبنيه “آسف”.
“أنا آسف” كم هي صعبة على صغار النفوس النطق بها وكم هي مريحة للكبار.. كلمتان لو قيلتا بصدق لجبرت قلوبا مكسورة ولضمدت كرامة مجروحة.. ولأعادت المياه إلى مجاريها في الكثير من العلاقات المتصدعة.. ولحلت العديد من الإشكاليات في هذه الحياة..
وبين الاعتذار واختلاق الأعذار يظهر الفرق بين الكبار والصغار.. صغار النفوس.
الكبار يعترفون،
والصغار يبررون.
الكبار يصلحون،
والصغار يجادلون.
كلمتان فقط: “أنا آسف.” إن خرجتا بصدق، جبرتا خاطرًا، وردّتا كرامة، وأعادتا المياه إلى مجاريها. وكلمة واحدة: “عفوت.” إن قيلت بإخلاص، حرّرت القلب من ثقل العتب.
فما أرقّ أن يجتمع الاعتذار الصادق مع العفو الكريم.. عندها لا تُرمَّم العلاقات فحسب،بل ترتقي النفوس.
الاعتذار اعتراف صافٍ، لا مساحة فيه للمراوغة. يقول آخر فلاسفة التنوير الفيلسوف الألماني الراحل إيمانويل كانط: “الكرامة الإنسانية تقوم على تحمّل المسؤولية.” ومن لا يتحمل مسؤولية خطئه، إنما يتنازل عن جزء من كرامته الأخلاقية.
الاعتذار ليس مجرد تصحيح موقف بل تطهير نفس.. ف”بالألم ينضج القلب، وبالاعتراف يصفو.” كما قال الشيخ الصوفي والفقيه الحنفي صاحب الطريقة المولوية “مولانا” جلال الدين الرومي. أما الإمام حسن البصري فيرى أن “المؤمن قليل الأذى، سريع الفيء إلى الحق.” وسرعة الفيء إلى الحق هي جوهر الإعتذار.
وخير من كل ذلك العفو والصفح والتسامح مع من أساءوا إلينا أو ظلمونا أو اغتابونا إن لم يكن إكراما لهم فرجاء للفوز بأجر الله بلا حساب..
العفو عن الناس أحد الأعمال الثلاثة التي لا تدخل الموازين لعظمتها وأن أجرها عند الله بغير حساب لقوله تعالى في سورة الشورى: “..فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ ..” صدق الله العظيم. فالعفو ليس مجرد خُلٌقٌ اجتماعي محمود وإنما هو عبادة خفية موكول أجرها إلى الله الكريم.
أجمل ما في الاعتذار الصادق أنه يلين القلوب قبل أن يصلح المواقف.. وأجمل ما في العفو أنه يحرر صاحبه قبل أن يريح غيره. إنه تحرير للنفس وإيقاف للنزيف.. و”أسمى درجات القوة هي القدرة على الصفح.” كما يرى أبرز أدباء الحقبة الرومانسية الروائي والكاتب الفرنسي فيكتور هيجو. أما الانتقام فيكاثر الجراح و”العين بالعين تجعل العالم أعمى” كما قال الزعيم الروحي للهند المهاتما غاندي.
الاعتذار شجاعة أخلاقية.. والعفو رفعة روحية..
الاعتذار قوة في الاعتراف.. والمغفرة قوة في التجاوز.. وكلاهما انتصار على النفس قبل أن يكون انتصارا على الموقف.
الاعتراف بالخطأ صقل للقلب.. كما أن العفو تحرير له من قيود الغضب.
من اعتذر فقد انتصر على نفسه.. ومن عفا فقد ارتقى فوق جراحه.. وبين الكلمتين “آسف” و”عفوت” تُبنى جسور.. وتُرمَّم علاقات.. ويعلو الإنسان على صغائره.
ليس الخطأ سقوطا.. فالوقوع الحقيقي أن يُغلق القلب بابه.. وأن تتضخم الأنا.. والاعتذار في ميزان العارفين ليس مجرد إصلاح علاقة.. بل هو انكسارٌ محمود.. والانكسار باب الدخول.. ف””الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور.” كما يرى مولانا جلال الدين الرومي. وكأن الخطأ جرحٌ في ظاهر الأمر.. لكنه في الباطن شقٌّ يتسرّب منه ضوء التزكية.. فإذا اعترف المرء بخطئه، لم يكن يعتذر إلى أخيه فحسب، بل كان يعتذر إلى الحقيقة…
إلى صورة نفسه التي أراد لها الكمال، فإذا بها بشر. وفي حكم ابن العطاء السكندري احد أقطاب الطريقة الشاذليه الصوفية الملقب بـ«قطب العارفين»، و«ترجمان الواصلين»، و«مرشد السالكين» “فالذنب الذي يولّد انكسارًا صادقًا،خيرٌ من طاعةٍ تورث عجبًا” وكلمة “أنا أخطأت” إن خرجت من قلبٍ خاشع، قد تكون أقرب إلى الله من ألف عملٍ يخالطه الكِبر.
الاعتذار إذن تخلٍّ عن الدعوى.. وتبرؤٌ من وهم العصمة.. وهو أن تقول: “لستُ كاملًا،لكنني صادق”
يقول عز وجل في سورة فصلت الآية 34: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.”. صدق الله العظيم.

2026\02\13

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com