ما بعد اليقين…

ما بعد اليقين…

 التصوّر الفلسفي المغاير للاستطيقا الشعرية

بين مطلق الميتافيزيقا وانكشاف الكينونة

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.

في مفترق الطرق بين الفلسفة والشعر، وبين الميتافيزيقا والاستطيقا، تقوم جدلية المعنى والكينونة بوصفها رهانا أساسيا على تحرّر الفكر من دوغمائية اليقين، ومن وهم التأسيسات الميتافيزيقية المتعالية. إننا هنا لا نتحدث عن مجرد اختلاف في الحقول أو المناهج، بل عن تعارض في أنماط الوجود نفسها: فالميتافيزيقا تسعى إلى الإمساك بالجوهر، بينما الاستطيقا الشعرية تسبح في فضاء الانكشاف، في تعرّجات الجمال الذي لا يُحدّ، ولا يُعاد إنتاجه وفق مقولات التماثل أو التطابق.

أولاً: الميتافيزيقا بين اليقين والدوغمائية.
منذ أفلاطون، تأسست الميتافيزيقا بوصفها علماً لما بعد الطبيعة، لكنها سرعان ما تحوّلت – مع اسبقية العقل في التقليد الغربي – إلى نظام يقيني يُعلي من شأن المطلق والثابت، ويقصي الطارئ والعرضي، بل يتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديداً للحقيقة. وهكذا فإن اليقين الميتافيزيقي لا يستقيم إلا بإقصاء الغموض، والنفي المستمر للشك، وتحنيط المعنى ضمن نسق تمّ تصميمه مسبقاً.
لكن هذا اليقين لا يلبث أن يتحول إلى دوغمائية مغلقة، كما أشار كانط في نقده للعقل المحض، حين جعل الميتافيزيقا التقليدية أسيرة مفاهيم لا تنتمي إلى التجربة. فالدوغمائية – كما يعرّفها بول فاليري – هي “يقين بلا وعي بمصدره، وادّعاء بالحقيقة دون مساءلة للوسيط الذي يبلورها”.

ثانياً: التصوّر الفلسفي المغاير للاستطيقا الشعرية.
في مواجهة هذا التصلّب الميتافيزيقي، تنهض الاستطيقا الشعرية كندٍّ أنطولوجي، لا لتنتج علماً آخر، بل لتحيي حسّاً آخر في مقاربة الوجود. فالشعر لا يطالب بيقين، بل يراهن على الدهشة والاختلاف والانكشاف. إنه لا يُنتِج معرفة تطابقية، بل رؤية تؤول، وتحاكي، وتُجسِّد، وتفكّك.
وهنا تبرز مقولة هايدغر الجوهرية:
«في الشعر تسكن الحقيقة».
فالحقيقة، من منظور هايدغر، لا تُدرك بواسطة النسق الميتافيزيقي، بل تتجلّى من خلال الكشف الشعري عن كينونة الموجودات. الشعر هو نداء الكينونة، لا تفسير لها؛ إنه لغة تُنصت لما لا يُقال، وتستدعي الجمال من أعماق الغياب، لا من سطح الحضور.

ثالثاً: الكينونة بوصفها انزياحاً لا جوهراً.

إن التصور الجمالي الشعري للكينونة، كما يظهر في أعمال هايدغر وبول ريكور وموريس بلاشو، لا يرى الكينونة كجوهر، بل كمفارقةٍ وانزياحٍ وتوترٍ مستمر.
فالكينونة ليست وحدةً متعالية، بل هي توليد للفوارق، وتكثيف لحركة التوتر الحيوي داخل اللغة والذات والعالم. فكما يقول دولوز، “الاختلاف ليس ما يُقاوِم الهوية، بل ما يُنتِجها”. وبالاستناد إلى هذه المقولة، يمكن النظر إلى القصيدة كحقل خصب لتوليد الفوارق الجمالية التي تقاوم تطبيع المعنى، وتُعيد تشكيله على نحو انزياحي ومجازي.

رابعاً: الجمال كتجلي لكثافة الوجود.

في مقابل الميتافيزيقا التي تُطوِّب الحقيقة في نظام، وتُقيِّد الجمال في معايير، تأتي الاستطيقا الشعرية لتمنح الجمال حرية أن يكون نداءً للكينونة، لا زينةً إضافية على سطح الخطاب.
الجمال هنا هو لحظة انكشاف غير متوقّعة، ناتجة عن تماوج الباطني والظاهر، وعن التوتر الذي يخلقه الشعر بين اللغة والوجود، بين المجاز والكينونة. وكأن كل صورة شعرية هي محاولة “لإزاحة القناع” عن وجه الوجود، كما يقول ريلكه:
«كل جمال هو بداية رعب لا يمكننا تحمّله».
_ الجمال الذي يولّده الشعر، ليس تناغماً ظاهرياً، بل اهتزاز كينونيٌّ عميقٌ، يزعزع يقيننا، ويوقظ فينا اللامفكّر فيه.

خامساً: القصيدة ككائن أنطولوجي.
القصيدة، في التصور الفلسفي المغاير، ليست مجرد شكل أدبي، بل كائنٌ أنطولوجي يتخلّق من ذاته، ويعود إلى كينونته، لا ليؤكّدها، بل ليعيد تشكيلها. إنها ليست رسالة، ولا تمثيلاً لواقع، بل هي حدث لغوي، يحمل في طياته صدى الوجود كله.
فكما يرى غاستون باشلار: «القصيدة ليست خطاباً، بل إقامة داخل العالم». إنها إقامة في لحظة الهاوية، في انعدام اليقين، حيث يصبح الشاعر شاهداً لا على ما هو، بل على ما يتخفّى خلف ما هو.

سادساً: إرادة التمزق لا إرادة التطابق.
في عمق الاستطيقا الشعرية، كما تتجلى في هذا التصور الفلسفي، تكمن إرادةٌ لا تطلب المطابقة، بل التمزق. تمزق في البنية، في السياق، في المعنى. إن القصيدة لا تأتي لتؤكد عالماً مألوفاً، بل لتكشف عن هشاشته، وتوقه، وعريه، وتناقضاته.
فالشعر، كما يقول أدونيس: «هو الحقيقة التي تفلت من كل يقين»، وهو بهذا المعنى يقف ضد العقلانية الوثوقية، وضد الميتافيزيقا التي تتحدث باسم المطلق، لأنه يتماهى مع قلق الإنسان، لا مع استقراره.

خاتمة: في مديح المجهول والجرح الجميل.

إذا كانت الميتافيزيقا التقليدية قد سعت إلى محو الغموض، وإقصاء الغياب، فإن الاستطيقا الشعرية تنبثق من حنين عميق إلى المجهول، ومن رغبة جامحة في تلمّس الجمال في أعمق أشكاله الموجعة.
وفي عالم تتسارع فيه أنماط التشييء والتماثل، يصبح الشعر هو الملاذ الأخير للوجود الهارب من اليقين، والمنفتح على الكينونة كجرح لا يندمل، وكجمال لا يكتمل، وكنداء لا ينتهي.

مراجع عامة :
_مارتن هايدغر، هولدرلن وماهية الشعر.
_ بول ريكور، الذات بوصفها آخر.
_ غاستون باشلار، جماليات المكان.
_ دولوز وغاتاري، ما الفلسفة؟.
_ جان لوك نانسي، مقاربة للجمال.
_ موريس بلاشو، القصيدة والكينونة.
_ رينيه شار، شذرات شعرية وفلسفية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com