هلوسة ليلية
أسباب الكتابة :
【 في البداية أرغب في الإشارة إلى أن أسباب نزول هذه الهلوسة يعود بالأساس إلى لقاء ماتع – بكل مافي الكلمة من معنى – مع أحد الأصدقاء القدامى ، راجيا تقبلها بالرحب والسعة المعهودة فيكم / فيكن أيها الأفاضل والفضليات. 】
منذ اللحظة الأولى أعلن أني لست فقيها لغويا ، ولا عالم لسانيات ولكني مهووس بلغتنا الجميلة والغنية، رغم التهميش الذي يٌلْحَق بها على الدوام . ومع ذلك سأبقى مصرّا على معرفة السر الكامن وراء العنصرين المتحكمين في دوران الساعة واشاراتها المسميين ب “العقارب”. ثم من أين للإنسان بهذه التسمية / الصفة، وهو الذي يتفاداها لطبيعتها العدائية، ويخشى أن يتعرض للسعاتها القاتلة التي قد تصيبه وهو في غفلة، جراء زلة إحدى خطواته، واعتقاده أنه منتصب القامة، مرفوع الهامة يمشي، فتصيبه – من حيث لا ينتهب – بشوكتها المسمومة، ثم تتسلل إلى جحرها غير مبالية بما تكون عليه ضحيتها.
تحضرني هذه الهلوسة ، لأستحضر كل الأشخاص الذين لم ترحمهم الساعة ولا عقاربها ، فيتم الحكم عليهم – غيابيا – بالعيش بعيدا عن دفء العائلة ، بعد أن كانت بيوتهم عامرة مليئة بالأهل … الأحباب … الأقارب … المعارف . قبل هجرة أو انسحاب الجميع ، فيغدو البيت مقفرا يردد صدى وقسوة غياب … تخلي…
تناسي من كان ضجيجهم يتردد صباح مساء في فضاءات بيت رعاهم بكل حب وود وسكينة…
فإذا كان ذاك شخص تحكمت فيه عقارب الساعة ، فشلَّت حركته وحكمت عليه بالعيش خارج منظومتها حتى ضاع منه المجداف والملاَّح ، وصار يمشي مهموما مكسور الجناح … فإن هناك – آخر – توالت عليه “عقارب ” الساعة ، فضاعت منه البوصلة بفقدان عمله ، رغم أنه صاحب مكانة خاصة وخبرة مشهود له بها ، ولم تشفع له تجربته الكبيرة ولا شهاداته العلمية أو انتاجاته العملية ليجد نفسه قاب قوسين أو أدنى من الضياع ، مرَدٍّدا في صمته الصاخب “إذا كان العلم نور والجهل أنور …”
ومن غرائب صدف فعل عقارب الساعة ومكر الأيام ، أن تقف على إقالة الفرد – بدون سابق إنذار-
من عش بيت الزوجية ، بعد قضاء أجمل وأحلى فترات العمر في إعداده وتنميته والحرص على بهائه . فيتشتت وكأنه انفجار بركان كان خامدا فتحترق معه الأحاسيس، المحبة ، السمو … ويحكم على ربان السفينة بالتيه في آخر العمر ، وهو غير القادر على ضبط دفة المسار ولا التحكم في شراع المشي والمسير .
وكأني به يردد في صمت:
【 أروح لمين وأقول يا من ينصفني منك】 فتتوالى السنوات وتتعدد الذكريات ولا تتوقف عقارب الساعة عن الدوران ، وتبقى معلنة عن لسعاتها ووخزاتها
القاتلة، دون أن تبالي بضحاياها أبدا .
والخلاصة أَرُصُّهافي قول:
حفظكم جميعا من كل ” العقارب ” في حر الصيف أو عز البرد والليالي العشر.
مع تجديد الاعتذار عن هذه الهلوسة الليلة . وسأبدل ساعة بأخرى كما كانت تنصحني جدتي لها المغفرة وعليها الرحمات .
عبد اللطيف سرحان
2 يناير / 2026
