الفراعنة والمسرح
المسرح الفرعوني كان يغلب عليه الطقس الديني
عقد منتدى آفاق الفكر والثقافة بإدارة الشاعرة السورية الكبيرة : فيروز مخول، والأديبة السورية : ريما آل كلزلي، والشاعر السوري المتميز: جورج عازار ندوة بتاريخ السبت الموافق 12-7-2025م عبر تطبيق ( زووم ) حول (الحركة المسرحية في الجليل) بدولة فلسطين ، وحاضر فيها الدكتور نايف خوري من فلسطين، والدكتورعلي الشوابكة من الأردن ، وشارك في الحوار الدكتورة دورين سعد من جامعة القديس يوسف بلبنان ، والأديب محمد ياسين خليل القطعاني من مصر، وعدد كبير من الأدباء والكتاب.
وقد شارك الكاتب المصري محمد ياسين خليل القطعاني في الندوة بهذا المقال الذي وافانا به لقراء جريدة ألوان مشكورا وهو في غاية السعادة للاطلال على متتبعي الموقع في كل مكان.
هل عرف الفراعنة المسرح ؟
السؤال قد يكون مُدهشًا للقارئ وللسامع وللمتلقي، وقد يتبادر إلى الذهن مع التعجب سؤالٌ آخر : لماذا نلجأ نحن ـ العرب ـ إلى ادعاء بعض (الأشياء )، وننسبها إلى الأقدمين من أسلافنا ؟
وهذه الادعاءات نلمسها عندما نتحدث عن الآداب، أو الطب، أو الزراعة، أو البناء، أو الهندسة، أو علم الاجتماع، وغير ذلك من المعارف…
وقبل أنْ تسيطر علينا حالة الاندهاش والإنكار، أحيلكم إلى العالم الفرنسي الشهير: ( غوستان ماسبيرو)؛ ليجيب عن هذا السؤال، وهو عالم المصريات في الجامعات الفرنسية في زمانه، وأحد الذين ترجموا مئات (البرديات ) الفرعونية من اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة إلى اللغة الفرنسية، وشغل منصب مدير مصلحة الآثار المصرية ، ثم منصب مدير المتحف المصري للآثار أيام الحكم الملكي لمصر قبل ثورة 1952م .
والسيد (ماسبيرو) كما تحكي عنه الوثائق الفرنسية والبريطانية تعلم اللغة الهيروغليفية القديمة وهو في الرابعة عشرة من عمره ، ثم تعلم اللغة العربية بعد ذلك، وأجادها قراءةً وتحدثًا وكتابًة، وكان من أعظم علماء المصريات.
يذكر السيد ( ماسبيرو ) أنّ الدراما الدينية الفرعونية نشأت في مصر القديمة قبل اليونان، فالبرديات وجدران المعابد حافلة بالقصص الغنائية التمثيلية وخاصة في عصر الدولة المصرية الوسطى (1200) قبل الميلاد . ويضيف: الفراعنة أول شعب عرف الموسيقا، وهم الذين اخترعوا آلة ( الناي والهارب )، كما عرفوا الرقص الإيمائي الذي يعتمد على الحركات، ويؤديه الأفراد والمجموعات وهو يشبه رقص (الباليه).
ونستعير في هذا المجال ما ذكره الأستاذ الدكتور محمد الحداد أستاذ الأدب والنقد في جامعة الاسكندرية وجامعة القصيم في إحدى محاضراته عندما قال : ” الدراما اليونانية عرفت طريقها إلى العالم في القرن السادس قبل الميلاد ، والدراما الفرعونية سبقتها بأكثر من ألف سنة قبل الميلاد، وينقل عن العالم المصري الدكتور : سليم حسن صاحب كتاب ( موسوعة مصر القديمة) أنّ الدراما المصرية سبقت الدراما اليونانية، ويستدل على ذلك بعلماء أجانب منهم :المؤرخ الإنجليزي المسرحي الشهير( آلاردايس نيكول) الذي شغل منصب رئيس جمعية أبحاث المسرح، ينقل عنه قوله : ” إنّ مؤلفي المسرح في اليونان تأثروا بالطقوس الدينية عند الفراعنة من ناحية الشكل وأحياناً المضمون “.
كما ذكر أنّ المؤرخ الأشهر ( هيرودوت) لما زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، شاهد في مصر بعض العروض التشخيصية، كان كهنة الإله ( آمون ) يقدمونها في ساحات المعابد، وقال أنّه رأى الممثلين يرتدون ملابس تناسب الأحداث الدرامية، كما أنهم يستخدمون بعض الأشياء المعينة ( الاكسسوارات)، وشاهد دراما تتحدث عن قصة ( إيزيس وأوزوريس )، وكان منهم من يقوم بدور (أوزوريس)، ومن يقوم بدور (ست) إله الشر، ومن يقوم بدور (حورس)، ومن تقوم بدور(إيزيس).
ويذكر الدكتور: محمد الحداد في إحدى محاضراته أنّ الفراعنة سجلوا على البرديات وجدران المعابد بعض أنواع الدراما، مثل دراما ( بداية الخلق ) ودراما ( انتصار حورس)، وسجلوا كذلك تفصيلات عمليات الأداء وحركات الممثلين واكسسوارات من الأسلحة والتيجان والقوارب، بل إنهم صنعوا هيكلاً (لفرس النهر) من الخبز المبتل ليسهل تقطيعه أمام المشاهدين حسب الأحداث الدرامية، كما ذكر بعض أجزاء من الحوار الذي يدور بين (المرتل)، والملك وفرقة المغنين.
والأكثر إدهاشاً عندما ذكر أنّ هناك دراما فرعونية قديمة بعنوان: ( التتويج ) وجدوها على إحدى البرديات، ومقسمة إلى ستة وأربعين مشهداً مسرحيًا ، وترجع إلى عصر الملك ( سنوسرت الأول) .
ويضيف أنّ مُتحف برلين والمتحف البريطاني بهما برديات تتحدث عن الإرشادات الخاصة بالتمثيل وهيئة الممثل وملابسه وخطة الإخراج ، وأن الملك وأسرته وحاشيته كانوا يحضرون هذه المسرحيات.
وحتى نكون منصفين في نهاية هذا المقال يمكنني أنْ أقول :
إن المسرح الفرعوني كان يغلب عليه الطقس الديني، وكان يمارس في المعابد، ويتناول موضوعات أسطورية، ولم يتطور كما تطور المسرح اليوناني، ولم يكن له منظرون كما فعل ( أرسطو) .
محمد ياسين خليل القطعاني: الكويت / مصر
