“مغرب الحضارة” الجزء الثاني والثالث
التنمية العادلة ممكنة – واجب الأغنياء: الالتزام والاستثمار
تأملات

بعيدًا عن استغلال الظرفية والركوب على الموجة والاحتجاجات لتصفية الحسابات أو تبادل الاتهامات أو تأجيج التوترات أو نشر المزايدات، يجب أن نقرّ بأننا جميعًا مسؤولون – بنسب متفاوتة – عن عدم تحقيق العدالة الاجتماعية بسبب الإخفاقات في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والتشغيل. كما أننا مسؤولون أيضًا عن غياب العدالة المجالية نتيجة تهميش بعض الجهات والأقاليم الجبلية والقروية وحتى بعض المناطق الحضرية.
ومن ثمّ، لا بد أن نعترف بأن المسؤولية مشتركة، من الموظف الصغير إلى رئيس الحكومة، مرورًا بالمنتخبين والإداريين والمسؤولين والسلطات. مسؤولية تمتد عبر عقود، ولا مجال بعد اليوم للتراشق والتنابز والاستغلال السيئ، إذ لا يليق ذلك لا شرعًا ولا وطنية.
وأنا – مثل كثير من الفاعلين المدنيين والإعلاميين والمثقفين – أحاول أن أُسهم في بلورة مبادرات ومقترحات لمن يهمه الأمر، لعلها تكون نافعة في معالجة المعضلات التي تسببت في وجود “مغرب بسرعتين”، وما نتج عنه من إحباط ويأس واحتجاجات.
وقد سبق أن نشرت منذ سنوات مقالات في سلسلة “مغرب الحضارة”، تناولت قضايا وحلولًا تتعلق بتوحيد سرعة المسار التنموي لبلادنا وآثاره الإيجابية على جميع المواطنين والمناطق. ناقشتُ فيها قضايا النزاهة والمحاسبة، والثقة بين الدولة والنخب، والتنمية العادلة، وبناء الإنسان، والحكامة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، إضافة إلى موضوعات الماء والأمن الغذائي، والاستثمار والتشغيل والشباب. وقد كانت تلك المقالات دعوة للنصح والتقييم، واعترافًا بالتقصير، ومحاولة للتكفير عنه بالدعوة إلى التعاون لتدارك الأمر وإحداث منعطف تاريخي في مسار التنمية الوطنية.
وأؤمن أن أغنياء الوطن قادرون على تحمّل مسؤولياتهم، ودعم الدولة في إيجاد الحلول، ومواكبة المجتمع لترسيخ التضامن. وفي هذا السياق، أقترح بعض التدابير العملية التي من شأنها الإسهام في تحقيق التنمية العادلة، خصوصًا في ما يتعلق بخلق فرص الشغل وتنمية الأقاليم الفقيرة، ويمكن الإلتزام بها كلها أو بعضها :
1. أداء الضرائب كما يجب والاستفادة من برامج التسوية بما يحقق مصلحة للوطن والمصرِّح معًا.
2. ضخ الأموال غير المصرح بها في الدورة الاقتصادية والنظام المالي الوطني.
3. استرجاع الأموال المودَعة بالخارج والاستفادة من برامج التسوية، وضخ جزء منها في الاقتصاد الوطني.
4. المزيد من الاستثمار في القطاعات المشغّلة والمربحة، خصوصًا في المناطق المحتاجة، وفق تعاقد متوازن يفيد الدولة والمستثمرين.
5. تشغيل إضافي بنسبة 10% من اليد العاملة الحالية، وهو إجراء قد لا يكلف إلا نسبة بسيطة من الأرباح.
6. احتضان عدد من الشباب بمنح شهرية لمدة سنة أو سنتين للتكوين أو لإعداد مشروع، على أن تخصم هذه النفقات قانونيًا من الضرائب.
7. التصريح الكلي بالعاملين وتمكينهم من زيادات معقولة تساهم في تقليص الهشاشة وتساعدهم على بناء أسر مستقرة.
8. اقتسام الأرباح مع الدولة بالنسبة لمن استفادوا من مشاريع مدعومة في مجالات الفلاحة والمعادن والصيد البحري والمقالع والسكن وغيرها.
9. إطلاق برامج للتكافل التنموي من أموال الزكاة ونسبة من الأرباح، سواء فرديًا أو جماعيًا.
10. دعم التعاونيات والمقاولات الصغرى والمقاولين الذاتيين عبر المناولة أو اقتناء الحاجيات منهم.
إنني على يقين أن الدولة والأغنياء قادرون على إيجاد صيغ لتعاقد وطني يجمع بين الإلزام والتوافق والتطوع، فيكون في مصلحة الجميع: الدولة، والمجتمع، والأغنياء. تعاقد يسهم في الاستجابة للمطالب الاجتماعية والمجالية، ويكفّر عن إخفاقات وتجاوزات الماضي، ويؤسس لمزيد من الطمأنينة والاستقرار.
الأربعاء 2 أكتوبر 2025
التنمية العادلة ممكنة
بالالتزام بالأولويات والترشيد
الجزء الثالث:
بعيدًا عن منطق التعالي، وانطلاقًا من التجربة، وبناءً على تقارير مؤسسات الحكامة، أكاد أجزم أنه بالإمكان إنجاز أكثر مما يُنجز وبجودة أعلى، ولصالح فئات ومناطق ذات أولوية، إذا ما التزمنا بالأولويات المبرمجة وبالحكامة الجيدة، ومن ذلك الترشيد وتقديم الأفضلية لكل ما هو مغربي.
وإن من أسوأ مظاهر ضعف الحكامة وأحد أبرز أسباب التفاوتات الاجتماعية والفوارق المجالية، التبذير في إنفاق المال العام. ومجالات التبذير عديدة ومتنوعة، مما يستدعي التعجيل بتفعيل كل التشريعات والإجراءات ذات الصلة. والأمثلة كثيرة:
الطرق: تُنجَز طرق جديدة أو تُعاد هيكلة أخرى وتوسيعها، لكن يُرفق ذلك أحيانًا بترصيص وزخرفة غير ضرورية للجوانب، أو بمواد مرتفعة الثمن، وقد يتم الاستغناء عن مواد ما تزال متينة وصالحة.
الإنارة العمومية: تُرصد لها ميزانيات تفوق الحاجة، بأعمدة ذات تصاميم مكلفة حتى في شوارع محدودة الاستعمال أو مراكز قروية. وأحيانًا يتم تكثيف الأعمدة بمسافات قصيرة مما يضاعف الكلفة، بل يُستغنى عن تجهيزات ما تزال صالحة ولا تحتاج سوى إلى صيانة بسيطة.
الساحات والمنتزهات والمرافق العمومية، وخاصة الاجتماعية والثقافية والرياضية: هي ضرورية، لكن غالبًا ما يُعاد تأهيلها أو تجهيزها بكلفة مرتفعة بسبب إضافات وتحسينات غير لازمة تُثقل الميزانيات. ولو وُجهت هذه الاعتمادات إلى أحياء ناقصة التجهيز لكان أثرها أعمق لدى المواطن.
المباني الإدارية والخدماتية (مثل النقل): تُبنى أو تُجدد بإفراط في المكونات، كالجدران الزجاجية والرخام والإضاءات المرفهة، مما يرفع الكلفة الأولية ويضيف أعباء صيانة باهظة.
المهرجانات والحفلات: تُنظم أحيانًا بكلفة عالية، حتى في جماعات قروية فقيرة أو مدن تفتقد أحياؤها إلى مرافق أساسية. في حين يمكن لأنشطة ثقافية ورياضية وفنية أقل كلفة أن تحقق نفس الأثر، مع تثمين المؤهلات المحلية.
المقتنيات: تُقتنى سيارات وآليات وتجهيزات وحواسيب وطابعات ومعدات مكتبية أخرى باهظة الثمن أو غير ضرورية. ومثل صارخ لذلك ومثلها كثير: اقتناء جماعات قروية لسيارات رباعية الدفع دون حاجة فعلية إليها.
نفقات التسيير: تُرصَد ميزانيات كبيرة للصيانة والوقود والطباعة والأسفار والإعلانات ودعم الجمعيات والمنابر الإعلامية. ورغم أهميتها، إلا أن المبالغة في الإنفاق عليها واضحة.
كل سنة، تُعلن آلاف الصفقات والطلبيات في الوزارات والمؤسسات والشركات العمومية والجماعات الترابية، وتكلف مليارات الدراهم. ولا أبالغ إن قلت إن التركيز على الضروريات فقط قد يمكّن من تقليص الميزانية بنسبة معتبرة، مما يسمح بالاستجابة لحاجيات إضافية في نفس القطاعات والجماعات، أو بتقليص الفوارق المجالية، أو بدعم التعليم والصحة والتشغيل.
كما أن من الترشيد، بل ومن الوطنية الصادقة، أن تُعطى الأولوية للشركات الوطنية والمقاولات الصغرى والتعاونيات، وللمنتوج الوطني وللصناعة التقليدية، بما يقلل من الاستيراد ويحد من العجز التجاري، ويقوي الفاعل الوطني ويدعم الصناعة والحِرف المغربية. أما عكس ذلك، فهو تكريس للتبذير والتفريط في كل ما هو مغربي.
ومن الترشيد أيضًا استغلال الفراغات الكثيرة في الأرصفة والساحات والمنتزهات والمرافق والبنايات الخدماتية ومحيطها لإقامة محلات وأنشطة تجارية وخدماتية ومعارض دائمة للصناعة التقليدية. وهذا من شأنه أن يحقق مداخيل معتبرة تُسهم في الصيانة واسترجاع جزء من الاستثمار، فضلًا عن خلق فرص شغل يحتاجها الوطن بشدة.
إن التنمية العادلة ليست حلمًا عابرًا، ولا وهما يُتداول في الخطب والشعارات، بل هي ثمرة صدق في الإرادة ورشد في التدبير. فإذا التزمنا بالأولويات، وأحسنا توجيه المال العام، وأعطينا المقام الأول لما هو مغربي في الإنسان والمنتوج، أمكن لكل درهم أن يترك أثرًا مضيئًا في حياة المواطن. وحينها، يرسخ “مغرب الحضارة” في أبهى صوره: مغرب الكرامة والعدالة والإنصاف.
عزيز رباح
السبت 4 أكتوبر 2025
