هوامش في الكتابة الروائية 1

هوامش في الكتابة الروائية 1
jaber atiq

الرواية هي الرواية 

1/ الإشكالية المتجددة:
صدوق نورالدين/ المغرب

يوازي التشيكي “ميلان كونديرا” (1929/2023) في مسيرته الأدبية الخالدة (ألم يكتب رواية “الخلود”؟) بين الإبداع الروائي والنظر النقدي. ويتأسس الأخير على كلاسيكيات الرواية العالمية. هذه لم يكن بعضها متداولا غربيا وعربيا، بحكم سيادة أثار روائية لا ترقى لما تناوله “كونديرا” بالبحث النقدي الموضوع والعميق.

ونتمثل ما جاء في “فن الرواية” (1986)، حيث استحضرت تجارب كل من “هرمان بروخ” من خلال ثلاثيته “السائرون نياما”، “ياروسلاف هاشيك” انطلاقا من ثلاثيته أيضا ” الجندي الطيب شفيك”، “روبرت موزيل” في رائعته ” رجل بلا صفات” و “فيتولد غومبروفيتش” في “فيردديدروكه” و”كوسموس”. فبالتأسيس على هذه التجارب دون الغفل عن دراسته النقدية الواردة في كتاب “الوصايا المغدورة” (1993)، وخص بها “فرانز كافكا”، حيث وسمها ب ” ظل القديس غارتا.. الخصاء”، إلى استدعاء تجارب ” توماس مان” في سياق المقارنة بين التجارب الروائية، يكون “كونديرا” قد فتح أفقا مغايرا لقراءة الرواية العالمية. على أنه في الكتاب الأخير سيوسع دائرة النقد الروائي بالتركيز على الثلاثي: “كافكا”، “جويس” و”بروست” معتبرا قمة الحداثة تشكلت  مع هؤلاء، وكون الرواية ولدت في أوروبا وفق ما عبر عنه “سيوران”:
” بهذا المعنى أصاب سيوران بتسمية المجتمع الأوروبي ب”مجتمع الرواية”؟ وبكلامه عن الأوروبيين على أنهم “أبناء الرواية”. (الوصايا المغدورة/ الأوائل/ ص:14 )
وسينزع في سياق النظر النقدي لتفسير اختياراته الإبداعية والعوامل التي قادته كروائي إلى تدوين تفصيل من “تاريخ الرواية” عمل على الإسهام فيه إبداعا ونقدا.
بيد أن ما يثير في هذا المسار:
_ عمق الثقافة الروائية وتنوعها، والسعي للتعريف بوضعية الرواية في أوروبا ككل، خاصة التجارب التي طالها النسيان عن قصد.
_ التمكن من التحليل النقدي الجمالي المنبني على البعد الفلسفي والذوق الأدبي. وهو تمكن انبنى على المقارنة واستدراج المرجعيات الأدبية.
 الإسهام إبداعيا _ كما سلف _ في إغناء الرواية العالمية.
إني إذ أسوق الحديث بداية عن “كونديرا”، فبغاية التأكيد على ما كنت عبرت في هامش سابق من كون جنس الرواية يظل غربيا بالمعنى الأوسع لمفهوم الغرب. من جانب آخر، فإن ثقافة “كونديرا” مبدعا وروائيا أكسبته كفاءة الحديث عما أقدم على التأسيس له. من ثم فالرواية لا يمكن أن تكون إلا هي ذاتها. والقصد بناء خيالي يمتلك خاصاته وأبعاده الرمزية التي تسهم متعة الحكاية في ترجمتها وتحويلها معنى يبحث عن متلق يتفاعل وتفاصيله.
على أن تأمل وضعية جنس الرواية عربيا، يدفع _ وباستمرار _ لتساؤل قل أن طرح غربيا مؤداه: أترى توافر شكل الكتابة الروائي، إن لم يكن جنس الرواية ككل في التراث العربي القديم؟ وهو تساؤل يتجدد في كل مرحلة، وكأن الهدف إثبات كون الرواية أداة تعبير عن الواقع، متوافرة كشكل في موروثنا الأدبي القديم. وبالتالي، فالعرب أسبق من الغرب من حيث ظهور هذا الجنس. والواقع أن تجديد وتجدد طرح سؤال الإشكالية لا يميز بين ما يعد مظاهر نثرية أولى تنطبع بالسردية وفق ما يطالعنا في المقامة، الرسالة والحكاية وما انتهى إلى الاكتمال في صورة رواية. فالمظاهر، إرهاصات بدايات تتوافر في كل أدب، لولا أن القول بأنها الشكل الروائي العربي كما ظهر في الغرب لا يجانب الصواب، علما بأن العديد من الروايات العربية أسهمت في توظيف هذه الإرهاصات بقناعة تثبيت وجود الشكل الروائي في الأدب العربي القديم وكأن لسان الحال يخفي “بضاعتنا ردت إلينا”. يقول الروائي اللبناني إلياس خوري في كتابه القيم “تجربة البحث عن أفق”:
” ليست الرواية جزء من تراثنا الأدبي.” (ص/11)
فالنثر في صورة هذه البدايات كتابة عبرت عن مرحلة، إلا أنها لم تساير التحولات التي أفضت لظهور جنس الرواية، والمتمثلة في بروز الاهتمام بفلسفات الوعي الفردي، إلى تشكل المدينة كفضاء حياتي مفتوح على التعدد المهني واللغوي ونهضة المجتمعات الصناعية وما استلزمته من تعبير عن الحقوق المدنية والقوانين كما الصراعات الاجتماعية والسياسية، والأهم الرهان على الظفر بمكتسب الحرية ضدا على الاستبداد، حرية الوجود، القول والتعبير.
جسدت رواية “زينب” (1914)، البداية الفعل والحقيقية للرواية العربية. هذه ستثير إشكالا يوازي السابق. إذ ذهبت آراء كتاب وأدباء من سوريا ولبنان والعراق إلى استحضار تجارب روائية تنتمي إلى تراثهم الأدبي، في محاولة للتأكيد على ما أدعوه بالبداية المغايرة أو البديل، برغم شبه الإجماع الثابت حول “زينب”. إلا أن آراء أخرى ترجح “قنديل أم هاشم”(1940) ليحي حقي، علما بالمظهر الشكلي المهيمن للقصة، والذي حول دون اعتبارها رواية، بل إن تمثل قياس المقارنة الأدبية بين “زينب” و” قنديل أم هاشم” يفضي إلى الاعتبار النقدي الذي يرى إلى كون “زينب” وحتى من حيث أسبقية الظهور البداية النواة النواة للرواية العربية.
بيد أن ما يقتضي الجزم والتأكيد، ثلاثة عوامل تحكمت في طبيعة الإقرار السابق. إذ حرص الروائي اللبناني إلياس خوري على ذكر عاملين في كتابه السابق، وأؤثر إضافة ثالث لهما:
1 _ عامل الظاهرة الاستعمارية:
إن طبيعة الظاهرة الاستعمارية تقتضي النظر إليها في كلية وشمولية. بمعنى آخر، فإن تحديد الهدف منها في السياسي أو العسكري أو الاقتصادي فقط، لا ينبغي أن يقصي الثقافي والفكري. وفي هذا السياق تبرز قوة (الاحتكاك)، إذ يحدث أن تستعيد البلدان استقلالها، لولا أن الرمزي مجسدا في المعرفة الأدبية يظل فارضا استمراره وديمومته. على أن من صور الاحتكاك، التعرف على آداب المحتل في تعددها وتنوعها، ومن ضمنها يحضر جنس الرواية. الجنس الذي يغدو تداوله عالميا. إذ، لا يمكن الذهاب في القول بأن “بلزاك” أو “زولا” ومن خلال آثارهما الروائية يظلان فرنسيين، وينسحب الأمر على “دستيوفسكي”، “تولستوي”، “كافكا” و “كونديرا”. فالهوية الضيقة، تخلي مكانها لفساحة الكونية. إذ لم يعد نجيب محفوظا بعد حيازته جائزة نوبل في الآداب مصريا وحسب، وإنما غدا الروائي العالمي المقروء عربيا وغربيا.
2_ في البحث عن العلم والمعرفة:
إذا كانت الظاهرة الاستعمارية استقدمت جنس الرواية في سياق (الاحتكاك) بين مستعمر (بكسر الميم) ومستعمر(بفتحها)، فإن البعثات الدراسية الفردية والجماعية، هي من أقدم على الذهاب إلى الرواية. فالانتقال من مجتمع ضيق الأفق، إلى آخر مفتوح على العلم والمعرفة، شكل تحولا في نوعية التفكير، ومهد لقدرات الخلق والإبداع في أن تتشكل وتعلن عن ذاتها من خلال تجارب سردية راهنت على جنس السيرة الذاتية لاستجلاء واقع الذات و ما تستشعره من إحساسات التباين بين واقعين: الأصل والمنتقل إليه المعبر عنه من طرف إلياس خوري بالقول:
” طالب عربي، يعيش في أوروبا طلبا للعلم.” (ص/ 15). على أن مغامرة التعبير، ولئن اتسمت بكونها ذاتية من خلال نماذج ل: طه حسين، توفيق الحكيم، سهيل إدريس، الطيب صالح وغيرهم، فإنها جنست في روايات كتعاقد ضمني بين القارئ والنص، وكأن ثمة شبه خوف من البوح والتعري الذاتي أمام مرآة تولي الأهمية للجماعي على حساب الفردي حيث سيادة التقاليد وهيمنتها. وأعتقد بأن مفارقة الاختيار على مستوى التعبير المؤطرة في الذاتي المجسد لثنائية محورها الشرق والغرب، ابتدأت مما يمكن الانتهاء منه. فالتعبير المنبني بداية على السيرة الذاتية في تصوري يكاد يستنفذ مادة التعبير، إذا ما ألمحنا لكون الكتابة تتحقق من الماضي، إلى كون تفاصيل حياة الروائي الذاتية تتوزع على أكثر من نص روائي، وهو ما اعترف به الروائي جبر إبراهيم جبرا قبل إقدامه على كتابة “البئر الأولى” و”شارع الأميرات”، وعلى السواء الروائي المغربي محمد زفزاف الذي لم يدون سيرته الذاتية، بل ظلت موزعة على امتداد آثاره الروائية من “أرصفة وجدران” إلى “أفواه واسعة”، والرأي يشمل بالتمام السيرة الذاتية “في الطفولة” لعبد المجيد بنجلون الذي لم يراكم في حقل الرواية آثارا تذكر، إذ ابتدأ بالسيرة وانتهى أيضا.
على أن محور الذات مؤطرا في ثنائية الشرق /الغرب، لم يغيب عن التعبير رهان ملامسة خصوصية الرواية العربية مجسدة في الواقع عبر مختلف تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتحديد مرحلة ما بعد الاستعمار، علما بأن الكم الكبير من الروايات العربية تناول هذه المرحلة بالوصف والنقد الدقيق. من ثم وظف السرد الروائي في صيغة قصة، رواية و سيرة ذاتية من منطلق كونه الأداة الوافدة لفضح وتعرية  من تحقق (الاحتكاك) بهم مباشرة أو العكس.
إن طالب الأمس، روائي اليوم، وقد استكمل _ نسبيا _ مرجعياته في الأدب والفكر من حقه التعبير في حرية ينعم بها الفرد والإنسان عموما، عن قضايا ذاتية تشغله وترتبط بواقعه.
3 _ عامل الترجمة:
إن العامل الثالث الذي أؤثر إضافته إلى ما جاء به الروائي اللبناني إلياس خوري في “تجربة البحث عن أفق” عامل ترجمة الآداب العالمية الذي أسهم فيه بداية المصريون والسوريون ولاحقا العراقيون والكويتيون، انطلاقا مم مؤسسات ثقافية حكومية لعبت دورا رياديا في التعريف بجنس الرواية القصة والسيرة الذاتية، إلى الحد الذي يمكن القول في ضوئه اليوم بأن العديد من الآثار الأدبية الكلاسيكية يعاد تجديد عملية نشرها وطبعها لتوفيرها في سوق القراءة والمعرفة. ولعل من الطرائف التي يحق سردها في هذا المقام أن “دار توبقال” المغربية أقدمت على ترجمة ونشر كتاب “مديح الظل” للروائي الياباني “جونشيرو تانيزاكي” وتكفل بذلك الروائي التونسي الحبيب السالمي الذي لم أعرف له ترجمة غيرها. فلم يكن “تانيزاكي” معروفا حينها مغربيا، بينما كان المصريون سباقين إلى ترجمته.
فالترجمة على ندرتها وتباين فيمتها وجودتها، تظل على المستوى العربي ضئيلة تحتاج توسيع آفاقها وبالضبط فيما يتعلق بوزارات الثقافة التي لا تبدل جهدا غي حقلي النشر والترجمة.

يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com